الصراع «القاعدي» ـ «الداعشي»: من الشام .. إلى الهند!

«نحن اليوم بفضل الله سبحانه وتعالى نعيد رسم خريطة العالم الإسلامي لتصبح دولةً واحدة تحت راية الخلافة… ونحن اليوم بفضله سبحانه وتعالى نكتب تاريخاً ناصعاً لأهل الإيمان في هذا الزمن الذي ادلهمّ فيه الظلم، وانتشر فيه الجور والفساد والكفر في مشارق الأرض ومغاربها، فالسعيد من يثبته الله سبحانه وتعالى بجوار راية التوحيد».
بهذا الجزء من الخطبة المصوّرة لزعيم «القاعدة» الراحل اسامة بن لادن، استهلت «مؤسسة السحاب الإعلامي للانتاج الإعلامي» شريطها الجديد، الذي تناقلته المواقع والمنتديات الجهادية، مساء يوم امس، والذي حمل عنوان «الإصدار الخاص لمناسبة وحدة صفوف المجاهدين وإنشاء جماعة قاعدة الجهاد في شبه القارة الهندية».
وفي هذا «الإصدار الخاص»، رسائل ثلاث، الأولى لزعيم «القاعدة» ايمن الظواهري بعنوان «إعلان إنشاء فرع جديد لجماعة قاعدة الجهاد في شبة القارة الهندية ـ عصابة تغزو الهند بإذن الله»، والثانية للمتحدث باسم الفرع الجديد اسامة محمود بعنوان «تجديد البيعة وأهداف الجماعة»، فيما الثالثة لـ«امير الجماعة» عاصم عمر بعنوان «طريقنا القتال».

«عصابة تغزو الهند…»

بعد البسملة والحمدلة، «زفّ» الظواهري، إلى «المسلمين في العالم عامة وفي شبه القارة الهندية خاصة» قيام فرع جديد لجماعة قاعدة الجهاد وهو جماعة «قاعدة الجهاد في شبه القارة الهندية»، وذلك «سعياً لرفع علم الجهاد وعودة الحكم الإسلامي وتحكيم شريعته في ربوع شبه القارة الهندية التي كانت يوما ما جزءاً من ديار المسلمين، إلى أن احتلها العدو الكافر فقسّمها الى أجزاء وفرّقها إلى مناطق».
وأشار الظواهري، في رسالته المصوّرة، إلى ان هذا الفرع الجديد «لم ينشأ اليوم، ولكنه ثمرة جهد مبارك منذ أكثر من سنتين، لتجميع المجاهدين في شبه القارة الهندية في كيان واحد يكون مع الأصل جماعة قاعدة الجهاد من جنود الإمارة الإسلامية، وأميرها المنتصر بإذن الله أمير المؤمنين الملا محمد عمر مجاهد حفظه الله».
وأضاف أن «هذا الكيان المبارك بإذن الله قام ليتحد مع إخوانه المجاهدين والمسلمين في كل الدنيا، وليحطم الحدود المصطنعة التي أقامها المحتل الإنكليزي ليفرق بين المسلمين في شبه القارة الهندية. ولذلك فهو يدعو المسلمين في شبه القارة الهندية إلى أن يتّحدوا حول كلمة التوحيد، وأن يعملوا على نصرة الإسلام بسلوك طريق الرسل والأنبياء عليهم السلام وأتباعهم، طريق الدعوة والجهاد».
واعتبر الظواهري ان «قيام هذا الفرع الجديد بشرى للمسلمين في كل الدنيا وأن دعوة الجهاد تحت إمارة الإمارة الإسلامية بفضل الله في تمدد وتوسع»، وخص بالذكر «المستضعفين في شبه القارة الهندية»، في بورما وبنغلاديش وآسام وكجرات وأحمد آباد وكشمير، متوجهاً إليهم بالقول إن «إخوانكم في جماعة قاعدة الجهاد لم ينسوكم، وأنهم يبذلون ما يستطيعون لتخليصكم من الظلم والقهر والاضطهاد والمعاناة».
وبعد الاسهاب في التأكيد على «فشل الأسلوب الديموقراطي العلماني الذي يدعوكم إلى أن تتحاكموا لهوى الجماهير وتتخلوا عن عقيدة الحاكمية التي لا يتحقق إيمان مسلم إلا بها»، اسهب الظواهري في الحديث عن ضرورة الوحدة بين المسلمين والاعتصام بحبل الله، إلى ان ختم رسالته بحديث للنبي محمد جاء فيه: «عصابتان من أمتي أحرزهما الله من النار عصابة تغزو الهند وعصابة تكون مع عيسى بن مريم عليه السلام».

