المجلس العسكري بين «الانقلاب على الثورة»… والبحث عن مخرج آمن؟

على طول سور الجامعة الأميركية في شارع محمد محمود، المتفرع من ميدان التحرير في وسط القاهرة، تنتشر الشعارات المناهضة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة الحاكم في مصر.
تتوزع هذه الشعارات بين عبارات مناهضة للمجلس العسكري، من بينها «شلنا حسني وجبنا حسين… داهية تاخدكم إنتو الاثنين»، و«تلبس بدلة تلبس بوكسر… يسقط يسقط حكم العسكر»، بالإضافة إلى رسومات جدارية للشهيد مينا دانيال، الذي قتل في المواجهات بين الجيش والمتظاهرين أمام مبنى ماسبيرو، وأخرى للناشط علاء عبد التفاح الذي يحاكم أمام المحكمة العسكرية، والإعلامي يسري فودة الذي فرضت ضغوط المؤسسة العسكرية على محطة «أون تي في» وقف برنامجه لفترة أسابيع.
ينظر سائق الأجرة إلى أحد الشعارات، فيردد «المجلس العسكري حامي مبارك». يبتسم قائلاً «ما هو الشعب كويّس وفاهم كل حاجة». يرى هذا الرجل الستيني أن «الجيش سرق ثورة الشباب»، مؤكداً أن «المشير وحسني لا يختلفان في شيء… هما من نفس الطينة». يستفيض الرجل في شرح وجهة نظره فيقول «سأعطيك مثلاً، هم يصفون التظاهرات المطلبية بأنها تحركات فئوية، ويقولون إنها تكلف الخزينة ثلاثة مليارات جنيه، وأن استمرارها يتسبب بخسارة البورصة 90 مليار جنيه… فلماذا لا يدفعون ثلاثة مليارات ويكونون قد أنقذوا 87 ملياراً… هذه هي عقلية حسني التي خربت البلد».
لكن ثمة رأياً آخر في أحد المقاهي الشعبية في حي السيدة زينب. رجلان تبادلا نقاشاً محموماً في السياسة وهما يدخنان «الشيشة». تغتنم تلك الفرصة فتحاول التدخل في الحديث. ما إن يدرك أحدهما أنك صحافي حتى ينطلق في الدفاع عن وجهة نظره المؤيدة للمجلس العسكري.
يرى الرجل، وهو موظف متقاعد في القطاع العام، أن «الجيش هو الضمانة الوحيدة للأمن بعدما انهار جهاز الشرطة»، مضيفاً «عيال 6 إبريل خربت الدنيا… ولسه فاضل الجيش عاوزين يضربوه».
يحاول صديقه التدخل مستنكراً، فيسكته بإشارة من يده ويتابع «هم (الجيش) أكدوا أنهم سيسلمون السلطة خلال سنة أو اثنتين أو حتى ثلاث، فماذا يريدون أكثر من ذلك؟». ويضيف «أنظر ما يحدث في سوريا، وقبلها في ليبيا، هل يريدون مصيراً مماثلاً لمصر؟».
يعكس هذا المشهد استقطاباً حاداً في الشارع المصري بين من يعتقد أن المجلس العسكري يسعى لإجهاض الثورة، وبين من يرى أن شباب الثورة فئة متهورة تريد أن تقود مصر إلى الفوضى.
وبين هذا وذاك، يرى البعض أن المجلس العسكري، وعلى غرار باقي القوى السياسية، يسعى لتعزيز سلطته في مرحلة تشهد تحولاً تاريخياً يخشى أن يفقد معها الامتيازات السياسية والاقتصادية التي اكتسبها منذ ثورة 23 يوليو.
ولعل ما يعزز التكهنات بشأن خيارات المجلس العسكري للتعامل مع مرحلة ما بعد مبارك، هو موقفه الغامض خلال الأيام الثمانية عشر للثورة، وتحديداً منذ نزوله إلى الشارع غداة الانهيار الكامل للمنظومة الأمنية يوم الثامن والعشرين من يناير، وهي تراوحت بين التلويح باستخدام القوة ضد الثوار (تحليق طائرة الـ«أف-16» في أجواء ميدان التحرير)، وغض الطرف عن هجمات البلطجية ضد المتظاهرين (وتحديداً يوم موقعة الجمل)، وصولاً إلى إعلان دعمه للثورة، الذي ترجم في الشارع بشعار «الجيش والشعب إيد واحدة».
