الإحـبــاط الثـوري.. و«قـدســيـة» المـيـدان

بين «25 يناير 2011» و«25 يناير 2013» تبدّل مزاج الثوار وتغيّر لون الميدان.
لم يكن زائر القاهرة في ربيع العام 2011 في حاجة إلى أن يبذل عناءً كبيراً لاستشعار الحماسة الثورية لدى شباب الثورة، فقد كان من السهل تلمّسها في نبرة صوتهم، وبريق نظراتهم، وسقف توقعاتهم الذي تخطى يومها سقف السماء… أما الميدان فكان أشبه بمعبد مقدّس يشعرك برهبة يقشعر معها البدن كلما اقتربت من أحد مداخله، ويفرض عليك طقساً ثورياً خاصاً تتأمل من خلاله المعجزة المصرية، وسط هدوء داخلي يعاكس زحمة السيارات وأصوات البائعين الجائلين وهتافات المتظاهرين المطالبين باستكمال الثورة حتى تحقيق أهدافها الكاملة.
اليوم يبدو المشهد مغايراً بعض الشيء: شباب الثورة مُحبطون، لكنهم ما زالوا يقاومون… أما ميدان التحرير فقد بدأ يواجه إشكالية التأرجح بين فكرة «الميدان – المُولد» و«الميدان – الثورة».
هي تراكمات عامين، شهدت خلاله مصر تحولات دراماتيكية أحبطت الثوار قليلاً لكنها علمتهم الكثير… كلهم يستخلص الدروس والعبر من «حرب الاستنزاف» التي خاضوها خلال المرحلة الانتقالية تحت «حكم العسكر» (شباط 2011- تموز 2012)، ومن تعقيدات «معركة استرداد الثورة» التي يخوضونها اليوم تحت «حكم المرشد».

«راديكالية» ثورية..
و«براغماتية» انتخابية!

الكاتبة والناشطة السياسية ميادة مدحت كانت من بين أولئك الحالمين بالتغيير، ممن خرجوا إلى شوارع القاهرة يوم 25 كانون الثاني العام 2011.
قبل عامين كانت ميادة تروي كيف خرجت في مسيرة صغيرة في أول أيام الثورة لتتحول المسيرة إلى طوفان بشري فاجأ الجميع… أما اليوم فيبدو شعور ميادة «مزيجاً من الإحباط والحزن والحيرة». هي تدرك جيداً أن «الثوار غالباً ما ينقسمون فور انتهاء ثورتهم»، ولكن المحبط والمحزن، بالنسبة إلى «ثورتنا المستمرة»، هو أن «ثوارها قد خانوها مبكراً، إذ تحالف الإخوان مع العسكر، ومن ثم تحالف التيار المدني مع الفلول!».
تقول ميادة: «صحيح أن الثورة لم تكن لها قيادة، ولكن كان لها رموز، ومن حقي أن أغضب حين أجد أن رموز الثورة يدافعون عن (النائب العام السابق) عبد المجيد محمود، بعدما كانوا يهتفون برحيله، أو عندما أجد أن للضباط المتقاعدين خيمة في الميدان تأوي الفلول وعناصر من جهاز أمن الدولة».
تأخذ ميادة على «بعض رموز جبهة الإنقاذ» تصالحهم مع «الفلول»، وادعاءهم بأنهم «يكررون تجربة نيلسون مانديلا حين تصالح مع البيض» غداة انهيار نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. وهي ترى أن هذه المقارنة ليست في محلها، باعتبار أن مانديلا «تصالح مع البيض وهو في مركز القوة ولم يتحالف معهم كي يصل إلى السلطة… وشتّان بين هذا وذاك».
ويبدو أن للمعارضة المصرية حسابات مختلفة عن «راديكالية» الثوار، ففي لقاء خاص مع أحد قياديي «جبهة الإنقاذ»، قال الأخير إن المعارضة المصرية «لا ترى مشكلة في التحالف انتخابياً مع عمرو موسى أو حتى أحمد شفيق… فالحراك الثوري شيء والمعركة الانتخابية شيء آخر»!
هذا المنطق بدأ يشكل جزءاً من «منطق» بعض شباب الثورة… في مقهى قريب من ميدان التحرير، تثير ظاهرة اختراق «الفلول» صفوف الثوار نقاشاً حاداً بين شابين ينتميان إلى التيار اليساري.
يهوّن أحدهما من تلك الظاهرة، ويرى أنها نتيجة طبيعية لتقاطع المصالح بين رموز النظام السابق وبين القوى الثورية في إطار الصراع ضد «الإخوان»، وهو يصرّ على أن مشاركتهم قد تكون مفيدة في معركة إسقاط «حكم المرشد»… لكن الآخر يرى عكس ذلك، فهو يصرّ على أن تلك الظاهرة «لوثة تضرب النقاء الثوري»، ويحمّل بدوره «جبهة الإنقاذ» المسؤولية عن «تفشي سرطان الفلول» في الميادين، بسبب تحالفاتها «المشبوهة» مع رموز النظام السابق.
تلك عيّنة لنقاش يتكرر كثيراً في القاهرة هذه الأيام، حتى داخل الكتلة الواحدة، وطرفاه أصحاب نهج «براغماتي» لا يرون مشكلة في «التقاطع» مع «الفلول»، وبين أصحاب نهج «راديكالي» يسعون للحفاظ على «نقاء» ثورتهم. وبين هذا وذاك نهج «هلامي» بدأ يفقد ثقة الناشطين الثوريين، بعدما اختار أن يمسك العصا من الوسط بين «الثورة» و«الإخوان»، وإن كان يحسب له رفضه القاطع فكرة التقارب مع «الفلول» (تيار المرشح السابق عبد المنعم أبو الفتوح).

