الصراع على «أزواد»… سقط القذافي فتجدد القتال!

في خضم الأحداث التي يشهدها العالم، والتحولات الدراماتيكية التي تمر بها منطقتنا العربية، ثمة صراع دموي يدور بعيداً عن الأضواء على مقربة منا… فمنذ أواسط كانون الثاني الماضي، يخوض المتمردون الطوارق والقوات الحكومية في مالي معارك طاحنة، بعدما أعلن «رجال الصحراء الزرق» ما أطلقوا عليه «حرب تحرير أزواد» من أجل تحقيق حلمهم بإقامة دولتهم المستقلة في الشمال المالي.
ويمكن إدراج «صحوة الطوارق» في مالي ضمن التداعيات غير المباشرة لـ«الربيع العربي»، وذلك لسببين أساسيين، أولهما أن الحراك الشعبي في المنطقة العربية قد شكّل حافزاً للطوارق ليخوضوا مغامرة عسكرية جديدة لفرض قواعد جديدة في هذا الصراع التاريخي، الذي ينذر اليوم بفتح جبهات إقليمية أخرى.
أما السبب الثاني، فهو أن السقوط المدوّي لنظام العقيد الليبي معمر القذافي قد أدى عملياً إلى حدوث «هجرة عكسية» للمقاتلين الطوارق من ليبيا، التي كانوا فيها إحدى ركائز القوة العسكرية لـ«ملك ملوك إفريقيا»، حيث سلك الآلاف منهم الطرق الصحراوية القاسية بين النيجر والجزائر باتجاه موطنهم الأصلي.
وبالرغم من أن منطقة «أزواد» قد شهدت أربع ثورات طوارقية منذ استقلال مالي عن فرنسا عام 1960، إلا أن «حرب تحرير أزواد» تبدو اليوم أكثر تعقيداً، فالجيش المالي، الذي طالما اعتاد على محاربة متمردين مسلحين ببنادق «الكلاشنيكوف»، يواجه اليوم مجموعات مسلحة تستخدم ما ملكت أيديها من ترسانة القذافي المتطورة.
أما التطور الأكثر أهمية ـ وربما الأكثر خطورة ـ فيتمثل في دخول طرف جديد على خط الصراع، ألا وهو «تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، الذي ذاع صيته خلال الأشهر الماضية من خلال عدد من عمليات خطف الأجانب في منطقة الصحراء.

بين المطالبة بالمساواة… والانفصال

لا يختلف وضع الطوارق في مالي عن وضع الأقليات في دول العالم الثالث، فتلك المجموعة التي عانت ظلماً وتهميشاً وقمعاً وتقطيعاً للأوصال خلال الحقبة الاستعمارية، لم تجد في مرحلة ما بعد الاستقلال ما يحفّزها على الاندماج في الدولة الجديدة، فتوالت ثوراتها، وارتفع سقف أهدافها من المطالبة بالمساواة، إلى المطالبة بالانفصال، الذي بات يشكل بالنسبة للطوارق الخيار الوحيد في ظل تجاهل الحكومات المتعاقبة لمطالبهم، واستخدامها القوة الوحشية في قمع حراكهم، ونكوثها بكافة الاتفاقيات التي تم التوصل إليها بوساطات إقليمية لإيجاد تسوية عادلة لقضيتهم المزمنة.
وثمة انطباع لدى عدد من المراقبين، لا سيما أولئك العارفين لطبيعة الطوارق، أن النظام المالي ما زال عاجزاً عن التعامل مع طبيعة «الرجال الأحرار» ـ وهي التسمية التي يطلقونها على أنفسهم ـ الذين عرفوا بتمرّدهم الفطري حتى على الطبيعة، وهو ما يتبدّى في عدم اتخاذ السلطات المالية أي خطوة جدية لاحتواء الموقف من خلال تنمية اقتصادية واجتماعية متوازنة تحقق العدالة بين المركز (المدينة) والأطراف (الصحراء).
ولعل ما يؤكد هذا الانطباع، هو أن مطالب الطوارق كانت تقتصر تاريخياً على تحسين ظروف عيشهم، لكنها سرعان ما تطورت، ثورةً بعد ثورة، إلى المطالبة بالانفصال أو الكونفدرالية. وبالرغم من أن الرد الساحق والدموي الذي اتبعه الرئيس الأسبق موديبو كيتا (1960ـ 1968) لإخماد ثورة الطوارق عام 1963 قد أدى إلى انخفاض سقف مطالبهم عبر تخليهم عن مطلبي الانفصال والكونفدرالية إلى المطالبة بحكم ذاتي، إلا أن عودة المقاتلين الطوارق إلى أزواد في خضم الحراك الشعبي في العالم العربي قد أعاد رفع سقف المطالب فصار الحديث يدور اليوم عن «حق تقرير المصير».

