السلام النووي: تقارب لا ينهي الصراع الاقليمي

معبّرة كانت هتافات “الله اكبر” و”الموت لإسرائيل” التي قاطع بها المحتشدون الخطبة التي القاها المرشد الاعلى للجمهورية الاسلامية في ايران السيد علي خامنئي في احد مساجد طهران يوم عيد الفطر، اي بعد اقل من اسبوع على توقيع الاتفاق النووي التاريخي بين الجمهورية الاسلامية ومجموعة 5+1.

تلك الهتافات التي ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بـ”الثورة الاسلامية” منذ انتصارها في العام 1979، وسبق ان انطلقت بها حناجر الايرانيين خلال فعاليات “يوم القدس العالمي”، الذي تزامن مع الوقت المستقطع لمفاوضات فيينا النووية، استحضرها خامنئي في خطبته، قائلاً انها “تظهر ما يفكّر به الايرانيون”.

المرشد الاعلى بدّد كل التكهنات بشأن التداعيات السياسية المباشرة لـ”التسوية النووية”، اذ قال بوضوح ان “سياستنا لن تتغير في مواجهة الحكومة الاميركية المتغطرسة”، وان “جمهورية ايران الاسلامية لن تتخلى عن دعم اصدقائها”، بدءً بـ”الشعبين المضطهدين في فلسطين واليمن”، مروراً بحكومتي سوريا والعراق، وصولاً الى “الشعب المضطهد في البحرين” و”المقاومين الابرار في لبنان وفلسطين”.

الموقف الواضح من قبل خامنئي سبقه موقف يوازيه في الوضوح من قبل الرئيس الاميركي باراك اوباما، الذي قال، بعد يوم من توقيع اتفاق فيينا، انه “حتى مع التوصل الى هذا الاتفاق، فستظل بيننا وبين ايران خلافات عميقة”، وان الجمهورية الاسلامية “لا تزال تمثل تحديات لمصالحنا وقيمنا”، مشيراً بشكل خاص الى “دعمها للارهاب واستخدامها للجماعات الاخرى في زعزعة استقرار اجزاء من الشرق الاوسط”، وهي عبارات كرّرها وزير خارجيته جون كيري، الذي أكد ان الولايات المتحدة وايران لم تتحوّلا الى “حليفين”، برغم الاتفاق النووي، لا بل ذهب ابعد من ذلك حين قال بعبارات صريحة “لا نزال أعداء، ولسنا حلفاء… لدينا خلافات وليست لدينا أوهام”.

ولعلّ كل ذلك يؤكد مقولة ان ما قام به باراك اوباما مع ايران هو تطبيق جديد لاستراتيجيتي ريتشارد نيكسون مع الصين في مطلع السبعينات، ورونالد ريغن مع الاتحاد السوفياتي في منتصف الثمانينات. وهو ما اكده الرئيس الاميركي نفسه حين قال للصحافي الاميركي البارز طوماس فريدمان غداة توقيع اتفاق فيينا: “أختلف كثير ا مع رونالد ريغان، ولكن أكثر ما كان يعجبني فيه هو اعترافه بأنك إذا كنت قادرا على التحقق من اتفاق (تم التفاوض بشأنه) مع إمبراطورية الشر التي كانت عازمة على تدميرنا وكانت أكبر تهديد وجودي وأكثر خطورة من إيران، إذن فإنه اتفاق يستحق القيام به… كما اختلف مع ريتشارد نيكسون، لكنه أدرك أن هناك احتمالاً بأن تأخذ الصين مسارًا مختلفاً”.

“الاختلافات” التي تحدّث عنها اوباما لا تلغي التشابهات بينه وبين نيكسون، فالاثنان ورثا هزيمة الحرب (فيتنام/العراق)، وكلاهما حاول التخلص من تركة سلفيهما (ليندون جونسون/جورج بوش الابن)، كما ان الاثنين تعرّضا لضغوط من قبل حليفيهما (تايوان/اسرائيل) لتقويض قراراتهما المصيرية.