تقليب التربة

«الشباب هزّوا الشجرة… فوقعت الثمار في حجر الإخوان». هكذا يختزل الشاعر الشاب سالم الشهباني السنتين الأوليين من عمر الثورة. يشعر الشهباني «بأننا ما زلنا في مرحلة تقليب التربة، وأن الثورة لم تنته بعد»، ويتوقع أن تكون المرحلة المقبلة هي «الأكثر خطورة».
ومع ذلك، فإن الشهباني يبقى من بين المتفائلين القلائل في أوساط شباب الثورة، إذ يرى أن «نجاح الثورة ما زال ممكناً، لكنه يبقى مرهوناً بإعادة ترتيب الصف، لجهة تماسك المعارضة في الشارع، والالتفاف حول مشروع وهدف واحد، وتنحية المصالح الشخصية»، مشدداً على أن «الأمل يبقى معقوداً على الشباب الذي ليس له انتماء سياسي أو حزبي، والذي يثور فقط لمصلحة بلاده خارج أي مكسب شخصي».

قدسية الميدان

وجه آخر من الإحباط يتبدّى في الظواهر الغريبة التي يشهدها ميدان التحرير، المعقل الأول لـ«ثورة 25 يناير».
خلال الأيام الثمانية للثورة كان ميدان التحرير أشبه بـ«جمهورية أفلاطون»، نقلها الفنان أحمد مكي في أغنية «كرامة المصري»:
«لو نزلت ميدان التحرير /ح تلقى دولة صغيرة جوا الدولة / دولة لو حد فيها خبط فيك ح يقولك آسف/ ما فيش فيها أي معاكسة أو تحرش/ لما المسيحي بيصلي المسلم بيحمي ظهره/ ولما المسلم بيصلي المسيحي بيحمي ظهره».
«جمهورية أفلاطون» لم تعد قائمة اليوم، بعدما عبثت أجهزة النظام (العسكري والإخواني) بميدان التحرير، مطلقة العنان فيه لـ«البلطجية» وتجار المخدرات والمتحرشين الجنسيين، وأسهمت في تحويله إلى «مُولد» بحسب تعبير أحد الناشطين أو سوق لبيع الفول والترمس والشاورما وغزل البنات… وحتى الكمامات الواقية من الغاز وأضواء الليزر التي «يغلّس» بها بعض الفتيان على كاميرات الإعلاميين.
ومع ذلك، فالميدان ما زال قادراً على استعادة روحه كبؤرة ثورية ما إن تبدأ المواجهات في الشوارع المحيطة به، وما إن تنتشر رائحة قنابل الغاز في أرجائه المترامية، ليستعيد بذلك شباب الثورة ثقتهم في أن ميدانهم ما زال عصياً على محاولات التشويه.
وإذا كانت ازدواجية «المُولد» و«البؤرة الثورية» قابلة للاستيعاب لدى شباب الثورة، فإن جرائم التحرش المرعبة التي يشهدها ميدان التحرير بعد انتهاء كل «مليونية» تثير تساؤلات مشروعة بشأن الجهة التي تسعى لإسقاط «القدسية» عنه.
تتباين آراء الناشطين في ظاهرة التحرّش التي بلغت مستويات خطيرة خلال الفترة الماضية – بحلول ساعات المساء الأولى من يوم الخامس والعشرين من كانون الثاني الماضي سجلت أكثر من 20 حالة تحرّش- فالبعض يراها حالة «كبت مجتمعي» تفجّرت قبل الثورة (وتحديداً بعد السعار الذي تلا عرض فيلم للراقصة دينا في سينما مترو في القاهرة يوم 6 تشرين الثاني العام 2006)، في حين يراها البعض مخططاً منظماً من قبل «بلطجية» وزارة الداخلية أو حتى ميليشيات «الإخوان» والسلفيين، في ظل «فتاوى سرّية» تفيد بأن التحرش «مشروع» طالما أن الهدف منه هو إجبار المرأة على «ستر عورتها» (استناداً إلى مفهومهم المتخلف لـ«العورة»)!
