بصيص أمل «لينيني» ليساريّي أميركا اللاتينية

حتى ساعة متأخرة من فجر اليوم، كان المرشح اليساري للانتخابات الرئاسية في الإكوادور لينين مورينو على قاب بضعة أعشار النقاط لبلوغ عتبة الأربعين في المئة التي تؤهله للفوز من الدورة الأولى. وبقدر ما طالت ساعات الفرز الطويلة، كان بصيص الأمل ليساريّي أميركا اللاتينية يتوهج ويخفت، في انتظار انتصار طال انتظاره بعد سلسلة انتكاسات شهدتها الفترة الماضية.

بعد عامين مليئين بالانتكاسات المُحبطة، جاء بصيص الأمل ليساريي أميركا اللاتينية من الإكوادور، في ضوء التقدم الكبير الذي حققه المرشح المدعوم من الرئيس المنتهية ولايته رافاييل كوريا، في الانتخابات العامة التي جرت أول من أمس.
اسم المرشح الأوفر حظاً حتى الساعة للفوز بالرئاسة الإكوادورية يبدو موحياً لليساريين: لينين!
لينين بولتير مورينو غارثيس، تفصله أقل من نقطة واحدة للفوز برئاسة الإكوادور من الدورة الأولى، بعدما أظهرت النتائج الانتخابية حصوله على (39.1 في المئة) من الأصوات، إثر فرز 88.7 في المئة من صناديق الاقتراع، متقدماً بذلك على منافسه اليميني القادم من عالم المصارف غييرمو لاسو (28.3 في المئة)، في حين احتلت مرشحة «الحزب المسيحي الاجتماعي» سينتيا فيتيري (يمين وسط) المرتبة الثالثة (16.3 في المئة).
وبحسب النظام الانتخابي في الإكوادور، فإن الفوز من الدورة الأولى في الانتخابات الرئاسية يتطلب حصول المرشح على الغالبية المطلقة من الأصوات (50 في المئة)، أو حصوله على 40 في المئة من الأصوات، بشرط أن يتعدى الفارق عن أقرب منافسيه 10 في المئة.
وبالنظر إلى الفارق الضئيل الذي يفصل لينين مورينو عن عتبة الأربعين في المئة، وفي ظل ارتفاع الفارق في الأصوات بينه وبين لاسو، بما يتجاوز العشرة في المئة، يراهن يساريو الإكوادور، ومعهم يساريو أميركا اللاتينية، أن تحمل أصوات الناخبين في الأقاليم الفقيرة المؤيدة من جهة، وصناديق التصويت في الخارج (2.9 في المئة من إجمالي عدد الناخبين المسجّلين)، مزيداً من الأصوات الكافية لتحقيق الانتصار من الدورة الأولى.
ولكن ثمة مؤشرات تشي بأن الانتخابات الرئاسية مقبلة على جولة إعادة بين مورينو ولاسو، وهو ما عكسه تصريح مسائي، صدر عن رئيس اللجنة العليا للانتخابات، تضمن دعوة للمرشحين الفائزين بأعلى عدد من الأصوات، إلى «اجتماع عمل» يعقد اليوم أو غداً، «لشرح التفاصيل التقنية» للعملية الانتخابية، حسبما نقل عنه التلفزيون الاكوادوري، من دون أن يكشف عمّا إذا كان الأمر يدلّ على حسم مؤكد لنتائج الجولة الأولى، أو أنه مجرّد إجراء لتجنب أي توتر قد يلي صدورها.
وفي مطلق الأحوال، فإن التقدّم اللافت للانتباه الذي حققه لينين مورينو يعاكس الكثير من التوقعات، التي رجحت أن يؤدي غضب الإكوادوريين من الانكماش الاقتصادي وفضائح الفساد إلى تحويل الوجهة الانتخابية لمصلحة اليمين، على غرار ما حدث مع الكثير من الزعماء اليساريين في أميركا اللاتينية خلال الفترة الماضية.
ويبدو أن ثمة أسباباً عدّة، رجّحت كفة المرشح اليساري، أبرزها سيرته الذاتية الملهمة للكثيرين من المهمّشين، وتشتت المعارضة التي قسمت أصواتها بين عدّة مرشحين، ناهيك عن إرث رافاييل كوريا، الذي نجح خلال ولايتين رئاسيتين ــ برغم بعض الثغر المتعددة الأوجه والسياسات المثيرة للجدل ــ في جعل الحزب الحاكم يتمتع بشعبية بين الفقراء، بفضل برامج الرعاية الاجتماعية.
ومعروف أن لينين رافق رافاييل كوريا في ذروة انطلاقته، أي خلال ولايته الرئاسية الأولى، بعدما اختارهما الإكوادوريون لمنصبي الرئيس ونائب الرئيس، على حساب مرشّحي اليمين «إمبراطور الموز» الفارو نوبوا، ومرشحه لمنصب نائب الرئيس فينتشني تايانو، في انتخابات عام 2006، التي جرت في أوج العصر الذهبي الذي شهده اليسار في أميركا اللاتينية.
وظلّ لينين محتفظاً بمنصب نائب الرئيس، حتى عام 2013، ليتولى بعدها منصباً أممياً مستحدثاً، حيث تم اختياره مبعوثاً للأمين العام للأمم المتحدة لشؤون ذوي الإعاقة، في ما شكّل تعويضاً معنوياً لذاك الناشط الاجتماعي والسياسي اليساري، بعدما أخفق في نيل جائزة نوبل للسلام لعام 2012، التي ذهبت في نهاية المطاف إلى الاتحاد الأوروبي!
على كرسيه المتحرك، برز «الوجه الأجمل في الحكومة الإكوادورية»، كما وصفته إحدى الصحف المحلية، منذ مطلع الألفية الحالية، ناشطاً اجتماعياً مدافعاً عن حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة، بعدما غيّرت عملية سطو مسلّح مسار حياته.
كان ذلك في الثالث من كانون الثاني عام 1998، حين تقدّم شابان باتجاه لينين في أحد أحياء العاصمة كيتو، لسلب سيارته وأمواله. وبرغم استجابته لتهديدهما، فإنّ أحدهما لم يتوان عن إطلاق النار باتجاه ظهره، ما أصابه بشلل مصحوب بآلام قاسية، لم تفلح معها العلاجات الطبية التقليدية، وهو ما دفعه إلى تطوير علاج ذاتي قائم ببساطة على «الضحك». وبرغم تشكيك الأطباء في إمكانية الشفاء، فإن لينين تجاوز آلامه، لا بل تمكن من التأقلم مع الإعاقة الجسدية.

