اليمن: طريق الحوار وحقول الألغام

لا يزال اليمنيون يكافحون من أجل ان يستعيد وطنهم تسميته: «اليمن السعيد».
بعد ثلاثة أعوام على «ثورة الشباب» ضد حكم علي عبد الله صالح، تواصل القوى السياسية والاجتماعية في البلاد السير بحذر على طريق الحوار المليء بألغام سياسية وامنية واجتماعية واقتصادية زرعت على مدار اكثر من 30 عاماً، فيما يبقى الأمل كبيراً في أن تصل عملية التغيير الى خواتيمها، عبر تثبيت «حل تاريخي»، يفضي إلى عقد اجتماعي جديد، يعبر باليمن نحو مستقبل يتجاوز ارث الماضي وتعقيداته التي تمتد جذورها إلى التاريخ القديم.

بين الوحدة والتقسيم

لعل أقدم ما وصل اليه المؤرخون في تاريخ اليمن قبل الميلاد هو مملكة سبأ، ثم مملكة حضرموت، وبعدها مملكة حمير، التي استمرت حتى القرن السادس الميلادي.
في تلك العصور شهد اليمن أول وحدة سياسية ضمت سبأ وريدان وحضرموت ويمنت والتهائم.
وبدءاً بعدنان وقحطان، وصولاً إلى يومنا هذا، ظلت التوازنات السياسية والاجتماعية في تلك البلاد محكومة بالإرادات القبلية والمناطقية، التي حين تتوافق تكون الوحدة، وحين تتصادم يكون التقسيم.
اليوم تحاول القوى السياسية والاجتماعية اليمنية التوصل الى توافق إرادات يحقق الوحدة، وقد خطت خطواتها الأولى في هذا السياق من خلال «الحوار الوطني»، الذي استغرقت جلساته نحو 300 يوم، وانتهى بمخرجات عدّة، كان ابرزها اعتماد فكرة الدولة الاتحادية، التي يأمل القائمون على الحوار في ان تشكل بداية لبناء الدولة على اسس وحدوية، في حين يحذر آخرون من أن تكون مقدمة إلى تقسيم جديد.
اليوم تشهد مسيرة الحوار الوطني واحدة من اهم محطاتها، فاللجنة الوطنية لصياغة الدستور تواصل اعمالها، على امل الانتهاء من صياغة مخرجات الحوار في نص دستوري سيستفتى اليمنيون عليه في الربع الأول من العام 2015، ليسير قطار العملية السياسية إلى محطات انتخابية تكرّس شرعية جديدة تحل مكان «المبادرة الخليجية».
وإذا كانت القوى السياسية مؤمنة بضرورة المضي قدماً في مسيرة الانتقال الديموقراطي، فإن ثمة عوامل كابحة تجعلها تسير بخطى بطيئة، خوفاً من خروج قطار الحوار عن سكته.
ولعل ابرز تلك العوامل، محاولات العرقلة التي ينتهجها الرئيس السابق، الذي بات محصناً بـ«المبادرة الخليجية»، وتركته الثقيلة على المجتمع اليمني، والمتمثلة في صراعات وتصفية حسابات سياسية ومناطقية، وصولاً إلى تهديد الإرهاب الذي تتشابك فيه مصالح داخلية واقليمية ودولية.
وفي مقابلة مع «السفير»، يقدّم السياسي المخضرم والقيادي الناصري البارز عبد الملك المخلافي قراءته للمشهد السياسي في اليمن، متطرقاً، بصفته احد الشخصيات الفاعلة في مؤتمر الحوار الوطني، إلى عملية الانتقال الديموقراطي التي تشهدها البلاد، والعوائق التي تعترض طريق التغيير.

