التيار الإسلامي بين «دماغ الإخوان»… و«عضلات السلفيين»

عندما نشر إسماعيل أحمد آدم كتابه الشهير «لماذا أنا ملحد»، رد عليه أحمد زكي أبو شادي بكتاب آخر عنوانه «لماذا أنا مؤمن». ذلك نموذج من منازلات فكرية حضارية شهدتها مصر في الفترة التي عرفت بـ«الثلاثينيات الذهبية». ولكن، بعد نحو ثمانين عاماً، بدا أن الأمور تسير على نحو مغاير، فقد طغت لغة التكفير على النقاش المنطقي، وبات المثقفون قلقين من سلاح «الحدود الشرعية» الذي يشهره الإسلاميون في وجه من يجرؤ على التطرق إلى ما يرون أنه من المحرّمات.
ولعلّ قلق المثقفين قد تصاعد خلال الأشهر التسعة الماضية، بعدما بات الإسلاميون يجاهرون بأنهم على قاب قوسين أو أدنى من فرض مفهومهم الضيّق للشريعة على مجتمع يتسم بوسطية تعبر عنها محافل إسلامية عديدة أبرزها مشيخة الأزهر والمرجعيات الصوفية.
وربما السؤال الأول الذي يطرحه أي مهتم بالشأن المصري لدى زيارته للقاهرة يتمحور حول احتمالات وصول التيار للحكم في مصر، والتداعيات المحتملة لسيناريو من هذا القبيل، وخصوصاً أن التظاهرة المليونية التي نظمها الإسلاميون في التاسع والعشرين من تموز الماضي، والتي عرفت إعلامياً باسم «جمعة قندهار»، قد أثارت هواجس، بدرجات مختلفة، لدى القوى السياسية المصرية، بالنظر إلى الشعارات التي رددت فيها، والأعلام السعودية التي رفعت خلالها.
إذا قمت بجولة في ميدان التحرير قد تفاجأ حين ترى أن أحد الباعة الجوالين يعرض علماً يحمل ألوان العلم المصري الثلاثة، الأسود والأحمر والأبيض، ولكن مع استبدال الصقر بشهادة «لا إله إلا الله محمّد رسول الله». تسأل البائع عن سبب رفعه هذا العلم، فيجيب أن «السوق عرض وطلب، وفي الجمعة التي نزل فيها الإسلاميون إلى الميدان، كان من المربح لنا أن نبيع أعلاماً كهذه، لكن قليلين هم من يقدمون على شرائه اليوم».
تسأل صديقاً يسارياً يرافقك عن تفسيره لظاهرة وجود أعلام كهذه، سبق أن رفعت خلال عدد من التظاهرات، فيشير إلى أن «ثمة اعتقادا لدى القوى الإسلامية أن علم الدولة يجب أن يعكس هويتها الدينية، على غرار أعلام بريطانيا والدول الاسكندينافية وإسرائيل، ولهذا ترى بعضهم يروّج لهذا العلم»، لكنه يرى أن أمراً كهذا ليس سوى «فقاعة»، موضحاً «صحيح أن المصريين شعب متديّن، لكن تديّنهم من نوع خاص جداً… ويستحيل على أحد أن يفرض عليهم فكراً دينياً مستورداً من السعودية أو أفغانستان».