الهند تدق ناقوس الخطر

وفور رصد الشريط المصوّر للظواهري سارعت نيودلهي الى دق ناقوس الخطر، حيث اصدرت تحذيراً أمنياً لعدد من الولايات، بحسب ما تسرّب من اجتماع امني للحكومة المركزية.
وقال متحدث باسم حزب «باهاراتيا جاناتا» الحاكم، ان رسالة الظواهري تعد «مصدر قلق جدي»، لكنه طمأن إلى أن «لا شيء يدعو الى الخوف، فهناك حكومة قوية على المستوى الفدرالي».
ومن المعروف ان الهند لم تشهد أي وجود رسمي لتنظيم «القاعدة» على اراضيها، لكن تقارير صحافية واستخباراتية تؤكد أن جماعات من «الجهاديين» تنشط في كشمير، ومعظمهم باكستانيون، بالإضافة إلى اقلية من جنسيات اخرى، علماً بأن تنظيم «القاعدة» تعرض لضربة قوية في هذا الاقليم المضطرب، حين تمكنت الطائرات الاميركية من اغتيال القيادي «الجهادي» البارز الياس الكشميري في العام 2012.
وبالرغم من التحذيرات الدولية بشأن تمدد «القاعدة» إلى الهند، وهي تحذيرات تعود إلى الأيام الأولى لبدء «الحرب على الارهاب» غداة هجمات الحادي عشر من أيلول العام 2001، الا ان هذا الشبح لم يقض مضاجع المسؤولين الامنيين في البلاد كثيراً، وذلك لاعتبارات عدّة، ابرزها الطبيعة الديموقراطية لنظام الحكم في الهند، بما يضمنه من شراكة سياسية واجتماعية، فضلاً عن القطيعة الايديولوجية بين الإسلام الهندي وبين المدرسة الوهابية، وهو ما شكل سدّاً منيعاً امام محاولات التنظيمات المتشددة اجتذاب مسلمي الهند، البالغ عددهم قرابة 175 مليوناً.
ولكن الأشهر القليلة الماضية شهدت تطوّرات اثارت قلق اجهزة الامن الهندية، ففي السادس عشر من تموز الماضي، نقلت صحيفة «دايلي ميل» البريطانية عن مصادر في وكالات استخباراتية قولها إن «شبكات الإرهاب تحقق نجاحات في الهند». وبحسب المعلومات الاستخباراتية التي نشرتها «دايلي ميل» وقتها، فإن «القاعدة» يمتلك خططاً جاهزة لتعبئة «موارده الجهادية» في الهند، يما يمهّد لتحقيق الهدف الايديولوجي الذي يحمل شعار «غزوة الهند»، وهي تسمية برزت مؤخراً، وتم تداولها على نطاق واسع عبر المواقع والمنتديات الجهادية على شبكة الانترنت.
وقبل ذلك بأسابيع، تم رصد مقطع فيديو نشر على موقع «يوتيوب» بعنوان «الحرب يجب ان تستمر»، وتوجه من خلاله احد القياديين الإسلاميين المتشددين بدعوة إلى مسلمي كشمير لـ«الجهاد» ضد السلطات الهندية بهدف «تحرير» الاقليم المضطرب.
ويضاف الى ذلك، ما كُشف مؤخراً عن مقتل احد طلاب الهندسة الهنود في العراق، خلال مشاركته في العمليات العسكرية إلى جانب «داعش»، وهو واحد من بين عشرات الهنود المنحدرين من اقليم مهارشترا (الشطر الغربي من الهند الذي يضم مدينة مومباي)، والذين تؤكد المعلومات الاستخباراتية المتداولة أنهم انضموا مؤخراً الى التنظيم المتشدد.
وبالرغم من ان رسالة الظواهري لم تتضمن اي تهديد محدد، إلا أن صحيفة «انديان اكسبرس» توقعت أن «تنتقل عاصفة العنف التي تضرب الى الهند». ويمكن استشعار الخطر «القاعدي» على الهند، في جزء من خطاب الظواهري، الذي أتى فيه مرّتين على ذكر كجرات، وهي المقاطعة ذات الغالبية الاسلامية، التي شهدت مواجهات دامية اودت بحياة اكثر من الف شخص في العام 2002، حين كان رئيس الوزراء الهندي الحالي ناريندا مودي حاكماً عليها، وهي احداث اكتسب مودي بسببها شهرته في العداء للمسلمين.
ومن غير المعروف بعد ما إذا كان «القاعدة» قد نجح في تحويل هذه المقاطعة الى بيئة حاضنة، في ظل التضارب الحاصل بين اجهزة الامن المحلية والعالمية، فهناك رأي يقول بأن التنظيم المتشدد ما زال عاجزا عن اختراق الحدود الهندية، بدليل أن مخططي هجمات مومباي (2008) اضطروا للاستعانة بمقاتلين باكستانيين بعد اخفاقهم في تجنيد متشددين هنود، فيما يبرز رأي آخر يحذر اصحابه من وجود خلايا نائمة يمكن ان تصحو في اي وقت، خصوصاً ان رسالة الظواهري تضمنت إشارة إلى أن انشاء الفرع الهندي هو «ثمرة جهد مبارك منذ أكثر من سنتين».
وفي هذا الإطار، يمكن الإشارة إلى ما ذكرته صحيفة «الغارديان» في آذار الماضي، حين تحدثت عن وجود تنظيم سري باسم «قاعدة الهند»، ويضم قرابة 300 ناشط إسلامي، يرتبطون بالشبكات الجهادية، ويعملون تحت غطاء منظمات غير حكومية، وبعضهم تلقى تدريبات على ايدي جماعة «مجاهدي الهند» المحظورة.

