الأمين العام لحزب التحرير المصري لـ«السفير»: نحذر الناس من خطر الوهابية.. والنموذج التركي جذوره صوفية

لطالما فضّل الصوفيون في مصر العزوف عن العمل السياسي، حتى اتهمهم كثر بمهادنة النظام المستبد والسكوت عن ظلمه. لكن ثورة الخامس والعشرين من يناير أحدثت تحولاً بارزاً في هذا الموقف، فقد شارك الصوفيون بكثافة في التظاهرات المناهضة للرئيس المخلوع حسني مبارك، ومن ثم قام بعضهم بتأسيس حزب سياسي، هو «حزب التحرير المصري»، في ما بدا محاولة لمنع التيارات الإسلامية المتشددة، خصوصاً السلفيين، من تصدر المشهد السياسي واحتكار الحالة الإسلامية في مصر. وفي محاولة لرصد موقف الصوفيين من القضايا الراهنة، التقت «السفير» الأمين العام لـ«حزب التحرير المصري» عصام محيي وأجرت معه هذا الحوار.

9a879fa4* ما الذي دفع الصوفيين إلى تأسيس حزب سياسي، بعدما فضلوا الانعزال عن العمل السياسي، وظلوا ينظرون إلى السياسة على أنها من «التابوهات»؟
÷ تلك مسألة مبهمة بعض الشيء، ولذلك فإنني سأستفيض قليلاً في شرحها. بداية لا بد من التذكير بأن لكل إنسان مفهومه الخاص لـ«التابو»، الذي يدور حول الدين والسياسة والجنس، لكنني أرى أن ثمة حاجة لتكسير «التابو» من أجل تحرير الإنسان والانطلاق في الإبداع إلى أقصى درجاته. غير هذا التكسير لا يستهدف تدمير «التابو»، وإنما الارتقاء به إلى أسمى الدرجات، ذلك أن أي حرية لا بد أن يكون لها قيود ومحددات، وما ينبغي القيام به هو توسيع هذه الحدود من دون القضاء على الثوابت التي تحافظ على ديناميكية الإنسان وخصوصيته.
من سمات الطرق الصوفية أنها تعدّ مجتمعاً خاصاً داخل المجتمع العام، ولهذا فإن الكثيرين يجهلون ماهيتها، فتراهم يتعاملون مع هذا المجتمع الخاص لو أنهم يكتشفون الأميركيتين. هذا الاستكشاف ينتج عنه تطبيق القياس بين ما هو سائد في المجتمع، وبين تصرفات الصوفيين ومواقفهم، من دون البحث عن مسببات الفعل. تقاليد الصوفية هي نتاج لثقافتهم المتوارثة، فالصوفي يميل دائماً إلى الرمزية التي قد لا يفهمها الآخر، فتبدو لغزاً، بينما هي في الواقع رموز يسهل فهمها.
ميزة الصوفي أنه يهتم بالمعاني وليس القوالب، فهو لا يكتفي بالصلاة بل يبحث عن معانيها، والهدف من ذلك هو التخلص من الجانب البهيمي داخل الإنسان، وأي الارتقاء به من حيوان إلى إنسان مكلف من قبل الله لكي يخلفه في هذه الأرض.
ولهذا، تجد أن خيال الصوفي نشيط جداً، فهو في حالة بحث دائم عن المعاني، ما يجعله في حالة تأمل مستمرة، فهو يستخدم الذكر والحضرة كأدوات لكسر الشهوة أو الانحراف الخلقي، ولهذا السبب فإنك تجده ينظر إلى كل الأمور انطلاقاً من المعاني، التي يجهلها الناس، فيقولون إنه «منعزل» أو «متدروش».
وانطلاقاً من ذلك، فإن الصوفيين لا يعادون من الحكام إلا من باع نفسهم، فهدفهم يقتصر على تربية رجال صالحين يستطيعون ان يتولوا الحكم، بمعنى آخر، تخريج كوادر منضبطة أخلاقياً، يمكن أن يصل من بينها رجل إلى الحكم فيكون حكمه صالحاً.
ولعل أقرب نموذج إلى ذلك، هو الخليفة العثماني محمد الفاتح، فقد ربّاه شيخه منذ الصغر على أن يكون قائداً. ومن المفيد التذكير أن محمد الفاتح قرر أن يرجع إلى الخلوة بعدما أنجز مهمته، لكن الشيخ رفض ذلك، وقال له «لقد ربيناك لكي تكون قائداً وليس عابداً أو فرداً من أفراد الحكم».
ولذلك فإن مفهوم المناضل الثوري الذي يحاول تغيير المجتمع عن طريق العمل السياسي غير موجود في الصوفية، ولن يكون موجوداً، فهدف الصوفية هو نشر فكر معتدل يهيئ المجتمع لرفض كل ما هو فاسد.