أما بعد سقوط مبارك، فإن التحوّل الواضح في موقف المجلس العسكري إزاء الثوار، عكس رسالة واضحة أن الثورة انتهت ليل الحادي عشر من شباط، وأنه يعود للعسكر وحدهم أن يديروا دفة المرحلة الانتقالية، وهو ما أثار مخاوف كثيرين من عقلية العسكر التي تنفر من الإصلاحات الجذرية وتميل في المقابل إلى فرض استقرار ذي سقف سياسي منخفض.
ثورة عسكرية مضادة؟
في أحد أركان مقاهي شارع البورصة في وسط البلد تلتقي مجموعة شبابية من انتماءات سياسية مختلفة – يساريون، ليبراليون، مستقلون، سلفيون – تجمعهم قضية واحدة، وهي رفض المحاكمات العسكرية للمدنيين.
يشير أحد أعضاء المجموعة، وهو ليبرالي، إلى أن المحاكمات العسكرية للمدنيين قضية لا تحظى بالاهتمام الإعلامي، بالرغم من أنها تدل على أن المجلس العسكري بات أكثر قمعية من نظام مبارك. ويوضح هذا الناشط، وهو طالب في قسم الحقوق في جامعة القاهرة، أن عدد الذين أحيلوا للمحاكم العسكرية طوال عهد مبارك لم يتجاوز الألفين، في حين أن هذا العدد حطم رقماً قياسياً خلال الأشهر الثمانية الأولى لحكم العسكر في مصر، إذ بلغ 15 ألف قضية، مشيراً إلى أن استمرار «هذا النهج القمعي» من قبل المجلس العسكري ينذر باندلاع ثورة جديدة «قد لا تكون سلمية هذه المرة».
بدوره، يرى الناشط اليساري الشاب محمد طارق، وهو أحد أعضاء هذه المجموعة، أن ممارسات المجلس العسكري بحق الثوار تظهر أنه «يقود الثورة المضادة».
ويقدم طارق العديد من الأدلة على تورط المجلس في خطة لـ«إسقاط الثورة»، بدءاً بالمحاكمات العسكرية، وإصراره على إجراء الانتخابات في ظل قانون الطوارئ، وعقده صفقات مشبوهة مع بعض القوى السياسية، وحملة تضليل الرأي العام وتأليبه على الثوار.
ولا يستبعد طارق اندلاع ثورة جديدة ضد المجلس العسكري، موضحاً أن «المصريين سيكتشفون عاجلاً أن لا انتخابات نزيهة في ظل الحكم العسكري وقانون الطوارئ، وهو ما ستظهره نتائج الانتخابات من فوز لقوى الثورة المضادة، وبما أن تلك القوى غير مستعدة للاستجابة لمطالب العمال وباقي فئات الشعب، فإنني لا استبعد أن تنطلق ثورة ثانية لإسقاط المجلس العسكري».
ويرى عضو آخر في هذه المجموعة أن «الهواجس من المجلس العسكري نشأت منذ أن تجاهل هجوم البلطجية علينا يوم موقعة الجمل»، لافتاً إلى أن «سياسته بعد الثورة أقل ما يقل فيها إنها سرقة مفضوحة لدماء شهدائنا».
ويرى هذا الشاب، الذي يعرّف عن نفسه على أنه ليبرالي مستقل، أن «القناع سقط عن طنطاوي عندما أدلى بشهادته في المحكمة لصالح مبارك، مؤكداً أن المشير كان شريكاً أساسياً للرئيس المخلوع طوال السنوات الماضية، ويتحمل مسؤولية كل ما جرى قبل الثورة وأثناءها».
عقلية عسكرية
يرى محلل سياسي مخضرم، في حديث لـ«السفير»، أن «المجلس العسكري يخوض غمار السياسة وفقاً لعقلية العسكر»، لافتاً إلى أن «المدركات السياسية للعسكر تدور حول مجموعة من العقائد القتالية، وأبرزها التكتيك القائم على تطويق العدو واختراقه وتدميره، ويبدو أن هذا ما يعتمده المجلس العسكري اليوم مع الثورة».
ويضيف أن المسار الذي انتهجه المجلس العسكري في إدارته للمرحلة الانتقالية أتى مغايراً لما كانت تطالب به القوى الثورية، أي وضع دستور جديد ومن ثم إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية. ويرى أن المسار العكسي الذي اعتمد لتمرير المرحلة الانتقالية أدى إلى تعزيز نفوذ الإسلاميين، وخصوصاً «الإخوان المسلمين»، ما جعلهم يستميتون في الدفاع عن المجلس العسكري.