من الدعوة إلى البرلمان

غير أن المعطيات السياسية تشير إلى عكس ذلك، فالإسلاميون يتصدّرون اليوم المشهد السياسي في مصر، ويتوقع كثيرون أن يحصلوا على غالبية في البرلمان الجديد ستمنحهم فرصة نادرة لتشكيل الحكومة والتأثير في مجريات عملية صياغة الدستور الجديد.
وفي الواقع، فإن العمل السياسي ليس غريباً عن عدد من الفصائل الإسلامية، وخصوصاً «الإخوان المسلمين»، الذين تحوّلوا من «جماعة محظورة» خلال العهود السابقة، إلى «جماعة محظوظة» بعد الثورة. لكن هذه هي المرّة الأولى التي يخوض فيها «الإخوانيون» الانتخابات بشكل علني، بعدما كانوا يكتفون بتقديم مرشحين «مستقلين» في الجولات الانتخابية السابقة.
ويخوض «الإخوان» الانتخابات الحالية باسم حزبهم الجديد، «الحرية والعدالة»، الذي تشكل بعد الثورة، والذي يمنحهم هامشاً أوسع من المناورة السياسية، وذلك من خلال توزيع المهام بين الدعوة الدينية، بالنسبة للجماعة، والعمل السياسي، بالنسبة للحزب، وإن كان يصعب عملياً التمييز بين هذين الإطارين، وهو ما بدا واضحاً في حقائب المساعدات وأكياس اللحمة التي وزعت على الفقراء خلال عيد الأضحى، والتي حملت شعار «الإخوان المسلمين»، بينما كانت في الواقع شكلاً من أشكال الدعاية الانتخابية لـ«الحرية والعدالة».
ولعل خوض «الإخوان» للانتخابات تحت مظلة الحزب السياسي، قد سهل عليهم إقامة تحالفات مع قوى سياسية أخرى، ومن بينها حزب الغد الليبرالي وحزب الكرامة الناصري، وهو أمر كان من الصعب هضمه من قبل هذه الأحزاب فيما لو كان التحالف تحت شعار «الإسلام هو الحل».
أما الحركات الإسلامية الأخرى، فبدت أكثر جذرية في التعبير عن هويتها، فقد انضوى حزبا النور والأصالة السلفيان، وحزب البناء والتنمية، الذراع السياسي للجماعة الإسلامية، في تحالف إسلامي بحت، وهي تطرح برنامجاً واضحاً يقوم على فكرة «تطبيق الشريعة الإسلامية».
وإذا كانت قواعد الاشتباك الحالية بين «الإخوان» وباقي القوى السياسية قد باتت معروفة، وخصوصاً بعد جولات وتحالفات انتخابية في مختلف النقابات، أو حتى على مستوى الانتخابات التشريعية، فإن الأمر يبدو مختلفاً مع باقي قوى الإسلام السياسي.
والواقع، أن السلفيين اكتفوا، على مدار العقود الماضية، بحضور باهت، متمسكين بما أسموه «موانع شرعية» تمنعهم من المشاركة السياسية، ففضلوا الدعوة على السياسة، وهو أمر أسهم، بالإضافة إلى التمويل الذي يتلقونه من السعودية، في تمددهم اجتماعياً وإعلامياً، إلى أن وجدوا في ثورة 25 يناير فرصة لخوض غمار تجربة العمل السياسي.

التقاط اللحظة

ويبدو تأثير الإسلاميين واضحاً في مختلف أنحاء مصر، وإن كان حضورهم متفاوتاً بين هذه المنطقة أو تلك، وبذلك فقد تفاجأ على سبيل المثال عندما ترى شاباً ليبرالياً متأثراً بأفكار الداعية محمد حسان، أو عندما ترى شاباً آخر يستمع إلى موسيقى غربية صاخبة في سيارته، بينما يرفع عليها صورة المرشح الإسلامي للرئاسة حازم صلاح أبو إسماعيل.
ويفسر المسؤول الإعلامي في حركة «شباب 6 إبريل» محمود عفيفي بروز التيارات الإسلامية المتشددة على الساحة السياسية بأن «معظم الإسلاميين كانوا محجَّمين من قبل أمن الدولة، الذي شتتهم في السجون والمنافي، وكثر منهم كانوا مختفين، أما الآن فقد فتح لهم المجال للتحرك، فنظموا أنفسهم بعد الثورة، وأتى الاستفتاء ليساعدهم على توحيد صفوفهم»، مشيراً إلى أنهم «يرون في المرحلة الحالية لحظة فارقة، فإما يحققون ما يريدون، أو أن حلمهم بتطبيق الشريعة سيتبدد».
ويؤكد المرشح لرئاسة حزب «التجمع» اليساري، الصحافي نبيل زكي، أن هناك تزايداً ملحوظاً في ظاهرة انتشار التيارات الإسلامية المتشددة على المستوى الشعبي، لكنه يؤكد أن الإسلاميين خسروا تأييد بعض قطاعات المجتمع المصري، بسبب بعض تصريحاتهم «الحمقاء»، التي لم تعد تخيف الأقباط وحدهم، وإنما قطاعات واسعة من الرأي العام.
ويؤكد زكي «أن مليارات تدفقت على السلفيين من الوهابية السعودية خلال السنوات الماضية، ولكن الأوامر التي صدرت إليهم كانت بعدم المشاركة في أي تحركات شعبية، إلى أن قامت الثورة، ولذا تراهم الآن يريدون اختطاف الثورة».
لكن الأخطر، بحسب زكي، هو أن الإسلاميين «يشغلون المواطنين بالتافه من الأمور، كفرض النقاب والجلباب الباكستاني وتحريم حلق اللحية والغناء والرسم، وغير ذلك من طقوس الجهل، وذلك لإبعاد الشعب المصري عن القضايا الحيوية المرتبطة بتطوير البلاد».