الحرب الحالية… نقطة اللاعودة ؟!

ويبرز تطوّر القتال في خلال الأسابيع الماضية شكلاً جديداً من الصراع، وذلك على مستويين، أولهما أن حكومة باماكو تواجه اليوم التهديد العسكري الأكثر خطورة من قبل الطوارق، الذين باتوا ـ بشهادة مصادر عسكرية مالية ـ أكثر عدداً وأفضل عتاداً وإمكانات لوجستية.
أما المستوى الثاني، فهو أن مطالب الطوارق في هذه الحرب تختلف عن سابقاتها، فالحديث يدور اليوم عن انفصال «أزواد» بشكل كامل عن مالي باعتبار أن «سكان الإقليم يختلفون عرقيا وثقافيا عن بقية سكان البلاد»، حسبما قال أحد قادتهم.
ولعل ما حدث قبل بضعة أشهر من بدء القتال، يعكس ما يجول في ذهن الطوارق حالياً، فحين ذهب إليهم برلمانيون ماليون، في تشرين الثاني الماضي، كانت الهدايا التي عاد بها الوفد عبارة عن علم وخريطة لـ«دولة أزواد»!

الجبهة الخلفية

يروي الصحافي البينيني ـ الفرنسي سيرج دانيال واقعة تلخص جانباً من العلاقة بين العقيد الليبي والطوارق قائلاً «كان ذلك في نيسان العام 2006، في صحراء تمبوكتو شمال مال عندما تحول القذافي إلى إمام… فقد صرف الملايين كي يأتي إلى هذا الجزء من الصحراء برؤساء دول أفارقة ومسؤولين من جمعيات إسلامية وعلماء لتخليد ذكرى المولد النبوي… وبعدما أمَّ المصلين، استقبل العقيد الليبي الغريب الأطوار في خيمته عددا من الصحافيين تم اختيارهم بدقة وكنت من بينهم. بدأ العقيد خطبته قائلا: إنني مستعد لبذل دمي كله للدفاع عن الصحراء الكبرى، وأريد أن تتحد جميع القبائل: العرب والتبو والصنغاي والبمبارة… وخاصة الطوارق. وألقى بنظره وهو ينطق الجزء الأخير من جملته صوب مبروكة، إحدى حارساته الشخصية ذات الأصل الطوارقي. وغير بعيد من الخيمة كان ممثلو عشرات المنظمات الطوارقية ينتظرون استقبال القائد ليعرضوا عليه مشاكلهم. لم يستطع القائد إخفاء شغفه بالطوارق… وربما كان يسري في عروقه دم طارقي».
والواقع أن المتمردين الطوارق قد نظروا إلى «ليبيا ـ القذافي» باعتبارها جبهة خلفية في الصراع مع الحكومة المركزية في باماكو ـ كما مع غيرها في دول الانتشار ـ فالعقيد الليبي، الذي أدار ظهره للعمق العربي واستدار نحو العمق الإفريقي، سبق أن دعم العديد من حركات التمرد في إفريقيا. ولهذا فقد تحوّل القذافي إلى ملاذ آمن للمتمردين الطوارق منذ أن شتتتهم موجة الجفاف التي ضربت منطقة الساحل الإفريقي في مطلع السبعينيات.
بدوره، وجد القذافي في المسلحين الطوارق عنصراً مهماً لحماية نظامه من «المتآمرين» في الداخل، فسلّحهم وأدخلهم في قوات النخبة، كذلك زجّ بهم في صراعاته الإقليمية، فأرسلهم إلى جبهات القتال في تشاد ولبنان. وتحولت قنصليته في مدينة كيدال إلى مركز عمليات لإدارة الصراع في منطقة الصحراء، وهو ما دفع بعدد كبير من الطوارق إلى اعتبار العقيد الليبي عقبة أمام القضية الطوارقية أكثر منه جهة دائمة للحراك «الأزوادي».
وبصرف النظر عن مدى دقة هذه المقولة، يمكن القول أن المتمردين الطوارق قد فقدوا بمقتل القذافي الجبهة الخلفية الوحيدة في صراعهم، وهو ما قد يدفعهم باتجاه البحث عن جبهة خلفية جديدة، قد تكون تنظيم «القاعدة» الذي بات ينشط بفعالية في منطقة الصحراء.
وتتهم الحكومة المالية الطوارق بإقامة تحالف جديد مع «القاعدة»، ولعل ما يعزز هذا الاتهام تخلي عدد من مجموعاتهم عن النزعة القومية لصالح النزعة الإسلاموية، وهو ما ينطبق تحديداً على حركة «أنصار الدين» التي أصبحت أدبياتها مشابهة لما يطرحه تنظيم «القاعدة». لكن الفصائل الطوارقية الأخرى تنفي هذه الاتهامات، وتضعها في إطار الجهود التي تبذلها حكومة باماكو لتحريض الغرب على الطوارق. وبصرف النظر عن وجود تحالف كهذا، فإن كثراً يعتقدون أن تطوّر القتال قد يدفع الطوارق إلى «التحالف مع الشيطان» كما قال أحد قادتهم في الخارج مؤخراً.

