بانوراما المشهد الانتخابي في محافظات مصر: خطاب ديني.. مال سياسي.. وعصبيات محلية

«لكي تكوّن تصوّراً واضحاً لما ستكون عليه نتائج الانتخابات، لا يكفي أن تجلس في مقاهي وسط البلد، أو أن تستمع إلى المحللين السياسيين الذين يحتلون اليوم كل وسائل الإعلام، فالمشهد لا يكتمل إلا من خلال رصد العلاقات الانتخابية المعقدة في المحافظات». تلك نصيحة يوجهها إليك ناشط شاب يأخذ على الفصيل الذي ينتمي إليه تركيز نشاطه على هموم الناس في العاصمة، وإهماله باقي المحافظات المصرية، الممتدة على مساحة مليون كيلومتر مربّع.
لعل محدثنا يبدو على حق، فلكل من المحافظات المصرية السبع والعشرين خصوصية محلية تجعل قواعد اللعبة الانتخابية مختلفة، سواء بين الوجه القبلي والوجه البحري، أو بين المدن والأرياف… الخ.
أما رصد تلك القواعد في هذه المحافظة أو تلك، فتكاد تكون عملية مستحيلة في فترة زمنية لا تتعدى بضعة أيام، لذلك فإنّ اختيار عينات عشوائية من هنا وهناك قد يكون عنصراً مفيداً لمحاولة فهم العلاقات المعقدة التي ستتحكم بأول انتخابات برلمانية بعد ثورة 25 يناير، والتي يمكن اختصارها بكلمات ثلاث: الدين والمال والعصبية.
ثمة من يقول أن المعارك الانتخابية الحقيقية في كثير من المحافظات لم تبدأ بعد، فالجميع في انتظار ما ستؤول إليه العملية الانتخابية في المحافظات المشمولة بالمرحلة الأولى التي تبدأ معها الانتخابات في الثامن والعشرين من تشرين الثاني الحالي (القاهرة، والفيوم وبور سعيد، ودمياط والإسكندرية، وكفر الشيخ، وأسيوط، والأقصر، والبحر الأحمر)، ولذلك فإن كثراً يرون أن ما هو ثابت اليوم قد يكون متحولاً غداً، وخصوصاً أن طبيعة البيئة السياسية التي تجري فيها الانتخابات المصرية تبدو أقرب إلى رمال انتخابية متحركة.
الإسكندرية
ومع اقتراب موعد الاستحقاق الانتخابي في الاسكندرية، تبدو الحملات الانتخابية على أشدها في تلك المحافظة حيث يتصدر الإسلاميون المشهد الانتخابي هناك.
وينظر المصريون إلى محافظة الإسكندرية بوصفها أحد المعاقل الأساسية لقوى الإسلام السياسي، وخصوصاً «الإخوان المسلمين» والتيار السلفي، ولذلك فإن أبناء هذه المحافظة يتوقعون أشرس المعارك الانتخابية بين هذين الفصيلين الإسلاميين مقارنة بباقي المحافظات المصرية.
ويشير القيادي الشيوعي الإسكندراني هاني عمار لـ«السفير» إلى أن ثمة 30 قائمة انتخابية تخوض الانتخابات في الإسكندرية، لكن معظم هذه القوى لم تظهر على الأرض، باستثناء «حزب الحرية والعدالة» الإخواني، و«حزب النور» السلفي، لافتاً إلى أن هذين الحزبين دخلا منذ البداية في معركة انتخابية طاحنة ضد بعضهما البعض.
يتوقع عمار أن يحقق التيار الإسلامي فوزاً كاسحاً في الإسكندرية، بالرغم من أن شعبيته في الشارع لا تتعدى الـ25 في المئة. ويعزو عمار سبب ذلك إلى غياب البديل المدني لدى أهالي الإسكندرية، بالنظر إلى الغياب التام لباقي القوى السياسية، وهو ما يضعهم أمام خيارين: البقاء في منازلهم يوم الانتخابات، أو التوجه إلى صناديق الاقتراع، تجنباً لغرامة عدم المشاركة (500 جنيه) ولكن مع التصويت للإسلاميين، بالنظر إلى غياب البديل.
ويحمّل عمّار المجلس العسكري مسؤولية هذا الخلل، وذلك بإصراره على الإسراع في إجراء الانتخابات، واضعاً ذلك في إطار خطة أميركية لاحتواء الثورة، وذلك للحفاظ على مصالح القوى الرأسمالية في مصر.
بدوره يؤكد الناشط في حزب الوفد وائل طوى، وهو من أبناء الاسكندرية، في اتصال مع «السفير»، إن ثمة منافسة قوية بين الإخوان والسلفيين في هذه المحافظة، لكنه يشير إلى أن الغلبة قد تكون لـ«الإخوان»، لأسباب عديدة، أولها أنهم يقدمون أنفسهم كـ«تيار معتدل» مقارنة بالسلفيين، وهو ما سيشجع الكثيرين على انتخابهم، لقطع الطريق أمام المرشحين الإسلاميين المتشددين، وفي ظل غياب باقي القوى المدنية عن الساحة الانتخابية.