برلمان إسلامي

ولكن يبقى السؤال حول النتيجة الانتخابية التي قد يحققها الإسلاميون في ظل واقع كهذا. وفي هذا الإطار، يقول زكي: «أنا لست متشائماً، فلو نظرنا إلى الأرقام، سنجد أن القوة الانتخابية للإسلاميين تتمثل في نحو مليوني ناخب. ولكننا سنجد في المقابل أربعة ملايين ناخب قبطي، و4 إلى 5 ملايين ناخب صوفي (من بين 15 مليونا)، بالإضافة إلى 7 إلى 8 ملايين ممن يعملون في مجالات مرتبطة بالسياحة ـ وهذا قبل أن نحتسب ناخبي الأحزاب المناهضة للتيار الإسلامي المتشدد ـ وإذا خرج كل هؤلاء للتصويت ستكون النتيجة مختلفة.
وثمة معادلة يطرحها العديد من المراقبين، وهي أن مكاسب الإسلاميين في الانتخابات ستتخذ منحى عكسياً لنسبية التصويت، أي أنه كلما تزايد اقبال المواطنين على صناديق الاقتراع، كلما قل عدد المقاعد التي سيفوز بها الإخوان والسلفيون.
لكن ناشطين كثراً تحدثوا لـ«السفير» عن تكتيكات انتخابية سيلجأ إليها الإخوان والسلفيون في يوم الانتخابات لتعطيل هذه المعادلة، وأبرزها ما يتردد عن أنهم سيجمعون ناخبيهم بعد صلاة الفجر تمهيداً لـ«غزوة الصناديق»، التي سيسعون من خلالها إلى إبطاء عملية التصويت، ما قد يدفع بناخبين كثر إلى مغادرة مراكز الاقتراع عندما يرون الطوابير الطويلة المصطفة أمامها، فيما لم يستبعد آخرون أن يلجأ السلفيون إلى العنف لثني الناس عن التصويت.
من جهته، يقول محمود عفيفي أن «ثمة تضخيما في تقدير حضور الإسلاميين في الشارع، وهو يستبعد قدرتهم على حشد الناس بالدرجة التي يتصورها البعض»، مشيراً إلى أن «جمعة قندهار» المعروفة «أظهرت حجمهم الحقيقي، فهم جمعوا الناس من كل محافظات الجمهورية، وإذا قلنا أن عدد الذين شاركوا في التظاهرة نحو مليون شخص، وأضفنا إليهم مليونا آخر، فتلك ستكون قوتهم الانتخابية».
لكنه يشير في المقابل إلى أن الإسلاميين، وتحديداً الإخوان، يملكون قدرة على إقناع الناس العاديين، كما أنهم يمتلكون القدرات الانتخابية لخوض الانتخابات بشكل جيد.
وبرغم ذلك، لا يتوقع عفيفي أن يحصل التيار الإسلامي على أكثر من 35 في المئة من مقاعد البرلمان.