ومع ذلك، فإن التصريحات التي اطلقها اوباما وفريق ادارته، بعد تسوية فيينا التاريخية، والتي توحي بأن التصعيد مع ايران سيستمر، تدفع الى الاعتقاد بأن الرئيس الرابع والاربعين للولايات المتحدة يميل الى تطبيق اسلوب سلفه السابع والثلاثين، لجهة ابداء قدر من الانفتاح الديبلوماسي ازاء الصين لتهدئة المشهد الدولي الملتهب، وتحقيق هدف سلفه الاربعين، لجهة استخدام الديبلوماسية الناعمة لتقويض الاتحاد السوفياتي تمهيداً لاسقاطه.

وبصرف النظر عن الاستراتيجية التي قرر اوباما اعتمادها تجاه ايران، فإن المتغيّرات الجارية على المسرحين الاقليمي والدولي تظهر ان استنساخ تجربة السبعينات والثمانينات، او الدمج بينهما، خيار قد لا يحقق اهدافه، خصوصاً ان هذه المتغيّرات تتجاوز ثنائية الصراع الذي كان سائداً في مرحلة الحرب الباردة، بل باتت اكثر تعقيداً في ظل تعدد اللاعبين في حلبة الصراع الدولي، مع بروز قوى جديدة تمثل الاقتصاديات الناشئة، وظهور لاعبين آخرين غير تقليديين على غرار “القاعدة” و”داعش” وابنائهما، ناهيك عن الفصائل المنضوية في ما بات يسمّى محور “المقاومة” او “الممانعة”.

واذا كانت تجربة تقويض الاتحاد السوفياتي قد تجاوزها الزمن، للأسباب المشار اليها اعلاه، فإن ما يمكن للولايات المتحدة تحقيقه استراتيجياً من خلال الاتفاق النووي مع ايران ربما يقترب في نتائجه من انفتاحة نيكسون على الصين، والتي اسهمت بشكل او بآخر في تغيير موازين القوى على المستوى الدولي، ولكنها ابقت على الصراع قائماً حتى اليوم.

ولعلّ تفاصيل الاتفاق النووي تعزز هذا الرأي، فبالرغم من ان تسوية فيينا – في حال نُفذت بنودها كما هو مخطط لها – قد ضمنت عدم حصول ايران على القنبلة الذرية، إلا انها لا تعني تخلي ايران عن طموحاتها النووية، فحين تنتهي مدة السنوات العشر التي ينص عليها الاتفاق، سيكون بمقدور الجمهورية الاسلامية استخدام اجهزة طرد مركزي اكثر تطوراً، بما يسمح لها في تصنيع السلاح الذري.

وبالرغم من ان هذه التكهنات بشأن طموحات ايران النووية، في بعدها العسكري، تبدو سابقة لأوانها، الا أن سيناريو من هذا القبيل يبقى ممكناً من الناحية النظرية على المدى البعيد.

ومن ناحية ثانية، فإن الاتفاق النووي قد ضمن للجمهورية الاسلامية تحرير عشرات مليارات الدولارات على شكل ودائع مجمّدة، علاوة على ان رفع العقوبات الدولية عنها سيوفر لها قدرات مالية هائلة، سواء على شكل عائدات نفطية او استثمارات محلية واجنبية. ومن الناحية السياسية، فإن هذه الانتعاشة الاقتصادية المرتقبة ستؤدي بطبيعة الحال الى زيادة النفوذ الايراني اقليمياً ودولياً.

وعلى المستوى الاقليمي، من المؤكد ان ايران ستستثمر الفورة الاقتصادي المرتقبة في منحى سياسي، من خلال تجديد دعمها لحلفائها من سوريا ولبنان وفلسطين وصولاً الى اليمن وربما اماكن اخرى، كما ان تلك الاندفاعة الاقتصادية الهائلة ستسمح لها بتوسيع نطاق تحالفاتها الدولية من خلال الانضمام الى تجمّعات تمثّل الاقتصاديات الناشئة بما في ذلك الـ”بريكس”، فضلاً عن تطوير صناعاتها العسكرية.