ويتوقع طوى أن يحقق الإسلاميون (إخوان وسلفيون) في الاسكندرية نتائج ساحقة تصل إلى ما بين 70 و80 في المئة من المقاعد المخصصة لهذه المحافظة، مع احتمال حدوث اختراقات بالنسبة لبعض المرشحين اليساريين والليبراليين الأقوياء.
أما الأعضاء السابقون في الحزب الوطني المنحل، فهم حاضرون في تلك المحافظة، سواء بشكل مستقل أو على لوائح «حزب الوفد»، وإن كانت ثمة قناعة لدى أهالي الاسكندرية بأنه بات من الصعب إعادة إنتاج هذا الحزب الوطني الذي حكم مصر لأكثر من 30 عاماً.
الوجه البحري
في الوجه البحري، أي المنطقة التي تضم المحافظات الشمالية الواقعة في منطقة الدلتا، تبدو الأجواء أكثر توتراً مقارنة بمناطق أخرى في مصر. الجميع في حالة من الترقب والقلق، بعد سلسلة أحداث أمنية وقعت مؤخراً، ويرى فيها كثر نذيراً لأعمال عنف قد ترافق عمليات التصويت، في حين يسلم كثيرون بأن المعركة الانتخابية في العديد من محافظات تلك المنطقة تبدو محسومة لصالح الإسلاميين والفلول.
وفي مدينة الزقازيق، في محافظة الشرقية، يقول معتز صبري، وهو ناشط سياسي يساري، لـ«السفير» إنه «بحكم تجربتي في انتخابات العامين 2005 و2010، فإن الإخوان والسلفيين سيتصدرون المشهد السياسي في الريف، أكثر منه في المدينة»، لكنه يشير إلى أن النتيجة التي سيحققها الإسلاميون تبدو في علاقة عكسية مع نسب إقبال المواطنين على التصويت، موضحاً أنه «بقدر ما تزداد نسبة التصويت بقدر ما ستتضاءل عدد المقاعد التي سيحصل عليها مرشحو التيار الإسلامي».
ولهذا السبب، يبدي صبري تخوفاً من احتمال أن يلجأ الإسلاميون إلى تعطيل الانتخابات، مشيراً إلى أن ثمة معلومات بأنهم سيحشدون أنصارهم بعد صلاة الفجر يوم الانتخابات لكي يحتلوا مقدمة الطوابير أمام صناديق الاقتراع، وهو ما سيؤدي إلى إبطاء العملية الانتخابية، ودفع الناخبين العاديين للعودة إلى منازلهم تجنباً لساعات الانتظار الطويلة.
ويرى صبري أن التيار الإسلامي قد يستفيد من الغياب التام للقوى اليسارية والليبرالية عن المشهد الانتخابي في المحافظة، مشيراً إلى ان ثمة حضورا لافتا لفلول الحزب الوطني في الشرقية، وهم مرشحون إما منفردون وإما ضمن قوائم الأحزاب الأخرى.
بدوره، يشير حمدي حسين، وهو من محافظة الغربية، الى أن «هناك حالة من الترقب لدى معظم سكان هذه المحافظة، وذلك بالنظر إلى أجواء العنف التي بدأت تسلك منحى خطيراً، وهو ما تبدّى في الاشتباكات التي شهدتها إحدى القرى في هذه المحافظة، والتي استخدمت فيها بنادق رشاشة متطورة كتلك التي تمتلكها وزارة الداخلية.
وإلى جانب هذا القلق، يتحدث حسين عن «شعور بالدهشة لدى كثيرين من سكان الغربية، بعدما أصبح الكثير من المرشحين، ممن كانوا عملاء للنظام السابق، يتبنون اليوم شعارات الثورة لتسويق أنفسهم بين الناخبين».
ولا يستبعد حسين، كغيره من أبناء الشرقية، أن يلجأ هذا الطرف أو ذاك لـ«إرهاب» المواطنين من خلال البلطجية الذين ينتظرون بحماسة مع يدفع لهم أكثر.
ويضيف أن التجاوزات بدأت تظهر مع اقتراب موعد الانتخابات، مشيراً في هذا الإطار إلى الرشى الانتخابية التي توزع للناخبين على شكل مساعدات إنسانية تحمل شعار «الإخوان المسلمين».
ويرى حسين أن الخطير في التحالفات الانتخابية أن الإخوان يرشح اليوم على قوائمه عدداً من فلول الحزب الوطني، وهم يبررون ذلك بمقولة أن «الضرورات تبيح المحظورات»، مشيراً إلى أنه في واقع كهذا فإن الإخوان والفلول قد يكتسحون 90 في المئة من المقاعد.
الوجه القبلي
أما في الوجه القبلي، أي المحافظات التي تعرف بصعيد مصر، فالمشهد الانتخابي يبدو قائماً على شبكة من العلاقات العائلية والقبلية، التي يبدو أن الإسلاميين والفلول قادرون على الاستفادة منها لتحقيق فوز انتخابي واضح.
وفي شمال الصعيد، يطغى الإخوان والسلفيون على المشهد الانتخابي في محافظة المنيا، في الوقت الذي اختار فيه فلول الحزب الوطني الترشح على قوائم عدد من الأحزاب ذات الطابع المدني.