تنسيق انتخابي

لكن المسألة الأهم تتمثل في العلاقة المعقدة بين جناحي التيار الإسلامي، أي الإخوان والسلفيين، وهي علاقة ما زالت تتسم بغموض شديد، فالجناحان خصمان لدودان في بعض الدوائر، فيما هناك تنسيق انتخابي بينهما في دوائر أخرى، كما أن مواقفهم الأخيرة تبدو متقاربة جداً برغم التباين الإيديولوجي الظاهر.
وثمة من يعتقد أن براغماتية الإخوان قد تجعلهم ينجحون في احتواء السلفيين على المدى البعيد، ولهذا يرى أحد الصحافيين أن الإخوان والسلفيين يكملان بعضهما البعض، ويشبههما بالممثلين الكوميديين إسماعيل ياسين وعبد السلام النابلسي، فالاثنان قادران على التأثير في الناس منفردين، لكن التأثير يصبح أقوى إذا اجتمعا سوياً. ويرى هذا الصحافي أن «الإخوان هم دماغ التيار الإسلامي بينما السلفيون هم عضلاته».
لكن عضو المكتب التنفيذي لاتحاد شباب الثورة الصحافي أحمد السكري يرى أن ثمة «شهر عسل» مؤقتاً بين الإخوان والسلفيين، ويعزو الأمر لالتفافهما ضد «وثيقة السلمي» للتعديلات الدستورية، مشيراً إلى ان هناك «اختلافات جوهرية في توجهات الإخوان والسلفيين تستدعي عدم التعامل معهم كتيار واحد».
ويعتبر السكري أن «هناك صعوبة في حدوث تنسيق انتخابي بين التيارين، حتى وإن خاضوا الانتخابات بقوائم موحدة… فهناك إصرار من السلفيين على فردية دعايتهم وتحركهم فرادى عن القوائم الحزبية الملتزمين بها».

ما بعد الانتخابات

ولكن ما هي خيارات القوى الإسلامية، وتحديداً الإخوان، في حال فوزها بعدد من المقاعد يؤهلها لتشكيل حكومة ما بعد الانتخابات؟
يرى الصحافي المختص في شؤون الحركات الإسلامية في جريدة «المصري اليوم» هاني الوزيري أنه «إذا تصدر الإخوان الحكومة فسيكون نصيبهم الفشل لأنهم سيعجزون عن التصدي للقضايا الحساسة التي ستواجهها مصر في المرحلة المقبلة».
ولهذا يتوقع الوزيري أن يعمد «الإخوان» إلى إشراك قوى أخرى في الحكومة العتيدة حتى لا يتحملوا لوحدهم عبء الفشل المحتمل. وهو يرى أن «الإخوان» لن يطالبوا بأي وزارات سيادية، لسببين، أولهما أن المجلس العسكري لن يقبل بذلك، والثاني أن الوزارات الخدماتية تعزز شعبيتهم في الشارع المصري.
بدوره، يرى القيادي في الحزب الشيوعي المصري عصام شعبان أن الإسلاميين سيواجهون صعوبة في التعامل مع بيئة تعددية يصعب احتواؤها مثلما هي الحال في مصر. وفيما يشير شعبان إلى ان «الثقافة السائدة حالياً ستخدم الإسلاميين على المدى القصير، إلا أن الأمر سيكون مختلفاً عندما يتعلق الموضوع بالقضايا الكبرى التي تهم المواطن المصري».
ويشدد شعبان على أن «المصريين يراقبون، وسيرون كيف سيتصرف الإخوان والسلفيون إزاء قضايا العمال والشباب وباقي القطاعات الاجتماعية، وسيراقبون أيضاً مواقفهم المتعلقة بالسياسة الخارجية»، ما يعني أن فوز الإسلاميين في الانتخابات المقبلة لا يعني شيئاً على المدى البعيد.
وفيما تكثر التكهنات حول الدور الذي سيؤديه الإسلاميون في مصر ما بعد الثورة، فإن ثمة إجماعا على أن الشعب المصري بات يملك وحده الخيار في تسليم السلطة لقوة سياسية ما، وفي إسقاط الشرعية عنها إذا كان أداؤها أدنى من سقف مطالبه الذي بات يلامس السماء… ولعل اعتقاداً كهذا يعززه إقرار الجميع بأن من يدعي امتلاك الشارع هو إما كاذب وإما واهم.

“السفير” – 22/11/2011

فليكر