ومع ذلك، ينبغي انتظار سنوات عدّة، حتى تتحقق تلك الاهداف، ذلك أن رفع العقوبات الدولية المرتبطة بالبرنامج النووي الايراني لا يعني ان التعافي سيكون سريعاً، فالجمهورية الاسلامية في حاجة الى مليارات الدولارات من الاستثمارات الجديدة وخطة ضخمة لهيكلة الاقتصاد بغرض استيعات الطفرة المرتقبة.

ومعروف ان ايران مرّت بعشر سنوات من الصعوبات الخانقة، التي ترافقت مع عزلة دولية، خصوصاً على المستوى الاقتصادي… ومن المؤكد ان اعادة دمج ايران بالمنظومة الاقتصادية الدولية لن تكون عملية تلقائية بل تتطلب آلية بالغة التعقيد.

وعلى هذا الاساس، يمكن القول ان الحديث عن “زلزال” اقليمي، كما يصوّر البعض، ينطوي على قدر لا بأس به من المبالغة، وإن كان الاتفاق النووي يشكل بداية لرسم خريطة جيوسياسية جديدة، ووضع الحجر الاساس لعلاقات معقدة في الشرق الاوسط الجديد.

وبصرف النظر عن المدى الزمني لاعادة رسم الخريطة الجيوسياسية، فإن تسوية فيينا يمكن ان تمهّد نظرياً لعلاقات تحالف/ أو تناقض جديدة بين خمس مشاريع قائمة فعلاً في الشرق الاوسط.

اولاً، هناك المشروع الاميركي، الذي يبدو انه انتقل الى مرحلة جديدة تقوم على فكرة التخلي تدريجياً عن التدخل المباشر، والبحث عن آليات جديدة لتحقيق المصالح الاستراتيجية، سواء عبر ترسيخ التحالفات القائمة او اللعب على التناقضات الاقليمية.

ثانياً، هناك المشروع الايراني، الذي سيتعزز اكثر فأكثر حين يدخل الاتفاق النووي حيّز التنفيذ، بما يتضمنه من توفير للقوة الاقتصادية يمكن استثمارها في تعزيز النفوذ السياسي، ومن اعتراف مباشر بالجمهورية الاسلامية كلاعب اساسي في الشرق الاوسط.

ثالثاً، هناك المشروع الاسرائيلي، الذي سيتعامل مع “السلام النووي” عبر مستويين، اولهما محاولة تقويضه عبر آليات باتت واضحة للجميع، أو التعامل معه كأمر واقع، وبالتالي الاستفادة منه الى اقصى حد، ان من خلال ابتزاز الولايات المتحدة لضمان “التفوّق العسكري” او من خلال البحث عن تحالفات اقليمية جديدة ضد “الخطر الايراني”.

رابعاً، هناك المشروع الخليجي، الذي قد يصل الى مرحلة التقاطع مع اسرائل، في ظل وجود “عدو” مشترك (ايران) وحليف اوحد (الولايات المتحدة).

خامساً، هناك المشروع التركي، وهو يمثل الحلقة الاضعف، خصوصاً بعد الانتكاسة الخطيرة التي تعرّض لها في اعقاب سقوط نظام “الاخوان المسلمين” في مصر، وفشل خطة اسقاط نظام بشار الاسد، واخيراً الهزيمة المدوّية التي تعرض لها “حزب العدالة والتنمية” في الانتخابات التشريعية الاخيرة، وهو ما يفرض انتقاله من موقع “القيادة” (في مرحلة “الربيع العربي”) الى موقع التابع لهذا الحلف او ذاك (في مرحلة “السلام النووي”).

واخيراً، هناك المشروع الروسي، الذي سيستفيد من الصعود المتواصل على مسرح السياسة الدولية، ومن المكانة الديبلوماسية التي اكتسبها في المفاوضات النووية، للانخراط في شراكة استراتيجية مع ايران، بالنظر الى تقاطع المصالح بين الطرفين.

وسام متى
“النداء” – 24/7/2015

فليكر