باهوز اردال لـ«السفير»: ديموقراطية سوريا يحدّدها الموقف من مطالب الاكراد

يثير موقف الأكراد من الأزمة السورية تساؤلات عدّة، بالنظر إلى الضبابية التي تحيط بمواقف فصائلهم من تلك الأزمة وتعقيداتها العسكرية والسياسية، إن على المستوى المحلي أو على المستويين الإقليمي والدولي. لكن هذه الضبابية تتحول إلى غموض عندما يتعلق الأمر بـ«حزب العمال الكردستاني»، بالنظر إلى تعدد المواقف التي تنسب إلى قادته في وسائل الإعلام، خصوصاً التركية، والتي تتحدث بشكل خاص عن تحالف أو تقاطع في المصالح بينه وبين نظام الرئيس بشار الأسد لاعتبارات تكتيكية واستراتيجية مرتبطة، خصوصاً بالموقف من تركيا. وتتهم تركيا، ومعها الولايات المتحدة، النظام السوري بتسليح «حزب العمال الكردستاني»، وهو ما تعززه رسائل مباشرة، وأخرى عبر قنوات ديبلوماسية، يوجهها قادة «الكردستاني» بين فترة وأخرى لأنقرة وحلفائها، ومفادها بأن المقاتلين الأكراد لن يسمحوا لتركيا بالتدخل عسكرياً في سوريا، وهي رسائل غالباً ما تتزامن مع تصاعد وتيرة عملياتهم المؤلمة ضد القوات المسلحة التركية. وقد بلغ الجدل حول دور «الكردستاني» ذروته خلال الأسابيع الأخيرة مع بدء الحديث عن سيطرة الفصائل الكردية على بعض المناطق في سوريا، وتصريحات لرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان تفيد بأن النظام السوري وضع خمس مدن في شمال سورية في عهدة «حزب العمال الكردستاني»، وتهديدات بأن حكومته قد تلجأ إلى ملاحقة المتمردين الأكراد داخل الأراضي السورية… «السفير» استطلعت موقف «حزب العمال الكردستاني» مما يجري في سوريا من خلال حوار أجرته مع قائد الجناح العسكري في الحزب باهوز أردال، علماً بأن الظروف الميدانية للقيادي الكردي فرضت أن يكون هذا الحوار عبر البريد الالكتروني ومن خلال وسيط مقيم في أوروبا.

÷ أين يقف «حزب العمال الكردستاني» من الأزمة في سوريا اليوم؟
– نحن نتابع التطورات في سوريا عن كثب، ولكننا في حزب العمال الكردستاني لم نتدخل في الشأن السوري حتى الآن. نحن ندعم ثورة الشعب السوري وتطلعاته من أجل الحرية والديموقراطية، وكذلك نضال الشعب الكردي في سوريا من أجل حقوقه القومية والديموقراطية، لكننا نرى أن القتال في سوريا تجاوز كونه قتالاً بين المعارضة والسلطة، فهناك تدخل مباشر للقوى الإقليمية والدولية في سير العمليات القتالية، ويمكن تسمية ما يحصل في سوريا بأنه «قتال في سوريا وحرب على سوريا»، ونحن في حزب العمال الكردستاني لن نكون وكيلاً لأي قوة في هذا الصراع، ولكننا ندعم الطرف الثالث في هذه المعادلة، أي نضال الشعب السوري بمختلف قومياته ومذاهبه وشرائحه في سبيل الحياة الكريمة والعيش المشترك. إننا مع الأخوّة العربية والكردية على أساس الاحترام المتبادل.

÷ ما موقفكم من لقاء إربيل الذي استضافه رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البرزاني بهدف توحيد خطاب القوى الكردية في سوريا؟ وأين تلتقون وتختلفون مع باقي القوى الكردية في سوريا إزاء التطورات؟
– نحن نعتبر أن الاتفاقية التي توصل إليها كل من مجلس الشعب في غرب كردستان والمجلس الوطني الكردي في سوريا وتشكيل الهيئة الكردية العليا، خطوة تاريخية في سبيل توحيد الصف الكردي وتطوير أساليب نضال مشتركة، فمن خلال هذه الاتفاقية، يستطيع الأكراد أن يقوموا بدور ريادي في الثورة السورية، ونحن في حزب العمال الكردستاني ندعم جميع الأحزاب الكردية في سوريا ما دامت تناضل في سبيل سوريا ديموقراطية تعددية وتعمل لنيل الشعب الكردي حقوقه هناك.