لكن الصورة سرعان ما انقلبت، بعدما أدرك هؤلاء أنهم سيحققون غالبية كبيرة في البرلمان ستجعلهم قادرين على أن يتحكموا بمجريات العملية السياسية والدستورية في الفترة المقبلة، وهذا ما أثار توتراً بين الطرفين، دفع المجلس العسكري إلى اللجوء إلى «لعبة بهلوانية» في محاولة للجم النتائج المتوقعة وتحديد نفوذ الإسلاميين، وهي وثيقة المبادئ الدستورية التي أعدها نائب رئيس مجلس الوزراء لشؤون التحول الديموقراطي علي السلمي.
البحث عن مكاسب
ويسعى المجلس العسكري لتمرير مادة خطيرة في هذه الوثيقة وهي تنص على أن «المجلس الأعلى يختص من دون غيره بالنظر في كل ما يتعلق بالشؤون الخاصة بالقوات المسلحة ومناقشة بنود ميزانيتها على ان يتم إدراجها رقماً واحداً في ميزانية الدولة» وأن «يختص من دون غيره بأي تشريع يتعلق بالقوات المسلحة قبل إصداره».
وفي هذا الإطار، يرى رئيس تحرير جريدة «الشروق» عمرو خفاجة، في مقابلة مع «السفير»، أن «المجلس العسكري سيسلم الحكم لسلطة مدينة في كل الأحوال، لكن هذا الخروج لا بد أن يقترن ببعض الشروط، وهو ما يحاول القيام به من خلال وثيقة السلمي، أي أنه يريد فعلاً أن يبتعد عن المشهد السياسي ولكن بعد تأمين حماية لصلاحياته».
ويشير خفاجة إلى أن «المجلس العسكري لن يستطيع تمرير هذه الوثيقة كما هي»، موضحاً أنه «يرفع من سقف مطالبه حتى يحصل على مكاسب أكثر»، لكنه يوضح ان «القوى السياسية لم تكن موفقة في التفاوض حول هذه الوثيقة، وهو أمر يعني أن الجدل حولها سيستمر طوال الأشهر المقبلة».
ويستبعد خفاجة أن يلجأ المجلس العسكري لتقديم مرشحه للرئاسة، مشيراً إلى أن الحديث عن دعم العسكر لأحمد شفيق، أو غيره، ليس دقيقاً باعتبار أن ثمة قاعدة في الجيش المصري وهي أن «من يخلع الزي العسكري لا يتم التعامل معه كابن للمؤسسة العسكرية». كما يستبعد أي دور للمجلس العسكري في ما تردد عن حملة شعبية لترشيح طنطاوي للرئاسة.
وثمة من يرى أنه لو استبق المجلس العسكري ثورة 25 يناير، وعمد إلى عزل مبارك لكان الأمر مختلفاً اليوم، ذلك أن خطوة كهذه كانت ستكسبه مشروعية سياسية وأخلاقية لدى الشعب المصري. ولكن يبدو أن العسكر قد أحجموا عن ذلك خوفاً من التداعيات المحتملة على المستوى الداخلي والدولي لتلك الخطوة التي تبدو أقرب إلى انقلاب عسكري. أما بعد الثورة فالوضع أصبح مختلفاً، إذ بالرغم من المشروعية الأخلاقية التي يحظى بها الجيش في أوساط المواطنين، بوصفه حامي الاستقرار، إلا أن ثمة قواعد جديدة اليوم، فالشارع يبدو في حال من الغليان، وسقف المطالب مرتفع جداً، وإذا كان المجلس العسكري عاجزاً عن التعامل بحكمة مع المرحلة الانتقالية، فكيف يمكنه التصدي لكل القضايا الحساسة في ما لو تسلم الحكم بشكل نهائي.
ولهذا السبب، فإن ما يعني المجلس العسكري في هذه المرحلة هو الخروج الآمن من المرحلة الانتقالية.
غير أن آخرين يعتقدون أن ثمة خطة بديلة للمجلس العسكري، قد تكون ظهرت بوادرها يوم أمس، عندما تدخلت الشرطة العسكرية وقوات الأمن المركزي لقمع التظاهرات الشبابية الجديدة في ميدان التحرير، والتي أتت بعد يوم من التظاهرة المليونية الرافضة لوثيقة السلمي، وهو ما يعيد الأمور إلى نقطة الصفر، أي إلى مروحة واسعة من الخيارات تتراوح بين سيناريوهين أحدهما وردي، ويتمثل في تمرير المرحلة الانتقالية بهدوء وتسليم السلطة لرئيس مدني في أيار المقبل، والآخر سوداوي، وهو أن يستغل المجلس العسكري ما جرى لنسف المرحلة الانتقالية برمّتها من خلال تعليق الانتخابات حتى إشعار آخر.

“السفير” – 21/11/2011

Instagram @ wmattablog

Instagram has returned invalid data.