أي فنـزويلا بعـد هوغـو تشافيـز؟

كان خبراً مفجعاً بالرغم من أن الأنباء اليومية المتلاحقة منذ أربعة أشهر نزعت عنه عنصر المفاجأة. بالأمس، مات هوغو تشافيز، لكن الحديث عن مستقبل فنزويلا بعد رحيله انطلق مبكراً، وراح يتكرر بين حين وآخر، إلى ان اتخذ وتيرة تصاعدية منذ الحادي عشر من كانون الأول العام 2012، حين خضع الزعيم اليساري لعملية جراحية في كوبا لاستئصال ورم خبيث صارعه لأكثر من سنتين.
بالأمس، انتهت المعركة بين تشافيز والسرطان بأن أسلم الزعيم اليساري التاريخي الروح، لكن وفاته فتحت الباب على مصراعيه أمام معركة جديدة أشد خطورة بين «الثورة البوليفارية» التي قادها منذ العام 1999، وبين أمراض خبيثة أخرى ظلت تتربص بها، منذ أن نجح الضابط المغامر في تحويل وجهة تلك الدولة الأميركية الجنوبية من بوابة للسياسات النيوليبرالية والامبراطورية، إلى الحجر الأساس لـ«اشتراكية القرن الحادي والعشرين»، والعمود الفقري للتكامل الاقتصادي ـ السياسي في أميركا اللاتينية، ومنبر التضامن الأممي مع الشعوب المقاومة.
سبعة أيام حداد، قد تكون كافية لكي يتجاوز الفنزويليون، ومعهم محبو تشافيز حول العالم، صدمة رحيل القائد ـ الرمز، لكنها قد تكون أيضاً فرصة للتأمل في السؤال المحوري الذي يجول في أذهان كثيرين: «أي فنزويلا بعد تشافيز»؟

من يخلف تشافيز؟

لا يزال الغموض يلف مسألة خلافة تشافيز. وطبقاً للدستور الفنزويلي، فإنه «عندما يحدث الغياب المطلق للرئيس المنتخب قبل توليه المنصب، تجرى انتخابات جديدة عامة ومباشرة وسرية خلال ثلاثين يوماً. وريثما يتم انتخاب وتولي الرئيس الجديد للمنصب يقوم رئيس الجمعية الوطنية (البرلمان) بتولي رئاسة الجمهورية».
نظرياً، ستنتهي الانتخابات الرئاسية المقبلة بفوز مؤكد لأحد مرشحي معسكر الـ«تشافيستا»، وهو أمر يعود إلى أسباب عديدة، في مقدمتها النجاح الكبير الذي حققه «الحزب الاشتراكي الموحد لفنزويلا» في انتخابات الرئاسة والمجالس المحلية خلال العام الماضي، وتشتت أحزاب المعارضة، وفقدانها الكثير من رصيدها في أوساط الناخبين بعدما اتسم دورها خلال السنوات الأربع عشرة من حكم تشافيز بالطابع «التخريبي» أكثر منه «البنّاء»، وهو ما تبدّى خصوصاً في الانقلاب الفاشل الذي سعى المعارضون لتنفيذه بالتنسيق مع الولايات المتحدة في العام 2002.
هكذا تبدو مسألة خلافة تشافيز محصورة ضمن معسكر «الثورة البوليفارية». وثمة اعتقاد راسخ أن الرئيس المقبل للبلاد سيكون نيكولاس مادورو، الذي اختاره تشافيز نائباً له، وأوكله كافة صلاحياته، حين تدهورت صحته خلال الأشهر الأربعة الماضية، وهو أحد أقرب المقربين إلى صاحب مشروع «الثورة البوليفارية» على المستويين الشخصي والايديولوجي، ويتمتع بشعبية كبيرة على مستوى القاعدة الحزبية.
لكن الأمر ليس بهذه البساطة، فحسم مسألة الخلافة لصالح مادورو تتطلب توافقاً على مستوى الدائرة الضيقة التي كانت تحيط بتشافيز، وهي تقوم على اربعة أعمدة: نائب الرئيس نيكولاس مادورو ذي الرصيد الشعبي الكبير داخل «الحزب الاشتراكي الموحد لفنزويلا»، ورئيس الجمعية الوطنية ديوسدادو كابييو المعروف بصلاته القوية مع المؤسسة العسكرية، ووزير المال خورخي جيورداني المتحكم بالمفاصل الاقتصادية في الدولة، ووزير النفط رافاييل راميريز الممسك بقطاع الطاقة.
يعني ذلك أن أي قرار يتخذه أحد رفاق مادورو بخوض الانتخابات الرئاسية، قد يطلق العنان لصراع حاد على مستوى مراكز القوى، ويعيد خلط الأوراق مجدداً، ليعطي أحزاب المعارضة املاً في امكانية العودة إلى حلبة المنافسة الانتخابية.
لكن المؤشرات الأولية توحي بأن الأمور تمضي باتجاه تسهيل وصول مادورو إلى الحكم، ففي رصيد النقابي العنيد ما يكفي من النقاط، لكي يجعل الآخرين يفكرون كثيراً قبل التجرؤ على خوض المنافسة في وجهه، بدءاً من موقعه الريادي داخل الحزب، وصولاً إلى تجسيده «رغبة تشافيز» التي تعهد الجيش الفنزويلي باحترامها بعد دقائق من الإعلان عن رحيل الزعيم اليساري.