يعاكس التقدّم اللافت
للانتباه الذي حققه
لينين مورينو الكثير من التوقعات

هكذا تحوّل لينين، من ميدان الوظائف العمومية المرتبطة غالباً بالتسويق والسياحة، إلى ناشط في مجال الخدمة الاجتماعية، «مبشّراً» بنمط علاجي جديد، كان له الفضل في تعافيه، فكتب الكثير من الكتب التي تحثّ الانسان على تخطي أزماته الصحية والنفسية بالضحك، من بينها «فلسفة الحياة والعمل»، و»النظرية والتطبيق في ممارسة الكوميديا»، و»السعادة سهلة ومسلّية» و«أفضل نكات العالم» و»اضحك لن تمرض»، الخ…
هموم ذوي الاحتياجات الخاصة حملها لينين بعد توليه منصب نائب الرئيس، فرافاييل كوريا ورث عن أسلافه ملفاً ثقيلاً، يتمثل في وجود مئات آلاف المصابين بالإعاقات، لم تخصص لهم الدولة الإكوادورية في موازنتها السنوية سوى 100 ألف دولار. استعان الرئيس بنائبه، الذي وضع مشروعاً طموحاً، زاد من خلاله الميزانية السنوية لمراكز الخدمة الخاصة بذوي الاحتياجات الخاصة بنحو 50 ضعفاً، حتى باتت الحكومة الإكوادورية تقدم المساعدة لأكثر من 600 ألف مصاب بالإعاقة، فضلاً عن خدمات السكن لخمسة عشر ألفاً، والأطراف الصناعية لزهاء الآلاف منهم.
ويبدو أن السيرة الذاتية للينين مورينو، وما حققه من إنجازات على المستوى الاقتصادي خلال توليه منصب نائب الرئيس، والود الذي يكنّه له الناخبون الفقراء في الإكوادور، هي ما جعل الحزب الحاكم يختاره مرشحاً لخلافة رافاييل كوريا، إلى جانب نائب الرئيس الحالي خورخي غلاس.
ويبدو واضحاً أن «ائتلاف البلاد» أراد من خلال تلك الخطوة البناء على ما تبقى من إرث رافاييل كوريا، عبر تقديم شخصية تتمتع بنظافة الكف من جهة، والتعاطف الشعبي والميل أكثر إلى المصالحة الداخلية من جهة أخرى، بما يمكّن اليسار الإكوادوري من الصمود أمام العواصف التي هزت أنظمة «الرفاق» في معسكر «اشتراكية القرن الحادي والعشرين»، منذ فترة، نتيجة لأسباب عدّة، تتراوح بين لوثة فضائح الفساد التي طالت بعضهم (كما حدث في البرازيل مع ديلما روسيف) وبين الأزمات الاقتصادية المرافقة للتقلبات في الأسواق العالمية للنفط التي أطاحت أو تكاد تطيح البعض الآخر (كما يحدث حالياً مع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو)؟
وإذا ما تمكّن لينين مورينو من الفوز من الدورة الأولى، فسيشكل ذلك زخماً لـ»البديل البوليفاري»، بعد الخيبات الأخيرة، التي جعلت «التسونامي» اليساري اللاتيني، الذي مثله انتصار هوغو تشافيز في فنزويلا، ولويس إيناسيو لولا دا سيلفا في البرازيل، وإيفو موراليس في بوليفيا، وميشال باشليه في تشيلي… وصولاً إلى فرناندو لوغو في الباراغواي وخوسيه موخيكا في الأوروغواي قبل سنوات، يتراجع أمام موجات اليمين العاتية التي ضربت الكثير من دول القارة الجنوبية.