ولعل الوقائع الميدانية ترجّح الرأي القائل بأن التحرش «ظاهرة منظمة»، فغالباً ما تتعرض الفتاة الضحية للاعتداء من قبل شبان يلتفون حولها في دائرة ضيقة بشكل متقن… ولدى استنجادها بالمتظاهرين لإنقاذها، قد تجد نفسها محاطة بدائرة أوسع، تضم شباناً يدّعون رغبتهم في النجدة، ولكنهم في الواقع امتداد لذئاب الدائرة الأصغر.
ترى الناشطة الشبابية سارة أحمد فؤاد أن ميدان التحرير أصبح «مدنساً»، وأنه «فقد كل قدسية أو تأثير».
وتعزو سارة السبب في ذلك إلى ان «القوى الثورية ربطت ميدان التحرير بالثورة – وهذا أمر منطقي ولكنها تناست أن الميدان كان وسيلة وليس غاية».
وتلفت سارة النظر إلى «لعبة نفسية» كثُرَ الحديث عنها خلال المرحلة الماضية، وهي «لعبة تشويه الرمز». وتشير إلى أن «ثمة اعتقاداً بأن النظم السلطوية لديها مشكلة مع الرمز، ولذلك فقد كان للمجلس العسكري وبعده الإخوان المشكلة ذاتها مع ميدان التحرير، باعتباره رمزاً قوياً لثورة أسقطت نظاماً استمر أكثر من ثلاثين عاماً».
ترى سارة أن «ميدان التحرير حالياً يشوّه الثورة، وهذا أمر واقع»، ولذلك فإنّ الحل بنظرها يدور حول خيارين لا ثالث لهما: «إما ننسحب منه نهائياً كي ينظف ممن عاثوا فيه فساداً… وإما أن نبقى متمسّكين به ونخسر كل شيء».
لكن لسالم الشهباني رأياً آخر، فهو يرى أن «المعنى الرمزي لميدان التحرير لم يفقد بريقه، وذلك برغم كل محاولات التشويه التي حاول النظام الحاكم صناعتها خلال العامين الماضيين، سواء المجلس العسكري أو الإخوان المسلمين».
كذلك، يبدو مشهد ميدان التحرير أقل سواداً بالنسبة إلى ميادة مدحت، مقارنة بسارة أحمد فؤاد، فالميدان برأيها «هو مجموعة من الثوار والناشطين الحالمين بالحرية الكاملة، والذين يمتلكون قدراً من الوعي يجعلهم مصرّين على رحيل المرشد»، وهو أيضاً «مجموعة من أطفال الشوارع غير المسيّسين، والذين دفعهم غضبهم إلى المشاركة في الثورة منذ 25 كانون الثاني العام 2011، وقد سبقوا في ذلك النخب والإخوان».
أما «البلطجية»، تضيف ميادة، فالكل يعلم أنهم «مأجورون وتابعون للنظام بصرف النظر عمّن يتولى الحكم… وبالرغم من أنهم غير مستعدين للموت في سبيل أي قضية، إلا أن خطورتهم تكمن في أنهم عناصر من ميليشيات سرية ترتكب أعمال العنف بدم بارد، وفي الغالب هم من يرتكبون جرائم الاغتصاب والتحرش الجماعي التي تحصل في الميدان».
وجه الثورة تغيّر كثيراً… ومع ذلك فإنها ما زالت مستمرة.
ولعل ما تشهده مصر هذه الأيام يوحي بأن ميادينها وشوارعها وأزقتها ما زالت قادرة على فرز مجموعات جديدة يجمعها شعار «عيش. حرية. عدالة اجتماعية»… ربما هذا ما يراهن عليه كثرٌ من «شباب الثورة»، ويدفعهم إلى إعادة النظر في إحباطهم.

وسام متى
“السفير” – 1/2/2013

فليكر