تحالف «الرفاق» يغيّر قواعد «اللعبة الكبرى»!

قبل 45 عاماً كان الاتحاد السوفياتي والصين على شفير حرب نووية… في 20 آب العام 1969 طلب السفير السوفياتي لدى الولايات المتحدة اناتولي دوبرينين لقاءً عاجلاً بوزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر ليبلغه أن الاتحاد السوفياتي قرر توجيه ضربة نووية للصين على خلفية الاشتباكات الحدودية التي كانت قد بلغت ذروتها قبل بضعة أسابيع، داعياً واشنطن إلى الوقوف على الحياد تجاه هذا الهجوم.
البلاغ السوفياتي سرعان ما وصل إلى بكين حين سرّبته الإدارة الأميركية إلى صحيفة «واشنطن بوست»، التي نشرت في الثامن والعشرين من آب تفاصيل الخطة النووية.
سارعت القيادة الصينية إلى اتخاذ إجراءات احترازية: غادر ماو تسي تونغ إلى ووهان. نقل الجنرال لين بياو مركز القيادة العسكرية إلى سوزو. احتمى كبار المسؤولين العسكريين في مخابئ محصنة في الغرب. صدرت الأوامر لمليون جندي وأربعة آلاف مقاتلة و600 سفينة حربية بالانتشار بعيداً عن القواعد التي قد يستهدفها القصف السوفياتي. طلب من كافة الصينيين حفر الملاجئ وفتحت المخازن لتوزيع السلاح على المدنيين.
قبلها بتسع سنوات، وتحديداً في 30 حزيران العام 1960، كان الاتحاد السوفياتي قد أعلن القطيعة الأيديولوجية مع الصين. حينها، كان «الرفاق» في موسكو يصدرون توجيهاتهم، بناء على توصيات المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي، بإدانة عبادة شخصية ستالين، ما أثار غضب ماو تسي تونغ، «معبود الصينيين»، الذي كان يدير الصين بطريقة ستالين. طلب ماو من الخبراء السوفيات مغادرة الصين وحدث الانشقاق الكبير داخل المعسكر الشيوعي.
وفي 15 تشرين الثاني العام 1969، التقى كيسنجر السفير السوفياتي مرة اخرى طالباً منه نقل رسالة إلى القيادة في موسكو مفادها أن الولايات المتحدة لن تبقى على الحياد في حال هوجمت الصين، وأنها ستقوم بقصف 130 مدينة روسية. وبعد 5 أيام، ألغت موسكو خطط الضربة النووية ضد الصين، وبدأت مفاوضات بين البلدين في بكين. وكانت تلك نهاية الأزمة الأخطر في تاريخ العلاقات بين البلدين.
بالأمس كان واضحاً أن تلك الوقائع المثيرة التي كشفت عنها صحيفة «الشعب» الصينية في العام 2010 – من بين وقائع أخرى حول التوتر الصيني – السوفياتي وأبرزها معلومات عن اتفاق اميركي – سوفياتي لتوجيه ضربة نووية للصين في العام 1964 ـ قد أصبحت صفحة مطوية في تاريخ العلاقة بين الدولتين العظميين، فاتفاق الغاز الضخم الذي رعاه الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جين بينغ في شنغهاي قد جاء ليكرّس تحالفاً وثيقاً، فرضه تقاطع مصالح في ظل «حرب باردة» جديدة تتوزع جبهاتها بين اوكرانيا وسوريا غرباً وبحر الصين شرقاً.

«صفقة العصر»

«هي صفقة العصر». هكذا وصف بوتين اتفاقية الغاز التي وقعت أمس الأول في شنغهاي، والتي تعد الأضخم من بين الصفقات التي أبرمتها روسيا منذ انهيار الاتحاد السوفياتي.
وبموجب الاتفاقية، التي تبلغ قيمتها 400 مليار دولار، ستحصل الصين على 38 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي الروسي سنوياً لفترة 30 عاماً. وتتضمن الاتفاقية أيضاً مد خطوط انابيب بطول 2500 كيلومتر لضخ الغاز الطبيعي من حقلين في سيبيريا إلى المناطق الصناعية الواقعة في شمال الصين، فضلاً عن تطوير البنية التحتية.
وبموجب هذه الاتفاقية، التي تبقى بعض بنودها من «الأسرار التجارية» على حد قول رئيس مجلس ادارة شركة «غازبروم» الكسي ميلر ـ «قيصر النفط الروسي» كما يحلو لبعض الغربيين تسميته ـ ستنفق الصين 50 مليار دولار على البنية التحتية النفطية للصفقة، ومن بين ذلك تقديم 25 مليار دولار بشكل فوري لتطوير شبكة الانابيب الواقعة على المنطقة الحدودية بين الدولتين الجارتين.