لكن المخاطر تبقى قائمة، وبصيص الأمل سيكون أكثر بُعداً، في حال عدم تمكن مرشح اليسار الإكوادوري من تجاوز العتبة الانتخابية المذكورة. فكما سبق، فإن من بين أسباب تقدم لينين مورينو هو تشتت المعارضة اليمينية بين عدّة مرشحين. وفي حال الذهاب إلى الدورة الثانية، فإن رياح التحالفات اليمينية بين حركة «كريو» و»الحزب المسيحي الاجتماعي» ــ اللذين يرجح أن يستحوذا على المرتبتين الثانية (22 في المئة) والثالثة في البرلمان الجديد (13 في المئة) ــ قد تجري بعكس ما تشتهي سفن حزب «ائتلاف البلاد» ــ المرجح استحواذه على غالبية برلمانية غير مطلقة (39 في المئة) ــ ولا سيما أن ثمة الكثير مما يجمع غييرمو لاسو وسينتيا فيتيري، وخصوصاً الانسجام التام مع سياسات الولايات المتحدة، وهو ما يتبدّى جلياً في ما كشفته أحدث الوثائق المنشورة عبر موقع «ويكيليكس».
وما يؤكد ذلك أن غييرمو لاسو سارع بعد انتهاء التصويت إلى توجيه الشكر لسينتيا فيتيري، في تدوينة عبر موقع «تويتر»، إلى جانب مرشحين آخرين، على «الدعم» الذي قدموه له. وفي وقت لاحق، عقد المرشح اليميني مؤتمراً صحافياً أكد خلاله أن مرشّحة «الحزب الاجتماعي المسيحي» ستدعمه في انتخابات الاعادة، قائلاً: «الدكتورة سينتيا فيتيري كانت واضحة للغاية. لست أنا من أعلن، بل هي، وبكل وضوح، انها ستصوّت لخيار التغيير، للاسو، في الجولة الثانية من الانتخابات».
وإذا كانت الانتخابات العامة في جولتها الأولى قد شهدت أشرس منافسة على الإطلاق، قياساً إلى الدورات السابقة، فإن الجولة الثانية، ستمثل، من دون أدنى شك، أمّ المعارك لكل القوى السياسية، التي ستستخدم كل الأسلحة المتاحة، ولا سيما أن معركة كهذه ستكون أكثر استقطاباً بين يمين ويسار، وقد يضطر معها المعسكران إلى تقديم تنازلات للمرشحين الباقين، على اختلاف مشاربهم، وتوجهاتهم، على غرار العمدة اليساري السابق للعاصمة كويتو الجنرال المتقاعد باكو مونسايو (6.7 في المئة من الأصوات)، والمحامي السابق ولاعب كرة القدم الشعبوي عبد الله (دالو) بوكرم (4.7 في المئة)، والمدعي العام السابق المنتمي إلى يسار الوسط واشنطن بيسانتيز (0.7 في المئة)، والدبلوماسي باتريسيو زوكويلاند (0.7 في المئة)، والطبيب إيفان اسبينيل المنتمي بدوره إلى يسار الوسط (3.1 في المئة).
ويبقى سلاح الاقتصاد الأمضى في الانتخابات الحالية، فاليسار يبني على إرث رافاييل كوريا، ولا سيما برامجه للتقديمات الاجتماعية، لتهدئة غضب الناخبين جراء التراجع الحاد في الإيرادات العامة، بعد تراجع أسعار النفط الخام، مراهناً على نسبة نمو اقتصادي متوقعة للعام الحالي بنحو 1.4 في المئة.
وعلى النقيض، فإن اليمين ينطلق من برامج الرعاية الاقتصادية نفسها للتصويب على رافاييل كوريا، عبر اتهامه بتبديد العائدات النفطية على مشاريع غير منتجة، بدلاً من التركيز على الاستثمارات، التي أدى تقلصها نتيجة للأزمة الاقتصادية إلى ارتفاع معدّل البطالة.


