الصوفيون بين القلق من السلفيين… والعزوف عن السياسة

تبدو الطرق الصوفية من بين المظاهر المثيرة للجدل في التركيبة الاجتماعية والسياسية في مصر. أما السبب الرئيسي لهذا الجدل فيعود بشكل أساسي إلى أن زائر القاهرة يشعر ببصمة تركها الصوفيون في مختلف العلاقات بين مكونات الشعب المصري من دون أن تشعر بحضورهم اللافت على الساحة السياسية.
وثمة من يرى أن الطرق الصوفية هي من يملك القدرة الفعلية على تثبيت الهوية الإسلامية في مصر والمحافظة عليها، وأنها صمام الأمان الذي سيحمي البلاد أمام «غزوة» القوى الإسلامية الراديكالية، ولهذا فإن كثراً ممن ينتمون للتيار المدني يراهنون على أصوات الصوفيين لقلب المعادلة الانتخابية في ظل هيمنة «الإخوان المسلمين» والسلفيين على المشهد السياسي بعد ثورة 25 يناير.
ويجمع المراقبون على أن الطرق الصوفية، التي يناهز عددها السبعين طريقة، هي الأكبر من بين القوى الإسلامية في مصر، وهم يقدّرون عدد مريديها، أي أتباعها، بالملايين، لكنهم يشيرون إلى أن نقطة ضعفها تكمن في نقاط عديدة، أبزرها تعدد مرجعياتها، وعدم امتلاكها تنظيماً سياسياً صلباً مقارنة بباقي القوى الإسلامية، فضلاً عن أن معظمها اختار العزوف عن العمل السياسي منذ فترة طويلة، ما يجعل تأثيرها الفعلي يقتصر على السلوك الاجتماعي وليس السياسي.

الصوفيون في مصر

يشرح الصحافي المتخصص في شؤون التيارات الإسلامية في صحيفة «المصري اليوم» أسامة المهدي لـ«السفير» نشأة الطرق الصوفية في مصر، وهو أمر لا بد منه لفهم تركيبة الطرق الصوفية وعلاقاتها المتشعبة في النسيج المجتمعي المصري.
ويشير المهدي إلى أن التصوف في مصر تابع لأربعة مناهج رئيسية هي: «الطريقة البرهانية»، نسبة للقطب إبراهيم الدسوقي، و«الطريقة الأحمدية»، نسبة لأحمد البدوي (السيد البدوي)، و«الطريقة الشاذلية»، نسبة لأبي الحسن الشاذلي، و«الطريقة القادرية» نسبة لسيدي عبد القادر الجيلاني.
ويضيف أن «كل هذه الطرق تأسست في المغرب، بعد تأسيس دولة الموحدين واضطهادهم لدولة الأدارسة، الذين كانوا من أهل البيت، فاتجه هؤلاء لجهة الشرق، وانتشروا في مصر، مستفيدين من حب المصريين لأهل البيت»، لكنه يوضح أن ثمة طريقة أخرى أتت من العراق، وهي «الطريقة الرفاعية»، نسبة للإمام الرفاعي، والتي أسسها في مصر سيدي أبو الأشباك.
ويشير المهدي إلى أن تلك هي الطرق الأساسية التي تفرّعت منها الطرق الأخرى، والتي يناهز عددها اليوم السبعين طريقة، موضحاً أن تأسيس هذه الطرق ارتبط بمريدي هذا الشيخ أو ذاك، بمعنى أنه «قد يجد أحدٌ من تلامذة الشيخ أنه اقترب من هدف التصوّف، أي الله، فيؤسس فرعاً جديداً باسمه، لكن الطريقة تبقى مرتبطة باسم المرجعية الأولى، كأن نقول مثلاً الطريقة الشرنوبية البرهانية أو الجوهرية الأحمدية… الخ».
ويضيف المهدي أن «لا اختلافات عقائدية بين هذه الطريقة أو تلك» باعتبار أن «التصوف ليس مذهباً دينياً بل سلوك في ما يشبه الرهبانيات عند المسيحيين»، موضحاً أن الفرق بين هذه الطريقة أو تلك هو في السلوك، سواء طرق قراءة القرآن والأوراد والاستذكارات، أو طرق الاحتفال بالموالد والانضمام للطريقة.
وفي هذا الإطار، يشير المهدي إلى أن ثمة ثوابت لا يمكن للصوفي أن يخالفها، وأبرزها حب آل البيت، لكنه يوضح أن ذلك لا يمنع الصوفي من أن يكون متأثراً بمرجعيات إسلامية أخرى، ولهذا قد يفاجأ المرء عندما يجد أن أحد الصوفيين معجب بآراء الداعية السلفي الشيخ محمد حسان الذي يرفض ثوابت الصوفية.
وانطلاقاً من تجذرهم طوال القرون الماضية، بات للصوفيين حضور واسع النطاق في المجتمع المصري، إذ يقدّر عدد مريديهم بالملايين، وإن كان يصعب تقدير عددهم بشكل دقيق. ويوضح المهدي أن «هناك سجلات رسمية للمنتمين للطرق الصوفية، لكن إحصاءهم يحتاج إلى جهد كبير، ذلك أن تلك السجلات غير موحدة، بالنظر إلى الدور الضعيف للمشيخة الصوفية». ويوضح أن آخر إحصاء تقريبي للصوفيين كان في العام 2006، وقد قدر عددهم يومها بنحو تسعة ملايين، مشيراً إلى أنه حاول القيام بجهد خاص في هذا المجال خلال العام 2010، وقد خلص إلى أن ثمة 15 مليون مصري ـ من الرجال فقط ـ يتبعون 67 طريقة، ما يجعلها أكبر قوة إسلامية في مصر.