الشرعية الجديدة

تأتي مسيرة الحوار الوطني في اليمن استكمالاً للمبادرة الخليجية التي انهت الازمة السياسية في البلاد، عقب انطلاق الحراك الشبابي الثوري في العام 2011.
وكان واضحاً منذ بداية طرح هذه المبادرة أنها تشكل حلاً مؤقتاً، خشي المعارضون من ان يمهّد إلى عودة علي عبد الله صالح إلى الحكم، ولذلك فقد كثفوا جهودهم للانطلاق في عملية الحوار واستكمالها، لكي يتحول هذا «الحل المؤقت» الى ما يصفه المخلافي بـ«الحل التاريخي».
ويقول المخلافي إنّ اولويات الرئيس المؤقت عبد ربه منصور هادي تمثلت منذ البداية في إحداث تغيير في العمق من شأنه ان يقود إلى تغيير في التركيبة القائمة عبر انجاح مؤتمر الحوار الوطني.
حتى الآن، يشير المخلافي إلى أن الحوار يشهد تقدماً ملحوظاً، وإن بدا هذا الحراك بطيئاً بالنظر إلى عوامل الكبح المختلفة. ويوضح أن تلك العملية انتقلت الآن إلى مرحلة اقرار الدستور، حيث تعكف الهيئة الوطنية على صياغة مسودته، تمهيداً لطرحها على الاستفتاء الشعبي، على ان تجرى الانتخابات الرئاسية والمحلية بداية، ومن ثم الانتخابات البرلمانية.
وبإقرار الدستور، يضيف المخلافي، ستنتهي المبادرة الخليجية، وستقوم على انقاضها شرعية جديدة ثلاثية، فهناك «شرعية الدستور» التي تنهي الصيغة التوافقية التي استندت إليها المبادرة، و«شرعية الرئيس»، التي ستأتي برئيس يتمتع بكامل الصلاحيات، «الشرعية التمثيلية» التي ستكرّس بداية من خلال الانتخابات القاعدية (المحليات)، وتتوج بالانتخابات البرلمانية، لتكتمل بذلك مسيرة التغيير في نظام الدولة من الأعلى والأسفل.
ويشير المخلافي إلى ان الانتخابات ستفتح الباب امام مرحلة جديدة لها طابع انتقالي أيضاً، ذلك أن الدستور الجديد سيتضمن بعض الاحكام الاستثنائية المرتبطة بدورة انتخابية واحدة او اكثر (حصة الجنوب في البرلمان المقبل، الرقابة على تنفيذ مخرجات الحوار، حدود الأقاليم… الخ).

فدرالية الوحدة أم التقسيم؟

ولعل ابرز ما خرج به مؤتمر الحوار كان إقرار فكرة الدولة الاتحادية، التي ستتشكل من ستة أقاليم فدرالية. وتنقسم الآراء في اليمن وخارجها بشأن تلك الصيغة، إذ يرى فيها البعض حلاً تاريخياً يضمن وحدة اليمن، فيما يخشى آخرون من ان تكون مقدمة لتقسيم البلاد.
ويعد المخلافي من انصار الرأي الأول، إذ يرى ان فكرة الدولة الاتحادية تشكل ضمانة للوحدة لسببين، أولهما أن ممارسات نظام صالح دفعت القضية الجنوبية نحو منعطف خطير، ما ادى إلى بروز دعوات الانفصال، وبالتالي فإن «الحل الفدرالي يقدم حلاً للقضية الجنوبية بما يرضي الجنوب ويحفظ الوحدة»، خصوصاً أن التقسيم المقترح للأقاليم يراعي التداخل بين الشمال والجنوب، فهو قائم على اساس حدود الوحدة وليس حدود اليمنين الشمالي والجنوبي سابقاً.
والسبب الثاني، بحسب المخلافي، هو أن المركزية في اليمن كانت عصبوية وسياسية تحكمت فيها قبائل معينة في منطقة معينة بباقي المناطق اليمنية، وهذا الامر يهدد باستمرار الوحدة، في حين ان الصيغة اللامركزية ستساهم في بناء دولة مواطنة تقوم على مراكز متساوية تسمح بالتوازن وعدم الانفراد بنظام الغلبة.
ويشدد المخلافي على أن تقسيم الأقاليم لم يقم على اسس طائفية أو مذهبية أو سياسية أو تاريخية، بل على أساس الحد الأدنى من الموضوعية الاقتصادية والادارية، لافتاً إلى انه تم اعتماد ستة اقاليم متداخلة بين الشمال والجنوب، علماً بأن هذا التقسيم مؤقت وليس حدوداً دائمة، وسيتضمن الدستور نصوصاً بإعادة النظر فيه إذا اقتضت الضرورة ذلك.
ويلفت المخلافي النظر إلى ان المعترضين على المشروع لا يعارضون الفكرة بحد ذاتها، وانما شكل التقسيم.

