«الإخوان» وترشيح خيرت الشاطر: انتحار سياسي.. أم صفقة مع العسكر؟

أعاد «الإخوان المسلمون» خلط الأوراق الانتخابية في مصر بقرارهم ترشيح خيرت الشاطر لمنصب رئيس الجمهورية. ولا يمكن فصل قرار ترشيح الشاطر عن الصراع العلني الدائر منذ أكثر من أسبوع بين «الإخوان» والمجلس الأعلى للقوات المسلحة، غير أن تراجع «الإخوان» عن تعهداتها بعدم خوض السباق الرئاسي قد أثار تساؤلات حول النوايا المبيتة لدى الجماعة لاحتكار السلطة، بعدما استحوذت على غالبية مقاعد مجلسي الشعب والشورى والجمعية التأسيسية للدستور، ومدى انعكاس ذلك على العلاقة بينها وبين القوى المدنية من جهة، وباقي تشكيلات الإسلام السياسي من جهة أخرى.
وبعد نقاشات استمرت لأكثر من ثماني ساعات في مقر «الإخوان المسلمين» في جبل المقطم في القاهرة، انتهى الاجتماع الذي عقده مجلس الشورى في الجماعة إلى ترشيح خيرت الشاطر لمنصب لرئيس الجمهورية.
وقال المرشد العام لـ«الإخوان» محمد بديع، خلال مؤتمر صحافي إن الشاطر قبل القرار، وقدم استقالته من منصب نائب المرشد العام وعضوية مكتب الإرشاد «من أجل أن يكون مرشحاً لكل المصريين». ولفت بديع إلى أن اختيار الشاطر تم في ضوء تغير المستجدات التي تشهدها البلاد.
وفي تعليق نشره لاحقاً في صفحته على موقع «فيسبوك» أشار بديع إلى أن «استمرار تمسك إدارة البلاد بحكومة غير مقنعة ولم تحقق إرادة الشعب المصري دفع الجماعة إلى ترشيح الشاطر للرئاسة». وحذر بديع من «ترويج أي أكاذيب» حول الشاطر، مشيراً إلى أن دعواته مستجابة، وأن نظام مبارك سقط بعد دعوات الشاطر عليه أثناء محاكمته عسكرياً.
أما رئيس «حزب الحرية والعدالة» محمد مرسي فقال إنه «بعد الانتخابات البرلمانية بدا لنا أن المشهد لا يتجه في اتجاه الثورة، وأن هذا المسار لا يصل الى منتهاه وهدفه، بل توجد محاولات مستميتة لمنع هذا المسار… ولذلك قررنا أن يكون لنا مرشح فى انتخابات الرئاسة».
أما بيان «الإخوان»، الذي تلاه الأمين العام للجماعة محمود حسين، فأشار إلى أنه «منذ أن قامت ثورة 25 يناير بدأت محاولات عديدة لتحقيق الانتقال السلمي للسلطة من خلال الاستفتاء على التعديلات الدستورية، ثم خرجت معارك مفتعلة حول الدستور أولاً، وبعد الاتفاق مع المجلس العسكري، تم الاتفاق على خريطة طريق وجدول زمني بتسليم السلطة في أواخر العام 2012». وأضاف أن «الدفع بمرشحين من النظام السابق، ومحاولات إعاقة عمل الجمعية التأسيسية، والتلويح بحل أول برلمان منتخب بإرادة الشعب… كل هذه المتغيرات أدت في ضوء ما تم من مناقشات إلى هذا القرار».

