اوباما متباهياً بـ«حال الاتحاد» الأخير: نحن الأقوى!

«الأنا العليا»، بالمفهوم الفرويْدي، حضرت بقوّة في خطاب «حال الاتحاد»، الذي ألقاه الرئيس الأميركي باراك اوباما فجر أمس، وهو الأخير قبل أن يسلّم مفاتيح البيت الأبيض لرئيس ديموقراطي أو جمهوري.
الرئيس الرابع والأربعون للولايات المتحدة لم يشذ عن الخطاب الامبراطوري لأسلافه، حين استخدم عبارات من قبيل «الولايات المتحدة هي الدولة الأقوى على سطح الأرض»، و «الكل خلْفنا في الإنفاق العسكري»، و «لا أحد يجرؤ على مهاجمتنا»… و «الأمر يعود إلينا في وضع النظام العالمي الجديد».
كثيرة هي الملاحظات التي يمكن قراءتها في الخطاب، وبين سطوره، للتدليل على التناقض الكبير بين الحديث عن «القوة» الأميركية التي تحدث عنها سيّد البيت الابيض، ومكامن الضعف في «القيم الأميركية» نفسها، والتي خصص لها حيّزاً كبيراً، بدءاً بحديثه عن الخطاب العنصري المستشري على المستويين الديني والعرقي، والذي من شأنه أن يهدد تماسك «الأمة الأميركية»، وصولاً الى اعترافه بالخلل الكبير في «الديموقراطية الأميركية»، التي من شأنها أن «تنهار حين يشعر الشخص العادي بأن صوته لا يهم، وأن النظام مصمم لمصلحة الأغنى أو الأقوى أو لبعض المصالح الضيقة».
لكن الملاحظة الأهم أن خطاب أمس، الذي كان جردة حساب لولايتين رئاسيتين، ركز خاصة على الوضع الداخلي على حساب السياسات الخارجية، خلافاً لخطابات «حال الاتحاد» السبعة السابقة، لا بل إن الحديث عن الخارج أتى في سياق داخلي، بدا الهدف منه شد العصب الوطني للأميركيين، عبر تأكيد التفوّق العالمي، وتوظيف ذلك، وإن بطريقة غير مباشرة، لمصلحة الديموقراطيين، مع بدء العد التنازلي للسباق الرئاسي.
وبدا واضحاً في الخطاب، أن أوباما قد سعى، قبل أي شيء آخر، الى تمرير رسائل لخصومه في الداخل، أكثر منه الى الخارج، ولعلّ التحذير من أن البعض يخدم دعاية «داعش» عبر استحضار فكرة «الحرب العالمية الثالثة»، وتصوير التنظيم الإرهابي على أنه «ممثل لأكبر الديانات في العالم»، قد أتى في سياق التصدّي للمواقف المثيرة للجدل التي أطلقها المرشّح الجمهوري للرئاسة الأميركية دونالد ترامب، الذي تلقى صليات من الرسائل «الأخلاقية»، كانت أبرزها إصرار الرئيس الاميركي على حضور اللاجئ السوري رفاعي حمو، لكي يكون شاهداً على عبارات من قبيل «حين يهين السياسيون المسلمين.. فهذا لا يجعلنا أكثر أمناً».
وعلى هذا الأساس الانتخابي، فإنّ عناوين داخلية مثل الاقتصاد والصحة والمناخ احتلت الحيّز الأكبر من خطاب أوباما، على نقيض العناوين الخارجية مثل سوريا والعراق وأفغانستان، فيما كان الحيّز الأهم للأمن من دون منازع.
وعلى سبيل المقارنة، فإن العبارات المرتبطة بالجانب الأمني استخدمت 23 مرّة في الخطاب الرئاسي، حيث وردت كلمة «الأمن» عشر مرّات، و «داعش» 9 مرّات، و «القاعدة» ثلاث مرّات، فيما وردت كلمة «الصحة» خمس مرّات، و «مناخ» أربع مرّات.
أمّا في السياسة الخارجية، فإنّ تعبير «الشرق الاوسط» ورد مرّتين فقط في خطاب أوباما، فيما وردت كلمة سوريا ثلاث مرّات (بينها مرّتان في معرض الحديث عن «داعش»)، وكذلك الحال بالنسبة الى العراق (ثلاث مرّات)، وروسيا/موسكو (ثلاث مرّات)، وإيران (مرّتين)، والصين/بكين (مرّة واحدة)، فيما خلا الخطاب من أي حديث عن اسرائيل وفلسطين والسعودية… و «حزب الله».

