باريس 1968 ـ القاهرة 2011

كثيرة هي التشبيهات التي اعتمدت لتوصيف «ثورة 25 يناير». البعض رأى فيها نسخة مصرية من «كومونة باريس»، تلك الانتفاضة الشعبية التي هزت فرنسا بين العامين 1870 و1871، فيما شبهها كثرٌ بانهيار جدار برلين، وما تلاه من سقوط دراماتيكي للأنظمة في أوروبا الشرقية منذ العام 1989، في حين ذهب آخرون إلى حد إسقاط «ثوراتهم» المحلية عليها، ومن بين هؤلاء، أنصار «ثورة الأرز» في لبنان، ممن دفعتهم مغالاتهم القومية إلى الادعاء أنهم هم من «صدّر الثورة» للعرب، تماماً كما صدّر الفينيقيون من قَبلِهم الحرف للعالم!
وبرغم أن المقارنة قد لا تبدو خياراً صائباً عندما يتعلق الأمر بالثورات، ذلك أنه من غير الممكن استنساخ التجارب الثورية بسبب الخصوصية السياسية والاقتصادية والاجتماعية لكل منها، إلا أنّ ثمة حاجة في كل ثورة لاستخلاص العبر من التجارب السابقة، ما يسمح باستنباط بعض المبادئ الأوليّة التي يمكن للثوار أن يسترشدوا بها في معركتهم المستمرّة لانتزاع الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.
وفي هذا الإطار، فإن مقارنة «ثورة 25 يناير» بما عداها من ثورات تبدو في مكان آخر، إذ ثمة أوجه شبه مثيرة للانتباه بين ما شهدته القاهرة خلال الأشهر الستة الماضية، وبين الثورة الطلابية التي هزّت باريس في أيار من العام 1968، سواء في ما يتعلق بالقوى التي أطلقت هذين الحدثين التاريخيين، أو في امتداداتهما الإقليمية، والتغيير الذي أحدثتاه في المفاهيم السائدة، أو حتى في طبيعة القوى التي تسعى للانقضاض عليهما.
وعلى غرار «ثورة 25 يناير»، انطلقت الثورة الطلابية الباريسية من مطالب ارتبطت بدايةً بقضية الحريات العامة، رداً على إمعان الرئيس شارل ديغول في التضييق على المثقفين والسياسيين والمثقفين والناشطين في الأوساط الشبابية والطلابية، لكنها سرعان ما اتخذت أبعاداً سياسية واقتصادية واجتماعية، بعدما فوّت الجنرال المتعجرف فرصة إيجاد حل سياسي للوضع المضطرب مدفوعاًً بنظرية «إما أنا… وإما الفوضى»، وهو السيناريو ذاته الذي كرره حسني مبارك بعد 43 عاماً.
كذلك، تميّزت الثورة الباريسية بعفويتها الخالصة، إذ لم يكن وراءها أي تنظيم سياسي، ولم تحركها أية أيديولوجيا معلّبة، لكنها اتسمت برغم ذلك بجرأة عالية، وهو ما عكسته الشعارات التي رفعت خلالها وأبرزها «منع الممنوع»، و«لا تعطني حرّيتي سأتولى الأمر بنفسي» و«نريد كل شيء… والآن» – حتى إنها نجحت في إسقاط رأس النظام، بعدما فرضت على ديغول أن يلجأ إلى حيلة الاستفتاء الشعبي الذي انتهى بإخراجه من السلطة بعدما حكم فرنسا لنحو عشرة أعوام.
ومن بين أبرز القواسم المشتركة بين الثورتين الفرنسية والمصرية، الموقف الذي اتخذته قوى المعارضة التقليدية منهما. فالحزب الشيوعي الفرنسي، على سبيل المثال، والذي كان أبرز قوى المعارضة الفرنسية يومها (بدليل حصوله على 22 في المئة في انتخابات الرئاسة عام 1969) فشل في التقاط «اللحظة الثورية» التي كانت ستسمح له بانتزاع السلطة، وإحداث التغيير الشامل في البنية السياسية والاقتصادية للنظام الديغولي، وهو أمر انطبق كذلك على النقابات العمالية، وحتى الشباب، الذين كبحتهم «اليوتوبيا الثورية» عن المضي في معركة التغيير السياسي الشامل.
ولعل النقطة الأخيرة تعد اليوم الشغل الشاغل لكل الحريصين على انتصار «ثورة 25 يناير»، فالسقوط المدوّي لحسني مبارك في شباط الماضي، فتح الباب على صراع مشابه لذاك الذي شهدته فرنسا بعد استقالة ديغول، ونعني به التناقض الحاد بين «النزعة الإصلاحية»، التي تكتفي بتحسين الواقع، و«الشـرعية الثورية»، التي تسعى للتغيير الشامل.
وإذا كان أنصار التيار الإصلاحي قد قطفوا ثمار الثورة الباريسية عام 1968، ما سمح للرئيس الحالي نيكولا ساركوزي بأن يقول جهاراً بعد 40 عاماً إن هدفه هو التخلص من إرث هذه الثورة «مرّة واحدة وإلى الأبد»، فإن احتمال تكرار هذا السيناريو في مصر يشكل مصدر قلق لكل حريص على نجاح ثورة شعبها. وربما لهذا السبب، يجد المرء نفسه منحازاً إلى ما يرفعه شباب الثورة المصرية اليوم من مطالب تدور كلها حول عبارة واحدة لا اجتهاد فيها: «الشعب يريد إسقاط النظام».
ولكن ما يبعث على التفاؤل، أن الثورة المصرية قد أنتجت مستويين من التغيير: الأول أفقي، يترجم اليوم في حماسة غالبية المصريين لاستكمال المسيرة التي بدأت يوم 25 يناير. والثاني عمودي، يتبدى في تلك النخب الشبابية الثورية التي يفرزها الشارع، والتي يبقى عليها أن تنظم صفوفها وتستثمر طاقاتها بأفضل ما يمكن حتى تتمكن من صنع مستقبل مشرق لمصر.
يقول المفكر اللبناني مهدي عامل إن الحلم شرط من شروط الثورة، ولهذا فإن من حقّنا، نحن المؤمنين بضرورة أن تبقى مصر شعلة التغيير في العالم العربي، أن نحلم لثورتها بأن تتجاوز ثورة الطلاب الباريسيين عام 1968، لتصل في آفاقها إلى ثورة فرنسية أخرى غيّرت وجه العالم سنة 1789.

“السفير” – 25/01/2012 

Instagram @ wmattablog

Instagram has returned invalid data.