* ولكن أليس في ذلك نوع من المثالية؟
÷ كلا، فالمثالية، أو الأفلاطونية، هي الوصول إلى اليوتوبيا، بينما نحن نخوض تجربة تحققت داخل الطرق، ونسعى لنقلها إلى المجتمع. دعني أقارن بين الصوفية والناصرية، التي أظهرت أن حلم القومية العربية قابل للتحقيق قبل أن يتحطم على وقع هزيمة العام 1967… نحن نحلم بقومية إسلامية، أي وطن كبير يمتد من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، تنضوي تحت مظلته كل الاتجاهات والديانات والايديولوجيات، وترى فيه الإنسان حراً ومتحرراً من كل قيود، وتتجلى فيه قدرة الله من خلال ذلك التنوع الرائع بين البشر، ويعطي الأمان لكل انسان من دون يخاف من سلطان او قيد أو سجن… حلم كهذا ربما يتحقق يوماً ما.

* ولكن ألا يمكن تحقيق هذا الحلم من خلال العمل السياسي المباشر؟
÷ العمل السياسي بالشكل المنهجي الكلاسيكي ما زال أمراً صعباً، لأن الصوفية تتبنى ديناميكية خاصة في العمل السياسي، وهي تربية الأفراد، لكي يخرج منهم حاكم صالح. في المقابل، نحن حالياً في حاجة إلى المشاركة الإيجابية، ولكن من دون أن نبالغ في التقديرات، وانطلاقاً من ذلك أتت فكرة تأسيس حزب صوفي، ذلك أن المصريين بدأوا يشعرون بأنهم يعيشون حالة جهادية، ونحن نسعى من خلال هذا الحزب لدفع الناس على أن يكونوا إيجابيين، وأن يتوجهوا إلى صناديق الاقتراع، وألا يسمحوا للتيارات الدينية المتشددة بأن تتصدر المشهد السياسي، وذلك لضمان تحقيق العدالة بين كل التيارات بما يحافظ على التنوع داخل المجتمع المصري. هذه الفكرة بدأت تصل إلى العامة، لكن آلية تحقيقها ما زالت غير متبلورة، ولذلك، إن هدفنا في الوقت الراهن هو تثقيف المجتمع، وإيجاد معادلة وسيطة ما بين تأييد الفرد العادي (ليبرالي، يساري، وسطي…الخ)، ووضع آلية جديدة للمحافظة على خصوصية المجتمع.
نحن نرى أن ثمة حاجة لإحداث تحول إيجابي في المجتمع، بشرط ألا يكون عشوائياً، وذلك من خلال التوعية التي نقوم بها على محورين: التعبئة والعمل السياسي، من جهة، والخروج بمشروع قومي خاص بالمجتمع المصري، انطلاقاً من إدراكنا بأن المفاهيم العامة ينبغي أن تنبع من المجتمع نفسه. فنحن عندما نرفع شعار «الدولة المدنية»، وهو مصطلح غير موجود في علم السياسة، فإننا نسعى لمخاطبة المواطن المصري بلغته، فنقول له إننا نرفض الدولة الكهنوتية أو العسكرية، ونؤكد له في الوقت ذاته أن لا مشكلة لدينا في أن تكون له مرجعية دينية، بشرط ألا تكون سلطة سياسية.

* ألا ترون أن عامل الوقت ليس في مصلحتكم مع تنامي حضور القوى المتشددة في المجتمع المصري بشكل سريع؟
÷ لقد أوجد الله لنا مرآة، هي تونس، التي تحولت إلى نموذج إرشادي بالنسبة لنا. صحيح أن «حركة النهضة» قد حققت نجاحاً كبيراً في الانتخابات الأخيرة، لكننا نتوقع أن تواجه مشاكل كبيرة في ممارسة العمل السياسي. ولذلك، نعتقد أن تلك التجربة ستكون مثالاً حياً وعملياً لإظهار أن هذه التيارات غير مؤهلة للقيادة، لأن دورها لا يتعدى دور «البطل السنّيد» في الفيلم السينمائي، والسبب في ذلك أن القوى الإسلامية تتعامل مع الآخرين على أساس أنهم خصوم وليسوا شركاء، في الوقت الذي نجدها تفتقد للآلية اللازمة لإدارة الأزمات.

