احتقان يرافق جلسة الحكم على الشيخ النمر

بعد 800 يوم من الاعتقال، و11 جلسة محاكمة، يُتوقع ان يُصدِر القضاء السعودي، غدا، حكمه بحق الشيخ نمر باقر النمر، في ظل احتقان شعبي ينذر بانفجار خطير في الشارع السعودي، إذا ما استجابت المحكمة الجزائية في الرياض لطلب النيابة العامة بتطبيق حد الحرابة على رجل الدين الذي يتمتع بشعبية كبيرة في المنطقة الشرقية ذات الغالبية الشيعية، خصوصاً لدى فئات واسعة من الشباب الذي تسوده مشاعر الغضب تجاه تاريخ طويل من التمييز السياسي والقمع الأمني والتهميش الاجتماعي من قبل نظام آل سعود.
وكانت المحكمة الجزائية في الرياض قررت خلال جلستها الاخيرة، في الأول من أيلول الحالي، إقفال باب المرافعات في قضية الشيخ النمر، الذي واجه تهماً خطيرة، ابرزها “الخروج على ولي الامر” و”استخدام السلاح” في وجه القوى الامنية، وهي تهم قد تعرّض رجل الدين الشيعي البارز لعقوبة الإعدام، في حال تم تبنّيها من قبل المحكمة البدائية، التي يمكن نظرياً الاستئناف على أحكامها، ولكن وفق اصول تختلف عن تلك المعتمدة في معظم التشريعات الدولية.
وتقول مصادر قانونية متابعة لقضية النمر، في حديث إلى “السفير”، إن فريق الدفاع يتعامل مع سيناريوهات ثلاثة، اخطرها تبني المحكمة تهمة “الخروج على ولي الأمر”، ما يعني احتمال تطبيق حد الحرابة.
وكان المدعي العام قدم لائحة اتهم فيها الشيخ النمر بـ”خروجه على ولي الامر في هذه البلاد، ونقضه البيعة المنعقدة له في ذمته، وإثارة الفتنة الطائفية، والعمل على تفتيت الوحدة الوطنية، وتفريق اجتماع المسلمين، وانضمامه الى خلية ارهابية عملت على التحريض على ذلك، واثارة الشعب، وحمل الاسلحة، واطلاق النار على المواطنين ورجال الأمن والمنشآت الحكومية، وتخريب المرافق العامة والتعدي على الاملاك الخاصة، ما ادى الى مقتل عدد من المواطنين ورجال الامن واصابة آخرين”.
وتشير المصادر القانونية، التي رفضت الكشف عن هويتها بالنظر إلى حساسية الموضوع، إلى ان “الخروج على الحاكم” يعتبر اخطر التهم الموجهة للشيخ النمر، خصوصاً ان انزال حد الحرابة يعني ان الحكم لن يكون قابلاً لأي عفو ملكي، في حال اصبح نافذاً.
وترى المصادر ان ما قدّمته النيابة العامة لتأكيد هذه التهمة “متناقض في جملته”، موضحة أن الزعم باستخدام الشيخ نمر للسلاح تكذبه التقارير الطبية، وكذلك الواقعة بحد ذاتها، فلائحة الاتهام اشارت إلى ان اطلاق النار على الشيخ نمر كان اثناء فراره بسيارته، وفي حالة الفرار فإن الطلقات تصيب المرء من الخلف، في حين ان الرصاصات الاربعة التي اصيب بها الشيخ نمر اتت من الجهة الأمامية، بينها واحدة ما زالت مستقرة في اسفل قدمه.
أما الاحتمال الثاني، فهو الإدانة بتهمة القتل، وهي، بحسب المصادر القانونية، لم تثبت فيها اي وقائع محددة، سوى “كلام انشائي” ورد في لائحة الاتهام، ليبقى الاحتمال الثالث، وهو انزال عقوبة السجن، على خلفية ما ورد في بعض خطبه، وفي هذا نكون امام محاكمة رأي سياسية بامتياز.