عناوين داخلية
مثل الاقتصاد والصحة والمناخ
احتلت الحيّز الأكبر من خطاب أوباما

أمّا على سبيل المقارنة الزمنية، فإنّ الخطاب الرئاسي الذي استغرق 59 دقيقة ـ برغم تعهد أوباما للحاضرين بأنه سيكون مختصراً ـ توزّع بين عشر دقائق كمقدّمة، أشار فيها الى أنه «في ظل الموسم انتخابي، فإن التوقعات بالنسبة لما سنحققه تبدو ضئيلة»، داعياً المشرّعين الى التركيز على القضايا غير الحزبية «لكي نفاجئ الآخرين مرّة اخرى»، و20 دقيقة للحديث عن الاقتصاد تحت عنواني «كيف نعطي كل شخص في هذا الاقتصاد الجديد فرصة وأماناً»، و «كيف يمكن أن نجعل التكنولوجيا تعمل لمصلحتنا لا ضدنا»، ومن ثم 15 دقيقة للتطرق الى التحديات الأمنية تحت عنوان «كيف نجعل أميركا آمنة وتقود العالم، من دون أن تصبح شرطي العالم»، و15 دقيقة أخيرة للحديث عن التحديات العامة، تحت عنوان «كيف يمكن أن نجعل سياساتنا تعكس الأفضل لا الأسوأ فينا».
وفي ما يتعلق بالدور الأميركي في «قيادة العالم»، قال أوباما إن «الولايات المتحدة هي أقوى دولة على سطح الأرض، ولا يوجد ثان قريب منها».
وأضاف «نحن ننفق على جيشنا أكثر من الدول الثماني التي تعقبنا، وقواتنا أفضل قوات محاربة في تاريخ العالم. ولم تجرؤ دولة اخرى على مهاجمتنا مباشرة، أو هاجمت حلفاءنا، لأنها تدرك أن هذا مسار للدمار»، مشيراً الى أن «استطلاعات الرأي تظهر أن مكانتنا في العالم أقوى من أي وقت مضى، فالناس لا يتطلعون الى بكين أو موسكو لقيادتهم، بل يتطلعون الينا».
وتابع «كشخص يبدأ يومه بإيجاز استخباراتي، أعرف أن هذه أوقات خطرة، ولكن ذلك لا يعود الى أن قوة أميركا تتضاءل أو لأن هناك جهة اخرى أكثر قوّة».
وأشار أوباما الى أن «الشرق الأوسط يشهد مرحلة تحوّلات، وهذا الامر سيمتد لأجيال، وستكون هناك نزاعات».
وفي معرض حديثه عن المتغيرات الدولية، قال أوباما: «هناك انتقال اقتصادي كبير للصين. وبرغم الانكماش الاقتصادي، نجد أن روسيا تصب مواردها في أوكرانيا وسوريا»، لافتاً الى أن «النظام الدولي يحاول التماشي مع هذه الحقيقة الجديدة، ولكن الأمر يعود إلينا في صناعة هذا النظام، وللقيام بذلك جيداً، علينا أن نحدّد الأولويات».
وفي هذا الإطار، قال أوباما إن «الأولوية الأولى تتمثل في حماية الشعب الأميركي وملاحقة الشبكات الإرهابية». وأشار الى ان تنظيمي «القاعدة» و «داعش» يشكلان «تهديداً مباشراً لشعبنا»، موضحاً أنه «في العالم اليوم، يمكن لحفنة من الإرهابيين، ممن لا يقدّرون الحياة البشرية، بما في ذلك حياتهم، أن يلحقوا أضراراً كبيرة. وهؤلاء يستخدمون الانترنت لتسميم عقول الأفراد داخل بلادنا، وهذا يقوّض حلفاءنا، وبالتالي فإنّ علينا أن تجتثّهم».
وبرغم ذلك، حذر أوباما من أن الحديث عن «حرب عالمية ثالثة يخدم دعاية» الإرهابيين، لافتاً الى أن «هؤلاء يشكلون خطراً كبيراً على المدنيين… ولكنهم لا يشكلون خطراً على وجودنا القومي».
وفي رسائل واضحة الى معارضي «استراتيجيته» لمواجهة الإرهاب، قال أوباما «لا نريد أن نعزز مزاعمهم (الإرهابيين)، لكي نظهر أننا جدّيون في محاربتهم، ولا نريد أن نُبعد الحلفاء عنّا بالقول إنّ داعش يمثل واحدة من أكبر الديانات في العالم».
وأضاف «لأكثر من عام قادت أميركا تحالفاً من أكثر من 60 دولة لقطع التمويل عن «داعش»، وإحباط مخططاته، ووقف تدفق المقاتلين، والقضاء على ايديولوجيته الشريرة. وبفضل عشرة آلاف طلعة جوية، استهدفْنا معسكرات الإرهابيين، وقياداتهم، وعناصرهم، وهناك استعادة للأراضي تدريجياً في العراق وسوريا، وإذا كان الكونغرس جدّياً، فعليه أن يسمح باستخدام القوة العسكرية ضد داعش».