وإزاء هذا الواقع، يتوقع أحمد الخطيب، وهو أحد سكان المنيا، أن يفوز التيار الإسلامي بأكثر من 60 في المئة، يليهم الفلول بنحو 10-15 في المئة، ليستحوذ هذا الثنائي بذلك على معظم المقاعد المخصصة لتلك المحافظة.
ولا تختلف الأوضاع كثيراً في محافظة أسيوط، حيث يتبدى ما يشبه التحالف الثلاثي بين الإخوان والسلفيين والفلول.
ويقول عبد الستار العشري، وهو أحد أبناء أسيوط، لـ«السفير» إن القوى السياسية المهيمنة في هذه المحافظة تتمثل في «الإخوان» والسلفيين وفلول الحزب الوطني، لافتاً إلى أن هؤلاء يرتبطون بشبكة مصالح تجعلهم مضطرين للتحالف في الانتخابات، بصرف النظر عن الخلافات الأيديولوجية الظاهرة.
ويشير العشري إلى أن ثمة عوامل ثلاثة تؤثر في مسار العملية الانتخابية في أسيوط، على غرار كافة محافظات الصعيد، وهي المال والدين والعصبيات العائلية.
ويؤكد العشري أن القوى المهيمنة على المشهد السياسي في أسيوط تسعى اليوم إلى «تعميم ثقافة التسوّل» على الشعب المصري، وذلك من خلال «الرشى الانتخابية المقنعة» التي تقدمها للناخبين، كتوزيع اللحوم، وحقائب العيد، وعلب البسكويت.
وإلى جانب هذه «الرشى المقنعة»، يشير العشري إلى أن «القوى الدينية تعمد إلى استخدام الدين لخدمة مرشحيها»، ضارباً أمثلة عديدة في هذا المجال من بينها ما يقوله هؤلاء بأن «من يصوّت للإسلاميين سيدخل الجنة»، ووصف ثورة 25 يناير بأنها «ثورة إسلامية»، حتى وصل الأمر بأحدهم حد القول بأنه «رأى جنود الملائكة وهم يساندون الثوار ضد عساكر الأمن المركزي في ميدان التحرير».
وبذلك، يتوقع العشري أن يفوز التيار الإسلامي بـ50 إلى 60 في المئة من المقاعد البرلمانية في أسيوط، يليه الفلول بحوالي 25 في المئة، على أن تتوزع باقي المقاعد على التحالف الشعبي الاشتراكي وحزب الوفد.
وعلى غرار كثيرين، يرى العشري أن ثمة دورا يقوم به المجلس العسكري لتعزيز هذا «التحالف الطبقي بين الإخوان المسلمين وفلول الحزب الوطني»، وذلك من أجل أن يحمي نفسه من ثورة اجتماعية قد تمهّد لثورة ديموقراطية حقيقية.
أما في أقصى جنوب الصعيد، تبدو الصورة في أسوان مختلفة، إذ لا غلبة لطرف سياسي على آخر في هذه المحافظة، بالنظر إلى أن خيارات الناخبين تبقى مرتبطة بمنظومة العلاقات القبلية، التي تتحكم بمجمل العلاقات الاجتماعية والسياسية هناك.
ويقول ياسر مأمون، وهو من أبناء أسوان، لـ«السفير» إن الوجهة العامة للناخبين في أسوان هي رفض رموز النظام السابق. ويشير إلى أن المرشحين في هذه المحافظة ينتمون لمختلف القوى السياسية، لكن أيا منهم لا يستطيع أن يفرض نفسه على الساحة الانتخابية خارج الإطار القبلي.
ويوضح أن المنافسة الأبرز تبدو بين التحالف الشعبي الاشتراكي وحزب الوفد، في ظل أرجحية للأول، بالنظر إلى ترشيحه شخصية تتمتع بشعبية واسعة في أوساط الناخبين، مستبعداً فوز التيار والحزب الوطني بأي مقعد في المحافظة، بالنظر إلى ترشيحهما شخصيات ضعيفة قبلياً على رؤوس قوائمهما.
برغم تلك التوقعات، يقر المتابعون للشأن الانتخابي في المحافظات المصرية، بأن ما يستشرفونه من نتائج قد لا يكون ثابتاً، حتى أن أحدهم شبه السيناريوهات الانتخابية في هذه المحافظة أو تلك، بسيناريو فيلم «الجردل والكنكة»، حيث لم يكن أحد ليتوقع ذلك الفوز المفاجئ الذي حققه المرشحان «بخيت» (عادل إمام) و«عديلة» (شيرين) أمام تحالف رجال الأعمال والقوى الدينية. لكن الكل يؤكد أن الثابت الوحيد، هو أن نتائج الانتخابات المقبلة ستشكل فرصة نادرة للتعرف جيداً على بعض قواعد اللعبة الانتخابية في المحافظات، ما سيتيح لمختلف القوى أن تعيد ترتيب أولوياتها في المعارك الانتخابية المقبلة.
“السفير” – 18/11/2011 

فليكر