وفي دولة مثل السعودية، المدرجة على القوائم السوداء في تقارير المنظمات الحقوقية الدولية، فإن قضية الشيخ النمر تبدو سياسية أكثر منها قضائية، ولعلّ أحداً لا يجادل في أن هذه المحاكمة تشكل امتداداً لتاريخ من العلاقة المتوترة بين نظام آل سعود وبين اهل المنطقة الشرقية بشكل خاص، المطالبين بالإصلاح السياسي والاجتماعي على امتداد المملكة بشكل عام، في حين ان مجرياتها، وكما هو واضح في العديد من التقارير الحقوقية في الداخل والخارج، تعكس رغبة من قبل السلطات السعودية في الانتقام من رجل الدين الشيعي البارز.
وفي حديث إلى “السفير”، يقول الناشط السياسي محمد النمر، وهو شقيق الشيخ النمر، إن “توقعاتنا منذ اليوم الأول لاعتقال الشيخ النمر في الثامن من تموز العام 2012، كانت ان المحاكمة ستكون مسيّسة، وهذا ما تأكد بالفعل خلال الجلسات”.
وكمثال واضح لهذا التسييس، يشير النمر إلى ما حدث خلال الجلسة ما قبل الأخيرة، حيث “كان من المفترض ان يستدعي المدعي العام عناصر الفرقة التي ألقت القبض على الشيخ النمر، والتي ادعت زوراً عليه، بأنه واجههم بالسلاح، لكننا فوجئنا برفض هذا الطلب، حيث قال المدعي العام والقاضي بأن ثمة مسوغات ترتئيها المحكمة بألا يحضر هؤلاء، بالرغم من ان أقوالهم تشكل عنصراً اساسياً في الدعوى، وهو ما يخالف القانون السعودي”.
ويشير النمر إلى ان “الخروج بالسلاح على ولي الامر يشكل التهمة الاخطر، وبالتالي فإن عدم الاستجابة لمطلب الاستماع إلى الفرقة القابضة يمثل انتهاكاً خطيراً لحق الشيخ نمر بمحاكمة عادلة”.
ومع ذلك، يبدي النمر امله في امكانية نفي هذه التهمة عن اخيه، بالنظر إلى التناقض الواضح بين ما قدمته النيابة العامة ومنطق الامور في ما يتعلق بواقعة اطلاق الرصاص على رجال الامن.
ويلفت النمر ايضاً النظر إلى تناقض آخر بين الأوراق الرسمية المقدمة في هذه القضية، كالتناقض بين لائحة الاتهام التي جاء فيها ان “المتهم نمر النمر تمت متابعته (وهو يستقل سيارته) وصدمه من الخلف واطلاق النار عليه عند عدم استجابته لأمر التوقف عند الهرب، وذلك بعد تلبسه في جريمة تم فيها اطلاق النار على رجال الامن”، وبين وثيقة رسمية اخرى تسلّمها فريق الدفاع في بداية المحاكمة، وقد جاء فيها: “اثناء مطاردته، قام بصدم الدورية من الجهة اليسرى، وتمت متابعته وصدمه من الخلف، ما تسبب في ارتطامها في احد الاسوار التابعة لأحد المنازل، وتم نزول قائد الدورية ومرافقيه للقبض عليه، حيث رفض النزول، ما اضطر قائد الدورية للتعامل معه حسب ما يتطلبه الموقف وذلك بإطلاق النار عليه ما ادى الى اصابته في القدم… واثناء إركابه في الدورية جاءت مركبتان (…)، وقفتا امام الدورية، وحصل تبادل لإطلاق النار بين الطرفين”.
ويضيف: “هذه التهمة لا اساس لها من الصحة، وما قدّم في لائحة الاتهام يمثل فضيحة بكل ما للكمة من معنى”، معتبراً انه “كان يجدر بالنيابة العامة ان تتجنب هذه الفضيحة، بأن تكتفي بتوجيه الاتهام على اساس ما ورد في خطب الشيخ نمر من آراء، لم ينفها الشيخ، وإن كان واضحاً انها اجتزئت من سياقها”.