معوقات التغيير

برغم وجود نوايا حسنة لدى اطراف الحوار للوصول بسفينة التغيير إلى شاطئ الأمان، إلا ان شيطان التفاصيل وتركة العهد السابق ما زالتا تشكلان عوامل كابحة تؤخر الانتقال الديموقراطي.
ويرجع المخلافي سبب هذا التأخير إلى عاملين، احدهما ما آلت إليه البلاد في عهد علي عبد الله صالح، والثاني مرتبط مباشرة بالمبادرة التي انطلقت منها مسيرة الحوار الوطني.
في الجانب الأول، يشير المخلافي إلى ان عملية التغيير غالباً ما تكون ضمن احد سيناريوهين: الدولة القوية والدولة المفككة.
وحين تنهار السلطة السياسية في ظل دولة قوية فإن عملية الانتقال الديموقراطي تكون سهلة بالنظر إلى وجود ركائز قوية يمكن الاستناد إليها. أما حين تنهار السلطة السياسية في ظل دولة مفككة فتصبح مسيرة الانتقال الديموقراطي مزدوجة إذ تتطلب إعادة توحيد المجتمع وبناء الدولة من جديد في آن معاً، ما يجعل المرحلة الانتقالية تطول، وهو ما يحدث حالياً في اليمن.
وفي الجانب الثاني، يرى المخلافي أن المبادرة الخليجية كانت اقرب الى صفقة سياسية اقتصرت على فكرة المشاركة بين الحزب الحاكم والمعارضة في حكومة وحدة، ومنحت الحصانة للرئيس السابق، وجعلت نائب الرئيس رئيساً توافقياً مؤقتاً بصلاحيات محدودة، تمهيداً لإجراء انتخابات رئاسية جديدة خلال فترة 60 يوماً.
ويبدي المخلافي اعتقاده بأن النسخة الأولى من المبادرة الخليجية كانت ستعيد صالح إلى الحكم، لكن تطورات الاحداث فرضت وضع آلية تنفيذية لهذه المبادرة، وجعلتها اوسع واكثر تفصيلاً، ما جعل التسوية تتحول من تسوية سياسية إلى تسوية تاريخية يتم العمل على انجازها الآن.

«اوهام» صالح

«لم يبق من المبادرة عملياً سوى اسوأ ما فيها، وهو الحصانة لعلي عبد الله صالح وطريقة تشكيل الحكومة بشكل تقاسمي»، يقول المخلافي، الذي يرى ان هذا الامر يشكل عامل كبح لمسيرة التغيير.
ويوضح ان منح الحصانة لصالح أعطى الرئيس السابق هامش مناورة كبيرا للتشويش على الحوار الوطني والعمل على اجهاضه، خصوصاً انه ما زال يتمتع بنفوذ كبير في مراكز القوى في الدولة اليمنية وداخل «حزب المؤتمر الشعبي»، ناهيك عن الأموال الضخمة التي في خزائنه.
والعـسـكـري بـلـيــدٌ بــــالأذى فــطــنٌ /كـــــأن إبـلــيــسَ لـلـطـغـيـانِ ربــــــاهُ.
يستشهد المخلافي بهذا البيت من قصيدة للشاعر اليمني محمود الزبيري لوصف «النهج التخريبي» الذي ينتهجه صالح.
وفي هذا الإطار يتحدث المخلافي عن «محاولة الانقلاب» التي شهدها اليمن خلال الشهر الماضي، في إطار ما عرف بـ«موقعة ذات التوائر» (الإطارات)، حين «استغل صالح معاناة الناس على خلفية ازمة المشتقات النفطية، وحرّك انصاره لضرب شبكات الكهرباء وانابيب النفط، وقطع الطرقات بالإطارات المشتعلة، وتحريك بعض العسكريين الموالين له».
ويضيف أن الرئيس السابق «ما زال واهماً بأنه يستطيع العودة إلى الحكم، سواء بشخصه، أو من خلال ابنه»، لكنه يشدد على ان «اقصى ما يستطيع القيام به هو إحداث الفوضى، في حين ان الانقلاب مسألة صعبة».
وفي موازاة العمل في الشارع، يرى المخلافي أن صالح ما زال قادراً على التشويش واحداث الفوضى من خلال البرلمان الحالي، الذي ما زال «المؤتمر الشعبي» يمتلك غالبية مقاعده.
ويوضح المخلافي أن البرلمان ظل قائماً بموجب المبادرة الخليجية، التي قيّدت صلاحياته، بأن جعلت قراراته موضع توافق بين «المؤتمر الشعبي» واحزاب المعارضة الممثلة فيه ـ وإن حصل خلاف فإن الأمر يعرض على رئيس الجمهورية للبت فيه – وبالرغم من ان تلك الآلية شكلت ضمانة دستورية لعدم التفرّد في اتخاذ القرار من قبل «المؤتمر الشعبي»، إلا انها في المقابل منحت حزب صالح القدرة على تعطيل الحياة البرلمانية.