تسوية حول الأسعار

ولم يكشف الجانبان عن سعر الغاز المصدّر بموجب الاتفاقية، وهي مسألة حساسة احتلت حيزاً اساسياً في المفاوضات التي بدأت حول الصفقة منذ قرابة 15 عاماً، حيث كانت روسيا تصر على سعر مشابه لذاك الذي تتقاضاه من دول اوروبا (350 دولارا لكل ألف متر مكعب في العام 2013)، في حين كانت الصين تصر على سعر يقل عن ذاك الذي تدفعه لشركائها في آسيا الوسطى.
وبحسب المراقبين فإن تلك النقطة كان يمكن ان تؤخر ابرام الصفقة أكثر من ذلك، لولا أن الطرفين توصلا إلى تسوية في اللحظات الأخيرة، فرضها تلاقي المصالح بينهما، في ظل الصراع القائم بين روسيا والغرب على خلفية الازمة في اوكرانيا من جهة، والتوتر المتصاعد بين الصين وجيرانها المدعومين من الولايات المتحدة (الفلبين، اليابان، فيتنام) على خلفية التنازع على جزر المحيط الهادئ وثرواته.
وبدا ان الرئيس الروسي كان مصراً على على عدم العودة من شنغهاي بخفي حنين، فهو يريد استباق لقائه المرتقب مع الرئيس الأميركي باراك اوباما والمستشارة الألمانية انجيلا ميركل في حزيران المقبل، بتغيير قواعد اللعبة، وإفهام الغربيين أن لديه خياراً آخر غير الاعتماد على الأوروبيين في ضخ العملات الصعبة إلى خزينته.
ويبدو الغربيون متحرقين لمعرفة «السر التجاري» المتعلق بسعر الغاز موضوع «صفقة العصر» ـ أو بمعنى أصح الثمن الذي دفعه بوتين ـ وهو ما لم يفصح به «قيصر» الكرملين، مكتفياً بالقول إن «السعر مرضٍ للطرفين على حد سواء».
وفيما يمكن بعملية حسابية بسيطة الحديث عن سعر يقارب 350 دولاراً لكل ألف متر مكعب من الغاز (400 مليار دولار / 30 عاماً / 38 مليار متر مكعب)، فإن بوتين أضفى مزيداً من التعقيدات على هذه الحسبة، حين قال إن «معادلة سعر الغاز، كما وردت في العقود المبرمة بيننا، مرتبطة بـ(أسعار) سوق النفط والمشتقات النفطية»، ما يعني أن ارتفاع اسعار النفط العالمية (خلال السنوات الثلاثين المقبلة) سينعكس حتماً على اسعار الغاز المصدّر إلى الصين.
وبانتظار الكشف عن هذا «السر التجاري» يبقى التباين بين التقديرات الروسية والصينية من جهة، والأوروبية من جهة ثانية، شاسعاً جداً.
ويرى غربيون أن الحاح بوتين على ابرام الصفقة من جهة، والمبلغ الضخم الذي قدمته الصين لتطوير البنية التحتية من جهة ثانية، يؤكدان أن ثمة تنازلات قدمها الرئيس الروسي للفوز بهذه الاتفاقية. وبحسب ما صرّح به رئيس الغرفة التجارية الأوروبية في بكين لصحيفة «نيويورك تايمز»، فإن السعر المتفق عليه يتراوح بين السعر الأوروبي (350 دولاراً) والسعر التركماني (80 دولاراً).
لكن خبير النفط والغاز البارز في مركز بحوث التنمية التابع لمجلس الدولة الصيني، سون يونغ شيانغ يرى، وفقاً لما نقله عنه موقع «روسيا اليوم»، أنه لا يمكن المقارنة بين سعر النفط الروسي وسعر النفط التركماني، نظرا لأن الصين كانت قد استثمرت أموالا ضخمة في تركمانستان.
وبحسب الخبير الصيني فإنّ روسيا كانت قد طلبت في المرحلة النهائية من المفاوضات سعراً عند مستوى 388 دولاراً لكل ألف متر مكعب من الغاز، أما الصين فكانت تريد سعر 380 دولارا فقط، ولذلك فإن السعر الوسط الذي تم التوافق عليه يجب أن يكون ما بين هذين الرقمين.