الخروج من العزلة

وبعد عقود طويلة من العزلة، قررت بعض الطرق الصوفية الانخراط في الحياة السياسية في مصر مدفوعة بالتغيير الذي أحدثته ثورة 25 يناير في المفاهيم السياسية.
وبالرغم من أن هذا الانخراط ظل مقتصراً، طوال الأشهر الماضية، على حشد الناس لحماية الأضرحة التي هددت بعض الفصائل السلفية بهدمها، ومن ثم الدعوة لمليونية استهدفت التخفيف من الاحتقان السياسي في مصر، فضلاً عن إعادة ترتيب البيت الصوفي، فإن ثمة من يرى أن تأسيس أول حزب للصوفيين في مصر، وهو «حزب التحرير المصري»، قد يكون البداية الفعلي لدخول الصوفيين ميدان العمل السياسي برؤى أكثر وضوحاً.
ويشير المهدي إلى أن «حزب التحرير المصري» يمثل أول تجربة حزبية للصوفيين، وهو حزب ذو توجهات ليبرالية، وقد تأسس في آب الماضي، ويرأسه شيخ الطريقة العزمية أبو العلا أبو العزائم.
يذكر أن هذا الحزب كان من مؤسسي «الكتلة المصرية»، التي كانت تضم 18 حزباً ليبرالياً ويسارياً، قبل أن ينخفض العدد إلى ثلاثة أحزاب (التجمع، المصريون الأحرار، الحزب الديموقراطي الاجتماعي) بعد موجة انشقاقات. ويخوض الحزب الانتخابات بـ63 مرشحاً، وهو حالياً ضمن لائحة «الثورة مستمرة».