÷ تردّدت مؤخراً معلومات عن سيطرة الأكراد في سوريا على مناطق تواجدهم بموافقة النظام؟ ما دقة هذا الموضوع؟ وهل تعتقدون أن النظام في سوريا يريد عبر هذه الخطوة أن يحيّد الأكراد عن الصراع أو أن يستميلهم إلى صفه في المواجهة مع تركيا والغرب؟
– صحيح أن التنظيمات السياسية ومنظمات المجتمع المدني للشعب الكردي قد سيطرت على مدن كردية عدة، وبدأت تعمل على بسط الأمن في هذه المدن، وكذلك تلبية الحاجات العاجلة للجماهير، والعمل على تنظيم الإدارة الذاتية الديموقراطية، لكن القول إن ذلك قد تم بموافقة النظام، فهذه دعاية تركية تهدف إلى إثارة الشبهات حول نضال الشعب الكردي هناك، وذلك لخلق مبررات وحجج لتدخل عسكري تركي، فالجميع يعلم أن النظام في وضع حرج ويلاقي صعوبات كبيرة في الاحتفاظ حتى بأهم المدن السورية، بما في ذلك دمشق وحلب، وقد أعلنت التنظيمات الكردية المعنية أن هذه الخطوة تستهدف قبل كل شيء منع تحول المناطق الكردية إلى ساحة قتال بين الجيش السوري النظامي ومجموعات الجيش الحر.

÷ ما هي حدود علاقتكم مع المجلس الوطني السوري والجيش السوري الحر وباقي قوى المعارضة السورية؟
– نحن في حزب العمال الكردستاني لسنا طرفاً مباشراً في الأزمة السورية، وليست لدينا علاقات مع المجلس الوطني السوري والجيش الحر، ولكن ليس لدينا موقف مسبق ضد أي تنظيم في المعارضة السورية، فموقفنا يتشكل وفق نظرة القوى المعنية من سوريا المستقبل ومطالب الشعب الكردي في سوريا، وإن كنا نعارض الوصاية التركية على بعض تنظيمات المعارضة السورية، ونرى أن التدخل التركي السافر والوصاية المحكمة على هذه التنظيمات هو السبب الأساسي في تشرذم المعارضة وعدم توحيدها وعدم التوصل إلى توجه مستقبل مشترك يستجيب لمتطلبات الثورة والمجتمع السوري بجميع فئاته.

÷ هل تخشون تدخلاً عسكرياً أجنبياً في سوريا بقيادة تركية؟
– سوريا الآن ساحة صراع بين الكثير من القوى الإقليمية والدولية، وإذا أخذنا في الاعتبار موقع سوريا الاستراتيجي من الناحية التاريخية والجغرافية يمكن القول إن الصراع يكتسب وضعاً خاصاً وحساساً، فليس من السهل على أي دولة إقليمية التدخل المباشر في سوريا، لاسيما إذا كانت هذه الدولة هي تركيا، فتركيا لها مطامع تاريخية في سوريا، والعقلية المتحكمة لدى السلطات التركية تعمل على الانتقام التاريخي من الثورة العربية الكبرى في الحرب العالمية الأولى، وهذه العقلية ما زالت تعتقد أن الثورة العربية التي كانت دمشق أهم مراكزها هي السبب في سقوط الدولة العثمانية وتقسيمها. أعتقد أن الشعب السوري بعربه وأكراده لن يرحب بالتدخل التركي، ونحن لن نقف مكتوفي الأيدي في حال حدوث أي تدخل تركي يستهدف وجود شعبنا وحقوقه في كردستان الغربية.