* ولكن ألا تعتقد أن تجربة الإسلاميين كانت ناجحة في تركيا؟
÷ ثمة حقيقة غائبة عن أذهان كثيرين، وهي أن نظام الحكم في تركيا له جذور صوفية. «حزب العدالة والتنمية» هو امتداد للحزب الذي أسسه نجم الدين أربكان الذي تأثر بالطرق الصوفية النقشبندية والقادرية. وعلاوة على ذلك، فإن «حزب العدالة والتنمية» نتاج لعمل يعود إلى أكثر من خمسين عاماً، وهو يسير على خطى الصوفيين، فقد كانت بدايته في تأسيس مدرسة خرجت طلاباً تلقوا تربية صوفية بحتة، فكان منهم السياسيون والعلماء ورجال الأعمال. ولعل هذه التجربة تؤكد ما نقوله بأن التربية الصالحة هي الأساس في تطوير المجتمع.

* هل تتوقعون أن تحققوا نتيجة مشابهة لما تحقق في تركيا؟
÷ تلك مسألة وقت وأقدار. لا نعلم ما يمكن أن يحدث في المستقبل، ففي مصر لم يتخيل أحد أن تكون هناك مليونيات في وجه دكتاتور مثل حسني مبارك. البعض في مصر يحسب الأمور بالورقة والقلم، لكن الواقع يشير إلى أن ما يحدث في مصر يتخطى مستوى الإدراك العقلي. ولهذا السبب، فإننا نتعامل مع الوضع الراهن بأعصاب هادئة، بالرغم من أن بعضنا يشعر بـ«فوبيا» الحركات الإسلامية المتشددة.

* لكن البعض يقول إن الصوفيين يعدّون القوة الإسلامية الأكثر انتشاراً في مصر؟
÷ هذا صحيح.. ولكن انعدام الخبرة السياسية قد يقودنا إلى حسابات سياسية خاطئة. أعتقد أن مجتمعاً ناهضاً كالمجتمع الصوفي في مصر يحتاج قبل أي شيء إلى أن يدرك قوته الحقيقية. البعض يقول إن هناك 15 مليون صوفي في مصر، ولكن ما قدرة هذه الملايين على الحشد والتأثير؟ هؤلاء الملايين يحتاجون إلى تأهيل، لكي ينخرطوا في تحقيق الأهداف التي نسعى إليها، بحيث يصبحون قوة قادرة على استيعاب الآخرين.

* هل قدّم الصوفيون مرشحين في الانتخابات البرلمانية، وما هي الوجهة التي يتخذونها في تلك العملية الانتخابية؟
÷ لكي تكون حزباً فاعلاً ينبغي أن تتوافر لك مقومات مادية ولوجستية (تمويل، مقار، كوادر… الخ)، وهو أمر ليس متاحاً لنا في الوقت الراهن، ومع ذلك فقد قررنا أن نخوض التجربة الانتخابية، لكن الخلافات التي برزت على مستوى التحالفات الانتخابية الماضية، جعلتنا غير مستعدّين حالياً للمشاركة الفعلية في الانتخابات، ولذلك فقد رشحنا عدداً قليلاً من المرشحين، وذلك لهدف وحيد وهو تدريب كوادرنا.

* ألا توجد توجيهات لمن يتبعون الطرق الصوفية في ما يتعلق بالتصويت لهذا التيار السياسي أو ذاك؟
÷ نحن نسعى حالياً لتوعية الناس حول خطورة الوهابية في مصر، ونأمل في أن ينعكس ذلك في صناديق الاقتراع.

* ما مدى تأثير تلك التوجيهات على الناخب المصري؟
÷ المجتمع الصوفي في مصر جزءان: مجتمع مشايخ الطرق، ومجتمع المرتبطين بالطرق الصوفية. نرى أن المجتمع الأول، وهو مجتمع ضيق، يحتاج إلى إعادة تأهيل بسبب الخلافات السائدة، ولهذا فإن كل ما نطلبه من مشايخ الطرق هو الدعم الروحي لتوجهاتنا. أما المجتمع الأوسع، فهو مجتمع عادي أصبح يتسم بالجرأة، ونراهن على وعيه، ولكن التواصل معه ما زال يسير بخطى بطيئة. ولذلك، يمكننا القول إن النتائج المتوقعة تبدو عشوائية في الوقت الراهن، ذلك أن كل العوامل ما زالت متغيرة بعدما تكسرت معظم الثوابت التي قام عليها العهد الماضي، واعتقد أن كل القوى السياسية في البلاد، بما في ذلك «الإخوان»، تدرك ذلك.

“السفير” – 26/11/2011

Instagram @ wmattablog

Instagram has returned invalid data.