قلق من «الإخوان» والسلفيين

لا يخفي الصوفيون قلقهم من تولي «الإخوان» والسلفيين الحكم في مصر، فهم يرون في ذلك تهديداً وجودياً لهم. ولعل هذا القلق بات مبرراً خصوصاً بعدما حاول عدد من المتشددين هدم ضريح يزوره الصوفيون في القليوبية في نيسان الماضي، وما تردد عن وجود مخططات لهدم أضرحة أخرى، بما في ذلك ضريح الحسين في القاهرة.
ولعل هذا ما دفع بالعديد من مشايخ الطرق الصوفية، على غرار شيخ الطريقة العزمية علاء أبو العزائم، إلى التحذير من أن الطموحات السياسية لـ«الإخوان» والسلفيين تهدد التسامح الديني، حتى في أوساط الصوفيين أنفسهم، وأن هذين الفصيلين الإسلاميين ربما يتجهان إلى إلغاء المشيخة الصوفية في حال وصولهم إلى السلطة بعد الانتخابات.
ويفسر المهدي عزوف الصوفيين عن السياسة بأن «المتصوف ينعزل عن مناحي الحياة، وهدفه أن يرضي الله، ولذلك فهو زاهد في السياسة، باعتبارها شيئاً قذراً أو شهوانياً، وإن كان بعض الصوفيين مؤمناً بضرورة المشاركة السياسية».
ولا تشذ عن هذه القاعدة، بحسب ما يقول المهدي، سوى الطريقة العزمية الشاذلية ـ التي لا تتبع الطريق الشاذلية بعكس ما يدل عليه اسمها ـ باعتبار أن هذه الطريقة، التي تأسست في العام 1881، وخلافاً لباقي الطرق الصوفية، ترى أن إرضاء الله تكون عبر تكوين جيل مسلم قادر على بناء الدولة الإسلامية.
ويشير إلى أن «غالبية مشايخ الصوفية كانوا يرفضون أن يخوضوا غمار السياسة، لكنهم اضطروا مكرهين لاتخاذ موقف مغاير، وذلك بهدف حماية الطرق الصوفية من الخطر المتمثل بوصول الإخوان والسلفيين للحكم، واحتمال أن يقدموا على تهديد الامتيازات التي يحصلون عليها من الدولة، ومواردهم المالية، وطقوسهم وتقاليدهم».
وبرغم تصاعد حضور السلفيين في المشهد السياسي المصري، فإن المهدي يرى أن للصوفيين وسائل أخرى لحماية أنفسهم، مشيراً إلى أن عدداً من المشايخ قالوا إنه «لو مس أحد بالطرق الصوفية فإنهم سيحرقون الأخضر واليابس». ويشير إلى أن هذا التحذير ليس مجرّد كلام، موضحاً بالنظر إلى وجود 15 مليون مصري ينتمون للطرق الصوفية، ويضاف إليهم خمسة ملايين شريف، عدا أن كل المصريين يتعاطفون معهم، وهم ينتمون إلى قوى سياسية من اليمين إلى اليسار.
ويذكر المهدي بأن الصوفيين يملكون من الجرأة ما يكفي للدفاع عن وجودهم، فقد نجحوا في السابق في تحدي وزارة الداخلية والحزب الوطني أيام حسني مبارك، وذلك عندما تجاهلوا قرار حكومة أحمد نظيف بمنع الموالد، وأقاموا احتفالاتهم على بعد أمتار من مقر وزارة الداخلية.

الخيارات الانتخابية

قدم الصوفيون 93 مرشحاً للانتخابات التشريعية المقبلة، ولكن بحسب المهدي فإن هؤلاء هم المرشحون الذين يرفعون شعار الصوفية، موضحاً أن هناك ضعف هذا العدد من المرشحين ممن يخوضون الانتخابات على لوائح باقي الأحزاب، كالمصريين الأحرار والوفد وغيرهما، وهو يفسر ذلك إلى أن الهدف الأول للصوفيين هو توفير الحماية لأنفسهم، سواء ترشحوا على اسم الصوفية أو تحت مظلة أحزاب أخرى.
ويشير المهدي إلى أن ثمة خياراً وحيداً للصوفيين في الانتخابات المقبلة، وهو التصويت ضد أي مرشح سلفي أو إخواني. ويشدد على أن المشكلة الأساسية للصوفيين هي مع السلفيين، ذلك أن الإخوان لا يعادون الصوفية بالقدر الذي يبدو عند السلفيين، خصوصاً أن عدداً كبيراً من الإخوانيين، ومن بينهم مؤسس الجماعة حسن البنا، بدأوا حياتهم في الطرق الصوفية.
ولهذا السبب فإن التوقعات تشير إلى أن الصوفيين يميلون إلى التصويت لتحالفات تضم ليبراليين ويساريين… وربما فلول!
لكن السؤال الأهم يكمن في تحديد مدى استجابة المريدين لخيارات مشايخهم في ظل تعدد الطرق وعدم وجود تنظيم واضح يوحد صفوفها. وفي هذا الإطار، يرى المهدي أن «خيارات مشايخ الصوفية بشأن تفضيل هذا المرشح أو ذاك قد لا تكون ملزمة لكل الصوفيين، باستثناء فئة من المثقفين ستفهم جيداً حيثيات تلك الخيارات»، لكنه يرى في المقابل، أن كل الاحتمالات واردة، مشيراً إلى أننا قد نكتشف خلال الانتخابات أن معظم الصوفيين تبنوا الخيارات الانتخابية لمشايخهم.
بذلك، يمكن القول إن الانتخابات الأولى بعد ثورة 25 يناير ستشكل فرصة للصوفيين، شأنهم شأن كل القوى السياسية في مصر، لتحديد قدرتهم على قلب المعادلات الانتخابية رأساً على عقب، وهو أمر إن تحقق فسيغير كثيراً من قواعد اللعبة السياسية في المرحلة المقبلة.

“السفير” – 24/11/2011

فليكر