÷ كيف تنظرون تكتيكياً واستراتيجياً إلى مخطط المنطقة العازلة، وكيف ستواجهون سيناريو كهذا؟
– ثمة مناقشات وأحاديث من خلال وسائل الإعلام حول المناطق العازلة، ولكن ليس هناك وضوح في هذه المسألة، بمعنى أي مناطق ستشمل؟ وأين ستكون حدودها؟ وأي قوى ستضمن حماية أمنها؟ وما الهدف من تشكيل منطقة كهذه؟ لكننا نعتــقد أن أي تدخل تركي، بأي حجة وغطاء، ســيؤدي إلى تعمــيق الاقتتال الداخلي والإثني في سوريا، وأن أي تدخل تركي لن يكون عامل استقرار وأمن وسلام للمنطقة، فالأطماع التاريخــية لتركيا، وتوجهات حكومة رجب طيب أردوغان تمنع تركيا من أن تلعب دوراً حيادياً وبناء في الثورة السورية.

÷ كيف نظرتم إلى الحشود العسكرية التركية على الحدود مع سوريا؟ وما تداعيات وانعكاسات ذلك على الأنشطة العسكرية لـ«حزب العمال الكردستاني»؟
– إن الحشود العسكرية لتركيا على الحدود السورية تكشف عن نيتها الحقيقية إزاء الشعب السوري بشكل عام، والشعب الكردي بشكل خاص، فهي تعبر عن موقف عدواني حيال مطالب شعوب سوريا وتطلعاتها في الحرية والعيش الكريم. لكننا نؤكد أن تصاعد وتيرة عملياتنا العسكرية في تركيا ليست مرتبطة بهذه الحشود ولا بالوضع في سوريا، فنحن نناضل منذ 28 عاماً بشكل مسلح في سبيل أن ينال 25 مليون كردي في كردستان تركيا حقوقهم القومية المشروعة. أما تصاعد العمليات في الأشهر الأخيرة فمرتبط بالسياسة العدوانية لحكومة أردوغان حيال نضال شعبنا في كردستان تركيا، حيث هناك ممارسات لا إنسانية تتجاوز معتقل «غوانتانامو» في سجن «ايمرالي» ضد قائدنا عبد الله أوجلان، وهو لم يسمح له باللقاء حتى مع محاميه وعائلته منذ أكثر من عام، وقد تجاوز عدد المعتقلين الكرد بما فيهم نواب من البرلمان التركي ورؤساء بلديات وصحافيون ومحامون أكثر من عشرة الآلاف معتقل خلال السنتين الأخيرتين، وهناك إرهاب منظم من قبل الشــرطة ضد التظاهرات السلمية لشعبنا ومقتل العشرات من الأطفال والنساء. وبالإضافة إلى كل ذلك فإن هناك عمليات تمشيط عسكرية واسعة النطاق من دون توقف، وهي تستهدف قواتنا الأنصارية. إن تصاعد وتيرة العمليات القتالية لقواتنا هي نتيجة طبيعية لسياسة أردوغان، وهي بمثابة الرد المشروع على ممارسات إرهاب الدولة التركية.

÷ كيف يمكن أن ينعكس الحراك الشعبي العربي عامة والسوري بشكل خاص على القضية الكردية؟
– إن حراك الشعب العربي وتجاوز الأنظمة الديكتاتورية يساهم في حل القضية الكردية في المنطقة بشكل عام، وتصعيد الشعب الكردي لنضاله هو جزء من الحراك الشعبي العام في المنطقة، ويفتــح المجال لإعادة تنظيم العلاقات بين الشعب الكردي والعــربي على أساس الأخوة والعيش المشترك والاحترام المتبادل للحقوق.

÷ في حال ذهبت الأمور في سوريا نحو حرب أهلية أو تقسيم، هل نشهد قيام حكم ذاتي للأكراد شبيه بإقليم كردستان العراق؟
– نحن نعتقد أن الإدارة الذاتية الديموقراطية هي الحل الأمثل في حل القضية الكردية في سوريا وللتنوع الثقافي والديني والقومي في المجتمع السوري بشكل عام.

÷ في حال سقط النظام في سوريا، ماذا تتوقعون من النظام الجديد أن يقدّم للأكراد؟
– كيفما كانت النتيجة، فإن من أهم معايير دمقرطة سوريا هو الموقف من مطالب الشعب الكردي في البلاد، إذ لن يكون هناك استقرار وسلام في سوريا إذا لم يتحقق نظام سياسي تعددي ديموقراطي يأخذ في الاعتبار التنوع الديني والقومي والثقافي في سوريا.

وسام متى
“السفير” – 14/8/2012

فليكر