وتوجه أوباما الى المشرّعين قائلاً «صوّتوا على ذلك»، مشدداً في المقابل على أنه «يجب على الشعب الأميركي أن يعرف أنه بعمل كونغرسي أو من دونه، فإن (داعش) تعلّم الدرس».
وشدد أوباما على أنه «حتى من دون داعش والقاعدة، فإن عدم الاستقرار سيستمر لعقود طويلة في أجزاء كثيرة من العالم – الشرق الاوسط، وأفغانستان، وأجزاء من باكستان وأميركا الوسطى وافريقيا وآسيا – وبعض هذه الأماكن ربما يصبح ملاذاً آمناً لشبكات إرهابية جديدة، وثمة أماكن اخرى ستقع ضحية النزاعات الاثنية والمجاعة، ما يغذي الموجة التالية من اللاجئين، والعالم سيتطلع الينا لحل هذه المشاكل، وإجابتنا يجب أن تتجاوز الحديث عن عمليات قصف… فعلاوة على أن ذلك لن يكون مقبولاً على المستوى الدولي، فإننا لن نستطيع السيطرة على كل بلد يقع تحت الأزمة ونعيد بناءه، حتى لو توافرت النيات الصادقة. ما هكذا تكون القيادة. سفك الدماء الأميركية وتبذير الأموال الأميركية سيؤديان الى إضعافنا في النهاية… هذه هي دروس فيتنام والعراق».
وأضاف «لحسن الحظ، هناك مقاربة أكثر ذكاءً، واستراتيجية صبورة ومنضبطة تستخدم كل عنصر من عناصر قوتنا الوطنية».
وأوضح «أميركا ستتصرف منفردة أحياناً، اذا اضطرت لحماية شبعها وحلفائها، ولكن في القضايا ذات الاهتمام الدولي، سنعمل على حشد العالم للعمل معنا».
وإذ دافع أوباما عن خياراته إزاء كوبا وايران، دعا الكونغرس الأميركي الى الموافقة على خيارات أخرى، أبرزها اتفاق التجارة الحرة في منطقة المحيط الهادئ.
وفي رسالة أخرى، ووسط تصفيق حاد من الحضور، قال أوباما «إنّ العالم يحترمنا ليس نتيجة ترسانتنا العسكرية، بل لتنوعنا وانفتاحنا واحترامنا لكل ديانة. عندما يهين السياسيون المسلمين، وعندما يتم التعدي عن أحد المساجد أو ينعت بأقذر النعوت، فهذا لن يجعلنا أكثر أماناً، وانما يقلل من شأننا في عيون العالم، ويجعل من الصعب علينا أن نحقق أهدافنا، وبذلك نخون أنفسنا كدولة وأمّة»، لافتاً الى أن «هذه ليست مسألة استقامة سياسية بل مسألة فهم لعوامل القوة والضعف».
وبدا واضحاً أن استخدام أوباما عبارة «الاستقامة السياسية»، كان بمثابة تصويب مباشر على دونالد ترامب الذي سبق أن أعرب صراحة عن رفضه لهذا المصطلح، متهماً السياسيين الآخرين بالكذب والمراوغة.
«أوباما يبيع التفاؤل لأمة تشعر بالقلق»، هكذا عنونت شبكة «سي أن أن» تقريرها عن الخطاب الرئاسي، وهذه هي بالفعل «حال الاتحاد» الأميركي بعد ثماني سنوات على وصول صاحب شعار «نعم نستطيع» الى البيت الأبيض.
الجمهوريون لم ينتظروا طويلاً حتى بدأوا في الرد على خطاب «حال الاتحاد»، ومنهم من قال إن الرئيس ألقى خطاب «حالة الإنكار لا حالة اتحاد»، على حد تعبير السيناتور تيد كروز، ومنهم من فسّر ما ورد على لسان أوباما باعتباره إقراراً بأن الولايات المتحدة «باتت أقل أمناً في عهده»، كما قال السيناتور جيب بوش، ومنهم من اكتفى بالقول ببساطة انه كان «مملاً وبطيئاً ويدعو الى النوم»، كما كتب دونالد ترامب في تغريدة.
خلال 48 ساعة سيواجه الأميركيون وجهات نظر متباينة بشأن خطاب أوباما، بحسب صحيفة «نيويورك تايمز»، أما وجهة النظر التي ستبدو أكثر مصداقية فستحدد من الذي سيخلفه بعد أشهر.

وسام متى
“السفير” – 14/1/2016

Instagram @ wmattablog

  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image