انقسام «إخواني»؟

وكان لافتاً أن اجتماع مجلس الشورى التابع لـ«الإخوان» قد شهد انقساماً حاداً في الموقف من ترشيح خيرت الشاطر. وقال ناشط شبابي «إخواني» لـ«السفير» إن 56 عضوا صوتوا لصالح هذه الترشيح، فيما عارضه 52 عضواً، لافتاً إلى أن «هذه من المرات القليلة التي تتخذ فيها الإخوان قرارات على هذا القدر من الأهمية بالغالبية وليس بالإجماع».
ولفت الناشط «الإخواني» إلى أن «المعترضين على ترشيح الشاطر انطلقوا من دوافع متعددة، لكن معظم هؤلاء أيّد وجهة النظر التي طرحها جناح المرشد العام السابق مهدي عاكف، والذي دعا إلى ترك حرية الاختيار لأعضاء الجماعة في الترشح والتصويت لمن يرونه مناسباً في انتخابات الرئاسة، وهي وجهة نظر يدعمها كثيرون من شباب الإخوان الذين يرغبون في التصويت للمرشح عبد المنعم أبو الفتوح».
وأضاف أن البعض طرح صراحة فكرة دعم «الإخوان» لعبد المنعم أبو الفتوح أو المرشح السلفي الشيخ حازم أبو إسماعيل، فيما اتخذ آخرون موقفاً وسطياً عبر الدعوة إلى التمسك بالقرار السابق للجماعة وهو عدم تقديم أي مرشح وعدم دعم أي مرشح، خصوصاً أن «الإخوان» يسعون لتكريس النظام البرلماني في الدستور الجديد، ما يعني أن صلاحيات رئيس الجمهورية لن تكون مطلقة في النظام السياسي الجديد.
يذكر أن مجلس شورى «الإخوان» قرر في حزيران الماضي فصل أبو الفتوح من الجماعة، بسبب مخالفته قرار «الإخوان» بعدم تقديم مرشح للرئاسة. وفي هذا الإطار، قال الناشط «الإخواني» إنه «كان من الضروري أن يعيد مجلس الشورى الاعتبار لعبد المنعم أبو الفتوح بعد ترشيح الشاطر»، مشيراً إلى أن «ثمة ضبابا يحول دون فهم الموقف المفاجئ الذي اتخذه مجلس شورى الإخوان بالأمس».
وفور الإعلان عن ترشيح الشاطر للرئاسة، أعلن القيادي البارز في «الإخوان» كمال الهلباوي استقالته من الجماعة، وذلك خلال مداخلة ضمن برنامج «العاشرة مساءً» الذي تقدمه الإعلامية منى الشاذلي على قناة «دريم». وتوجه الهلباوي إلى «شباب الإخوان» بالقول «لا تصدقوا ما تقوله لكم قياداتكم… أنتم الأمل في إعادة الجماعة إلى رشدها».
من جهته، اعتبر النائب السابق لمرشد «الإخوان» محمد حبيب، في مداخلة ضمن برنامج «هنا العاصمة» مع الإعلامية لميس الحديدي على قناة «سي بي سي»، أن ترشيح الشاطر يفقد «الإخوان» مصداقيتها أمام الرأي العام، متوقعاً حدوث انشقاقات جديدة داخل الجماعة «ولكنها ليست بالعنيفة».