الصراع على «الجهاد»

ومن بين التحليلات التي تقلل من خطر اختراق «القاعدة» للهند ـ من دون ان تنفي احتمال نجاح بنسب متفاوتة ـ تلك التي يرى اصحابها ان رسالة الظواهري ما هي الا قنبلة اعلامية، الهدف منها اعادة الاعتبار لتنظيمه الهرم، في ظل هيمنة تنظيم «داعش» الفتي على المشهد «الجهادي» في العالم.
ومعروف ان الصراع بين «القاعدة» و«الدولة الإسلامية»، وتحديداً بين الظواهري وابي مصعب الزرقاوي، تعود جذوره إلى ما قبل اغتيال بن لادن بسنوات، وقد تطور بشكل دراماتيكي خلال الاحداث في سوريا، إلى ان بلغ درجة القطيعة والاقتتال، عقب تأسيس «داعش» بشكلها الحالي.
أما خلفيات هذا الصراع، وكما كشفت عنها الوثائق التي عثرت عليها القوات الاميركية في عملية تصفية بن لادن في باكستان العام 2011، فهي تناقضات منهجية، تتعلق بخروج الزرقاوي (وبعده ابو بكر البغدادي) عن مبدأ «الجهاد العالمي»، الذي يحدد من خلاله «التنظيم الام» اطار عملياته بـ«استهداف اميركا واليهود» في عقر دارهم، واينما وجدوا، وسلوك «داعش» منهجاً خاصاً يقوم على التأسيس لـ«دولة الخلافة»، فضلاً عن اختلافات اخرى مرتبطة بالمنهج والاسلوب.
وفي هذا الإطار يمكن رصد الكثير من الفقرات التي تلمّح الى هذا الخلاف في الرسائل الثلاث، التي نشرت امس الاول، خصوصاً في التشديد على «وحدة المجاهدين» (رسالة الظواهري)، و«القتال ضد اميركا واليهود» (اسامة محمود)، وعدم التعرض للمسلمين في مناطق الغزو (الظواهري)، وعدم اجبار «الكفار» على اعتناق الاسلام (عاصم عمر)، وهي تلميحات تبدو موجهة للفت الأنظار الى سلوكيات «داعش»، مع الإشارة ايضاً إلى أن الثلاثة شددوا في رسائلهم على أن البيعة هي للملا محمد عمر.
وبدا واضحاً ان «داعش»، بالنظر إلى السطوة التي فرضها على المجتمعات التي سيطر عليها في العراق وسوريا، واعلانه «دولة الخلافة»، قد نجح في دغدغة مشاعر المتطرفين الإسلاميين، ما مكّنه من استقطاب الآلاف الذين كانوا محسوبين بشكل او بآخر على «القاعدة».
ولا شك ان هذا الامر يشكل مصدر قلق للظواهري، الذي يقترب تنظيمه من ان يكون اطاراً لقيادات كهلة تفتقد إلى «الكاريزما» الجهادية التي يتمتع بها البغدادي وامراؤه، علماً بأن نفوذ «داعش»، وبحسب ما تشير التقارير المنشورة في الصحف المحلية والعالمية، قد امتد مؤخراً إلى كشمير، احدى مناطق نفوذ «التنظيم الام».