تحديات المرحلة الجديدة

ما يعزز التوقعات بأن تمر مسألة الخلافة بهدوء، هو أن ثمة إدراكاً لدى أجهزة الحكم على دقة المرحلة التي رحل فيها تشافيز، وحجم التحديات التي تثقل تركته السياسية.
أبرز تلك التحديات تتمحور حول الاقتصاد الفنزويلي، المحرّك الأول للحياة السياسية في هذه الدولة الاميركية اللاتينية المنتجة للنفط (2,881 مليون برميل/اليوم)، ومن أهم أشكالها التضخم والشح في المواد الغذائية ونقص الاحتياطي من العملات الأجنبية.
وبذلك فإن الاقتصاد يمثل التحدي الأول الذي ينبغي على خليفة تشافيز أن يواجهه لكي يضمن استقراراً لعهده، ويحافظ على شعبية الحزب الحاكم.
ومن المعروف أن شعبية تشافيز تنامت خلال الأعوام الأربعة عشر لحكمه من خلال السياسات الاقتصادية الاشتراكية التي انتهجها، والتي حسنت بشكل ملموس ظروف الحياة لملايين الفنزويليين من الطبقات الفقيرة، فقد انخفضت نسبة البطالة في عهده من 14,5 في المئة (1999) إلى 7,6 في المئة (2011)، فيما ارتفع خلال الفترة ذاتها متوسط الدخل الفردي من 4105 إلى 10801 دولار، وتراجعت نسبة الفقر من 23,4 في المئة إلى 8,5 في المئة، ونسبة وفاة الأطفال من 20 في الألف إلى 13 في الألف… الخ.
السياسة الاقتصادية التي انتهجها تشافيز، والتي قامت على فكرة إعادة توزيع عائدات النفط، كانت أيضاً نقطة الارتكاز التي استند إليها الزعيم اليساري لتعزيز الحضور الإقليمي في إطار مشروعه للتكامل الاقتصادي والسياسي في أميركا اللاتينية («ألبا» و«بتروكاريب» نموذجاً).
في مقابل ذلك، لا تبدو الأرقام والمؤشرات الاقتصادية والمالية مطمئنة، فقد بلغت معدلات التضخم مستوى قياسياً (27,6 في المئة خلال العام 2012)، وفيما تشهد القيمة الفعلية للعملة الوطنية (البوليفار) تدهوراً خطيراً، وهو امر ينسحب أيضاً على الاحتياطي النقدي من العملات الاجنبية (يضخ المصرف المركزي 1,5 مليار شهرياً للحفاظ على سعر صرف البوليفار)، ومعدل الندرة في السلع الأساسية (بلغ في كانون الأول العام 2012 حوالي 16 في المئة بحسب الأرقام الرسمية و20 في المئة بحسب مراكز الأبحاث التابعة للمعارضة، بينما لم يتجاوز 4,34 في المئة بين العامين 1994 و1999 أي قبل وصول تشافيز إلى الحكم).
وتبدو الخيارات محدودة أمام الرئيس الجديد لحل الأزمة: تحويل العائدات من المشاريع الاجتماعية إلى السوق النقدية، إعادة تقييم العملة الوطنية، الاستدانة بالعملات الصعبة من الخارج، وفتح الباب على مصراعيه أمام الاستثمارات الأجنبية.
وإذا كان الخيار الأول مستحيلاً لكونه سيثير اضطرابات على المستوى الاجتماعي، فإن هامش المناورة في الخيار الثاني يبدو محدوداً، في حين أن الخيارين الأخيرين يتطلبان تغييراً جوهرياً في السياسة الخارجية بشكل مغاير تماماً لتلك التي سادت في عهد تشافيز، ما قد ينعكس سلباً على صورة الرئيس العتيد.
كل ذلك يجعل البعض يراهن على فكرة أن الرئيس الجديد سيسلك طريقين متوازيين: تكريس صورته كقائد حقيقي قادر على ملء فراغ غياب تشافيز، ما يعني انتهاجه خطاً ثورياً (أو متشدداً وفقاً لقاموس الغربيين) على المستوى الداخلي، والسعي لجذب الاستثمارات الاجنبية من خلال سياسة خارجية براغماتية، أحد أشكالها تخفيض سقف التصعيد مع الولايات المتحدة.
لكن ما بدر من مادورو ـ بوصفه الرئيس المحتمل ـ خلال الأيام الماضية، ومن بينها طرد مسؤولين ديبلوماسيين أميركيين وتوجيهه اتهاما غير مباشر للولايات المتحدة بتسميم تشافيز، وقبلها اتهام المعارضة بمحاولة تخريب البلاد من خلال استغلال مرض تشافيز، يوحي بأن الخلف لن يقل راديكالية عن السلف… لعلّه في ذلك يراهن على تاريخه النقابي، وبعض من «كاريزما» تشافيز لتثبيت حضوره ضمن «الدوائر البوليفارية» في الداخل؛ ويعوّل على إمكانية تعميق العلاقات السياسية والاقتصادية مع حلفاء طبيعيين لفنزويلا في الخارج (كالصين وروسيا والبرازيل والهند وايران… وغيرها من الدول ذات الاقتصاديات الناشئة) بما يحمي حكمه من لعنة الازمة الاقتصادية.

وسام متى
“السفير” – 07/03/2013 

فليكر