صفقة أم انتحار سياسي؟

وأثار ترشيح الشاطر تساؤلات حول خلفيات هذا القرار وتداعياته، وخصوصاً في ظل «حرب البيانات» الدائرة منذ أكثر من أسبوع بين المجلس العسكري و«الإخوان المسلمين»، فقد اعتبره البعض رفعاً لسقف التحدي في وجه العسكر، واصفين ذلك بـ«الانتحار السياسي»، بينما يرى آخرون أن هذا القرار قد جاء في إطار صفقة متفق عليها بين «الإخوان» و«العسكري» – وقد يكون خيرت الشاطر نفسه «مهندسها» مستندين في ذلك إلى حكم المحكمة العسكرية برد الاعتبار للقيادي «الإخواني» قبل أيام.
ويقول الصحافي المتخصص في شؤون التيارات الإسلامية في صحيفة «المصري اليوم» أسامة المهدي لـ«السفير» إن «قرار ترشيح الشاطر شكل مفاجأة صادمة للجميع»، موضحاً أن «الكل اعتقد أن طرح الإخوان اسم الشاطر لم يكن سوى مناورة أو مجرّد أداة للضغط على المجلس العسكري لتحقيق صفقة ما بين الجانبين».
ويستغرب المهدي لجوء «الإخوان» إلى هذه الخطوة، خصوصاً أن «ترشيح عضو في الجماعة للرئاسة قد يشكل مكسبا لمرشحي القوى المدنية لأنه سيشتت أصوات الإسلاميين».
وفي هذا الإطار، ثمة سؤال عما إذا كان من الممكن أن يتفق الإسلاميون على الشاطر كمرشح موحد، وهو أمر إن حدث، فسيقلب الطاولة على القوى المدنية والمجلس العسكري على حد سواء، علماً بأن قياديين إسلاميين، بينهم المتحدث الرسمي السابق باسم «حزب النور» السلفي عبد المنعم الشحات قد تحدث عن مبادرة من هذا النوع.
لكن المهدي يستبعد هذا الاحتمال، مستنداً في ذلك إلى الزخم الذي حققه الشيخ حازم أبو إسماعيل خلال المرحلة الماضية، والذي تبدى يوم الجمعة الماضي حين توجه على رأس تظاهرة ضخمة إلى مقر لجنة الانتخابات لتقديم أوراق ترشحه، فضلاً عن الانقسامات الواضحة بين «الإخوان» أنفسهم حول ترشيح خيرت الشاطر.
ويرى المهدي أن «الكرة الآن في ملعب القوى المدنية»، مشدداً على ضرورة أن تستقر هذه القوى على مرشح توافقي من بين الأسماء المطروحة – حمدين صباحي (حزب الكرامة ناصري)، وأيمن نور (حزب غد الثورة ليبرالي)، وأبو العز الحريري (التحالف الشعبي الاشتراكي)، وخالد علي (يساري) مشيراً إلى أن ثمة مبادرة قد يتم إطلاقها خلال اليومين لهذا الغرض.
أما في ما يتعلق بالعسكر، فيشير المهدي إلى أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة «يعيد حساباته مع الإخوان والقوى السلفية لأنهم خالفوا ما اتفقوا عليه في عدم دفع الأولى بمرشح والثانية في عدم تأييد أبو إسماعيل». ويرى المهدي أن «العسكري أصبح «كارتاً» محروقاً سياسيا بعد استهتار الإسلاميين به، وعليه إذاً انتظار هجوم الشارع علي الإسلاميين ويمكنه استغلال ترشيح الشاطر في تشتيت الأصوات لصالح مرشحي الفلول مؤيديه»، مشيراً إلى أن «مرشحي الفلول تمكنوا في الأيام الأخيرة من كسب طوائف وفئات مجتمعية لصالحهم خاصة أن الكثير من المصريين أصيبوا بالإحباط وباتوا يلعنون الثورة بسبب أزمات المجتمع ونقص في الاحتياجات اليومية».
لكن ثمة من يرى أن في الأمر صفقة بين «الإخوان» والمجلس العسكري برغم الخلاف الظاهر بينهما. ومن بين هؤلاء محمد حبيب الذي قال صراحة إن الشاطر هو الرئيس التوافقي بين «الإخوان» والمجلس العسكري باعتباره مهندس الاتفاقات بين الطرفين، وهو ما كرره أبو الفتوح، حين قال إن «قراءة سريعة للأحداث يتضح منها أن قرار المجلس العسكري بالعفو عن الشاطر لا يدع مجالاً للشك في عقد اتفاق بين الإخوان والعسكري… ولا اصدق إطلاقًا أن هناك خلافا بين الإخوان والعسكري».
من المؤكد أن ترشيح خيرت الشاطر قد قلب كل قواعد اللعبة السياسية قبل أسابيع قليلة على بدء انتخابات الرئاسة، ما يفرض على كافة القوى أن تشرع في عملية إعادة تموضع انتخابي لمواجهة الواقع الجديد… وفي ظل التطورات السريعة التي تشهدها مصر، فإن المصريين لن ينتظروا كثيراً حتى يدركوا ما إذا كانت المرحلة الانتقالية ستسير في إطار «توافق» أم «تصادم» بين «الإخوان» والعسكر، وهما احتمالان ينذر كل منهما بأن ثورة الخامس والعشرين من يناير قد باتت أمام أكثر التحديات خطورة.

وسام متى
“السفير” – 22/4/2012

فليكر