وفي هذا الإطار، يقول النمر إن “اتهام الشيخ بالتحريض على حمل السلاح، استناداً إلى المقاطع التسجيلية المجتزأة، مردود عليه بالتسجيلات ذاتها، وبباقي مواقفه التي كانت تدعو دوماً إلى التهدئة ونبذ العنف بأشكاله كافة. اما في ما يتعلق بتهمة التحريض على التظاهر، فإن كلام الشيخ كان عن إباحته كعمل مشروع للمطالبة بالحقوق، في مقابل حرمته عند علماء الوهابية”.
وفي هاتين المسألتين، يضيف محمد النمر، فإن النقاش يبقى في حدود الرأي وليس الجرم المادي.
وفيما يترقب الشارع السعودي، وخصوصاً في المنطقة الشرقية صدور الحكم اليوم، فإن حالة من الاحتقان بدأت تشهدها تلك المنطقة، حيث تمت الدعوة إلى تظاهرات ومسيرات، إحداها قرر المشاركون فيها حمل الأكفان، كرسالة خطيرة للسلطات السعودية.
وفي هذا الإطار، يقول محمد النمر: “نتمنى على القضاة ان لا يرتكبوا اخطاء كبيرة بإصدار حكم إعدام، لما في ذلك من تبعات وآثار على الصعيد المحلي والاقليمي، فالشيخ نمر هو فقيه له مقامه ومكانته من الناحية العلمية في الحوزات الشيعية ولدى الجمهور الشيعي”.
ويرى النمر ان اي حكم مشدد قد يجر المنطقة الى اعمال عنف لن يكون من الممكن السيطرة عليها. ويوضح ان “هذا الكلام لا نقوله بعنوان التهديد، وانما بعنوان التحليل وقراءة واقع وتجارب سابقة في البلد وخارجه”، مذكراً بأن “مجرد اعتقال الشيخ نمر أدى إلى خروج تظاهرات قتل فيها كثيرون، فما بالك بصدور حكم بالإعدام، او ربما، لا قدر الله، تنفيذه”.
وفي ظل هذا التوتر في المنطقة الشرقية، وفي ضوء حالة الفوضى التي تسود المنطقة العربية بشكل عام، فإن مصادر سياسية في القطيف تتوقع ان تتخذ المحكمة قراراً بتأجيل النطق بالحكم، بما يفسح المجال لتسوية الملف بطريقة سياسية، وهو امر ما زال موضع شد وجذب على مستوى النظام السعودي.
ويقول قيادي في الحراك الاصلاحي رفض الكشف عن هويته، في حديث إلى “السفير”، إن “ثمة ارادتين اساسيتين في المشهد السعودي، واحدة تدفع نحو الإصلاح وتحسين اوضاع الناس، في مقابل أخرى تسعى لابقاء التوتر الطائفي لعرقلة اي جهد اصلاحي”، لافتاً إلى انه يجب وضع قضية الشيخ النمر في هذا السياق.
ويرى انه من الخطورة بمكان ان ينجح التيار المتشدد في فرض سياسته على النظام، ذلك أن “السعودية مجتمع فسيفسائي، واذا لم يكن هناك نظام سياسي مرن يستوعب كل الحساسيات المذهبية، فالنتيجة ستكون الخراب”.
ويرى القيادي الإصلاحي أن المقاربة التي تنتهجها السلطات السعودية في قضية الشيخ نمر، وغيرها من القضايا، هي “المزاوجة بين الشدة الامنية وتقديم الخدمات التنموية”. ويضيف: “حالياً كل المؤشرات توحي بأن الامور تسير نحو حسم الموضوع امنياً، ضمن وهم القوة، وإن كان ثمة بصيص امل نراهن على توسيعه من اجل ايجاد تسوية معينة”.
ويرى القيادي الاصلاحي إن حل قضية المعتقلين، ووقف استهداف المشايخ، وايجاد تسوية لقضية الشيخ النمر قد تكون مدخلاً يمكن ان تستفيد منه السلطات السعودية لفتح حوار مع المجتمعات المتعددة تحت سقف الدولة، تجنباً لتدهور الامور، في اقليم يشهد فوضى عارمة بلغت حدود السعودية، وربما تهدد المملكة من الداخل في مرحلة متقدمة.

وسام متى
“السفير” – 15/09/2014 

فليكر