التداعيات الإقليمية والدولية

ولعل هذه التطورات تنذر بتداعيات محلية وإقليمية ودولية خطيرة. فالصراع الحالي يأتي في وقت تستعد فيه مالي لانتخابات برلمانية ورئاسية تبدأ في 29 نيسان المقبل. ومن المؤكد أن قضية الشمال ستحتل موقع الصدارة في هذا الاستحقاق.
لكن الأهم، هو أن القتال الدائر في «أزواد» قد لا يقتصر على مالي، خصوصاً أن أحلام طوارق مالي تدغدغ مشاعر باقي المجموعات الطوارقية المنتشرة بين النيجر والجزائر وبوركينافاسو، وكذلك الإثنيات التي تعيش على رقعة إقليمية أوسع.
ولذلك، فقد سارعت العديد من دول الجوار إلى محاولة احتواء الموقف، سواء داخل مالي، حيث تنشط الجزائر ـ التي سبق أن رعت عدة اتفاقيات تسوية بين الطوارق وحكومة باماكو ـ لإيجاد تسوية قبل أن يفوت الأوان، أو داخل تلك الدول نفسها، حيث أوقفت الجزائر تزويد الجيش المالي بالسلاح، فيما أبدت السلطات في النيجر استعداداً للتفاوض مع الطوارق المقيمين فيها لمنع انتقال الصراع إليها.
أما موريتانيا، فيبدو موقفها غريباً بعض الشيء، فالبرغم من سياسة النأي عن النفس التي انتهجتها في هذا الصراع، باعتباره «شأناً داخلياً مالياً لا علاقة لدول الجوار فيه»، على حد تعبير وزير الخارجية الموريتاني حمادي ولد حمادي، إلا أن ما قاله الوزير ذاته بعد ذلك بأيام من أن للطوارق «مطالب واضحة بشأن الهوية» أثارت اتهامات من قبل الصحافة في مالي لنواكشوط بدعم المتمردين.
أما على المستوى الدولي، فمن المؤكد أن تداعيات الحرب الحالية ستكون لها انعكاسات خطيرة على ما يعرف بـ«الحرب على الإرهاب» في ظل تزايد نشاط «القاعدة» وعصابات التهريب والجريمة المنظمة في منطقة الصحراء. وحتى الآن، ما زال التحرك الفعلي مقتصراً على فرنسا ـ القوة الاستعمارية السابقة ـ التي أوفدت وزير التعاون الدولي هنري دي رينكور إلى المنطقة لإجراء محادثات مع مسؤوليها في محاولة لاحتواء الموقف المضطرب. أما الولايات المتحدة فيبدو أنها تراقب حالياً مسار القتال قبل التدخل، خصوصاً أن أي تغيير في الخريطة السياسية لمنطقة الساحل الإفريقي سيمثل من دون شك تهديداً لمصالحها ومطامعها بالنفط والذهب واليورانيوم في هذه المنطقة.

وسام متى
“السفير” – 23/02/2012 

Instagram @ wmattablog

  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image