أسانج يتنفس الصعداء

يمكن القول إن جوليان أسانج هو أكثر من يحبس أنفاسه بانتظار نتائج الانتخابات الرئاسية في الاكوادور، حتى قياساً بالمرشحين أنفسهم.
مصير مؤسس موقع «ويكيليكس»، اللاجئ في سفارة الاكوادور في لندن منذ عام 2012، قد يكون مرتبطاً بنتائج التصويت. ففي حين يفضّل مورينو الاستمرار في منح الاسترالي حق اللجوء في السفارة الذي سمح به كوريا، أكد كلّ من لاسو وفيتيري أنهما سيسحبانه.
وتصدّرت الإكوادور عناوين الصحف حول العالم عندما تحدّت الولايات المتحدة بمنحها اللجوء لأسانج الذي يواجه تهماً بالاعتداء الجنسي في السويد.
وبذلك، وفّر الرئيس المنتهية ولايته حماية له من احتمال ترحيله إلى الولايات المتحدة، حيث يتّهم بتسريب برقيات دبلوماسية وغيرها من الوثائق السرية عبر موقعه الإلكتروني.
وذكر موقع «ويكيليكس» مؤخراً أن أسانج مستعد للسفر إلى الولايات المتحدة لمواجهة التهم الموجهة إليه شرط «ضمان» حقوقه.


رفض للملاذات الضريبية

لم تقتصر الانتخابات العامة في الإكوادور على اختيار الرئيس ونائبه، وأعضاء الجمعية الوطنية (البرلمان). العملية الانتخابية شملت استفتاءً على بقاء الملاذات الضريبية، التي أثارت ضجة كبرى، في الإكوادور، ولا سيما بعد تسريبات «باناما ليكس».
ورفض الإكوادوريون الإبقاء على الملاذات الضريبية، في الاستفتاء، حيث صوّت 54.4 في المئة على اقتراح تقدّمت به حكومة رافاييل كوريا بمنع السياسيين والموظفين العموميين من امتلاك أصول أو شركات أو رساميل في الجنّات الضريبية.
وتسعى الحكومة اليسارية في الإكوادور، من خلال هذا القرار، إلى زيادة مستوى الشفافية ورفع العائدات الضريبية لأغراض التنمية، في الوقت الذي تخوض فيه حرباً ضروساً على الفساد.
وبحسب مصلحة الضرائب الإكوادورية، فإن 4.52 مليارات دولار خرجت من البلاد، وأخذت طريقها نحو ملاذات ضريبية، في دول عدّة، من بينها بنما.
وعلاوة على ذلك، تروّج الحكومة اليسارية لمبادرة تدعو إلى تشكيل هيئة تابعة للأمم المتحدة للتحقيق في الجنات الضريبية وغيرها من الممارسات المالية المضرّة بالاقتصاديات المحلية.

وسام متى
“الاخبار” – 21/2/2017

Instagram @ wmattablog

Instagram has returned invalid data.