القضية الجنوبية

تعتبر القضية الجنوبية أحد أهم مفاصل الأزمات السياسية التي شهدها اليمن منذ استقلاله. وبرغم تحقيق الوحدة في العام 1990، إلا ان سياسات الرئيس علي عبد الله صالح، اسهمت في اضافة تعقيدات إضافية على هذه القضية، التي افرزت حرباً أهلية حسمها الرئيس السابق سريعاً ضد نائبه الجنوبي علي سالم البيض في العام 1994، فيما ساهمت تراكمات سنوات ما بعد الوحدة في بروز دعوات إلى الانفصال.
ويرى المخلافي إن «الحل التاريخي» الذي افرزه الحوار الوطني بدأ يؤتي ثماره، مشيراً إلى ان دعوات الانفصال في الجنوب بدأت تهدأ، والكثير من قيادات «الحراك الجنوبي» انخرطوا في الحوار الوطني.
وإلى جانب دعوات الانفصال تلك، فإن جنوب اليمن يعاني من تهديدات أخرى، قد يكون اخطرها بروز تنظيم «القاعدة» كلاعب بارز على مسرح الأحداث.
وفي هذا الإطار، يشير المخلافي إلى ان خطر «القاعدة» مسألة سياسية بقدر ما هو مسألة أمنية. ويوضح أن ثمة عوامل ثلاثة تحكم موضوع «القاعدة»، فالتنظيم بات جزءاً من لعبة علي عبد الله صالح سواء في الداخل او الخارج، كما ان هذا التنظيم «حاجة اميركية على غرار ما هي الحال في افغانستان»، وكذلك فإن تسميته «القاعدة في شبه جزيرة العرب» يؤكد ان ثمة دوراً سعودياً في تعزيزه، فالمملكة الجارة «تصدر القاعدة الى اليمن لدرء الخطر عن أراضيها»، علماً بأن الكثير من قياديي هذا التنظيم ومقاتليه هم من جنسيات سعودية.

الحوثيون

وإذا كانت الفدرالية حلاً للقضية الجنوبية، فإن تلك الصيغة المعتمدة لم ترض الحوثيين، الذين تحولوا الى رقم صعب في المعادلة اليمنية بعدما نجحوا في اثبات وجودهم السياسي والعسكري من خلال ست حروب خاضوها ضد نظام صالح.
ويشير المخلافي، في هذا الإطار، إلى ان الحوثيين يريدون ان يمتد الاقليم الذي يمتلكون تواجداً كثيفاً فيه إلى محافظة حجة، بالنظر إلى اعتبارات مذهبية، وربما إلى محافظة الجوف حيث حقول النفط والغاز، كما يطالبون بمنفذ على البحر الأحمر. ويرى ان عدم اعتراض الحوثيين على الفكرة بحد ذاتها قد يكون مؤشراً الى احتمال قبولهم بتسوية، خصوصاً أن الوفود التي قابلت السيد عبد الملك الحوثي أكدت له ان التقسيم الحالي قابل للتعديل إذا اقتضت الضرورة ذلك في المستقبل.
وفي معرض تفسيره للاشتباكات التي تشهدها اليمن بين الحوثيين والقوات المسلحة، يرى المخلافي أن الامر مرتبط باندفاعة نمو لدى الحوثيين، تجعلهم يميلون إلى تجريب خيارات معينة قبل الانخراط في مسيرة الحوار، أو ربما تكون محاولة لتعزيز المكاسب ضمن عملية الحوار، كما يشير في الوقت ذاته إلى ان المسألة مرتبطة بتصفية حسابات تركة صالح.
وفي هذا الإطار، يبدي المخلافي ثقته في أن الحوار سيسهم في حل القضية الحوثية، خصوصاً أنه يعتمد مقاربة تختلف عن الاتفاقات التي انهت الحروب السابقة، والتي اقتصرت على نقطة واحدة وهي وقف النار وفتح الطرق، في حين ان المقاربة الحالية تشمل نقاطاً جوهرية، كالبحث في اسباب النزول من الجبال، ومصير الذين قاتلوا، وفي الحلول الكفيلة بحل جذور المشكلة.
هكذا يبدو طريق التغيير في اليمن مليئا بحقول الالغام، وفي ظل تلك التعقيدات المتعددة يبقى السؤال من يحمي تلك المسيرة؟ يجيب المخلافي بكل بساطة: «هو التوافق».

وسام متى
“السفير” – 08/07/2014

Instagram @ wmattablog

Instagram has returned invalid data.