وفي اواخر شهر حزيران الماضي، نشرت صحيفة «دي ان آيه انديا» تقريراً بشأن تمدد «داعش» في كشمير، بعد ظهور مقنعين يحملون رايات التنظيم المتشدد، خلال تجمع للمصلّين في عيد الفطر، فيما تشير تقارير استخباراتية نشرتها الصحافة العالمية مؤخراً الى ان الطلاب السوريين واليمنيين في الهند يحاولون تجنيد زملائهم الهنود للقتال في الشرق الاوسط، فيما يُقدر عدد الهنود المنخرطين في القتال في سوريا بنحو مئتين.
كما تم رصد بيانات عدّة على شبكة الانترنت تظهر ان بعض الجماعات الاسلامية المتطرفة في باكستان ابدت استعدادها لمبايعة امير «داعش»، في حين تشير وسائل إعلام هندية إلى ان ثمة حملات تجنيد يقوم بها هذا التنظيم في بيشاور، حيث يتم توزيع منشورات تحمل اسم «الدولة الإسلامية»، فيما تحفل جدران هذه المنطقة بشعارات ورسومات مستوحات من «داعش».
بذلك يبدو ان الهدف من اعلان الظواهري عن قيام الفرع الهندي لـ«القاعدة» هو قطع الطريق امام تسرّب الجهاديين الى «داعش»، واعادة تقديم التنظيم الام بصورة «الوكيل الحصري» للعمل «الجهادي حول العالم»، علاوة على ان توسيع النشاط «القاعدي» ليشمل القارة الهندية بأكملها، قد يشكل حافزاً للهيئات الداعمة لـ«المجاهدين» لكي تكثف اهتمامها بالتنظيم الام، بعدما تحوّل جزء كبير من الدعم والتمويل إلى تنظيم البغدادي، على حساب تنظيم الظواهري.
وبالرغم من ان رسالة زعيم «القاعدة» كانت موجهة إلى «الجهاديين» في كافة انحاء العالم، إلا ان الظواهري يأمل في ان تؤتي خطوة تأسيس الفرع الجديد ثمارها في شبه القارة الهندية بشكل خاص، باعتبار ان «جهاديي» هذه المنطقة الشاسعة سينجذبون اكثر من غيرهم إلى فرع اقليمي يمثل مصالحهم، ويؤمن لهم الغطاء الشرعي.
ويمكن في هذا السياق الإشارة إلى نموذج تحدثت عنه «انديان اكسبرس»، وهو جماعة «مجاهدي الهند» التي تقاتل على الحدود الباكستانية ـ الأفغانية، والتي تعرضت مؤخراً لضربة قوية تمثلت في اعتقال احد قيادييها البارزين، ويدعى ياسين باتكال، في حين يشكو زعيمها رياد باتكال من غياب الدعم الباكستاني لأي نشاط لها داخل الهند.
ولا تستبعد اجهزة الاستخبارات المحلية والعالمية ان تكون «مجاهدي الهند»، شأن الكثير من التنظيمات المتشددة في شبه الجزيرة الهندية، أول من يلتقط رسالة الظواهري، ويسارع الى الانضمام للفرع الجديد.
ومع ذلك، لا بد ان الظواهري يراقب الأوضاع خلف الأفق، وتحديداً الحراك الذي تقوده الولايات المتحدة لتشكيل تحالف ضد «داعش»، وربما يأمل في ان يؤدي هذا الحراك الاقليمي ـ الدولي إلى القضاء على خصمه اللدود، أو على الاقل تحجيمه، بما يمكّنه من اعادة فرض سطوة «القاعدة» على المشهد العالمي كملاذ واسع، واكثر اماناً لـ«الجهاديين».

وسام متى
“السفير” – 5/09/2014

Instagram @ wmattablog

Instagram has returned invalid data.