مكاسب متبادلة

ورغم أن الغربيين يركزون على أن بوتين كان اكثر تحرّقاً لاتمام هذه الصفقة مقارنة بتشي جين بينغ، إلا ان الاتفاق يحقق أهدافاً مشتركة وملحّة لكلا الجانبين.
وبالنسبة إلى روسيا، فإن من شأن صفقة الغاز أن تعطي دفعة قوية للاقتصاد، في ظل معطيات احصائية مثيرة للقلق، ابرزها توقعات من مراكز دراسة بحصول كساد اقتصادي في ظل نسبة نمو مقدّر بـ 02. في المئة خلال العام الحالي.
علاوة على ذلك، تفيد بيانات المصرف المركزي الروسي بنزوح حوالي 637. مليار دولار من روسيا في الأشهر الثلاثة الأولى من العام، وهو ما يعادل إجمالي الأموال النازحة في 2013 بأكمله. فيما تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن إجمالي الاموال النازحة خلال العام الحالي قد يصل إلى 150 مليار دولار، وهو ما يجعل من الصعب على روسيا الولوج الى الاسواق العالمية، في الوقت الذي تحتاج فيه إلى تطوير بنيتها التحتية، مع اقتراب موعد استضافة مباريات كأس العالم في العام 2018.
كذلك، فإن العقوبات التي بدأ الغربيون بفرضها على روسيا، على خلفية الأزمة في اوكرانيا، قد تفاقم هذا الواقع الاقتصادي المثير للقلق. وبالرغم من أن صفقة الغاز الروسية-الصينية لا يتجاوز حجمها السنوي ربع الصادرات الروسية لأوروبا (160 مليار متر مكعب في العام 2013)، إلا انها بالتأكيد ستمنح بوتين هامشاً واسعاً للمناورة، من خلال افهام الاوروبيين أنه يستطيع الاعتماد على زبائن آخرين.
وبالنسبة إلى الطرف الثاني في الاتفاقية، فإن امدادات الغاز الروسي إلى المناطق الصناعية العطشى لمصادر الطاقة في شمال الصين، سيعطي التنين الآسيوي دفعة قوية في إطار تسريع النمو الاقتصادي، والحد من الاعتماد على الفحم الحجري ذي الأثر الكارثي على البيئة.
ومن شأن حصول الصين على الغاز الروسي ان يقلل كذلك من اعتمادها على مصادر الطاقة في مناطق اخرى، وخصوصاً في الشرق الأوسط وشمال افريقيا، في ظل المخاطر الناجمة عن الاضطرابات السياسية والأمنية التي تؤججها الولايات المتحدة، ومحاولات العرقلة الأميركية على خطة «خيط اللؤلؤ»، التي تسعى بكين من خلالها إلى نشر اسطول حربي من بحر الصين الجنوبي إلى ايران.
علاوة على ذلك، فإن «صفقة العصر» تعني بالنسبة إلى الصين تعزيز قوتها الاقتصادية على الساحة الدولية، من خلال توسيع نطاق توجهها المعتمد في علاقاتها مع دول افريقيا واميركا اللاتينية، والذي يمكن اختصاره على النحو التالي: «الموارد الطبيعية في مقابل البنية التحتية».
يأتي توقيع الاتفاق الصيني- الروسي بعد 25 عاماً على الزيارة التي قام بها آخر رئيس للاتحاد السوفياتي ميخائيل غورباتشيف لبكين (1989) في سياق مساعي التطبيع بين الدولتين العظميين بعد عقود من الصراع الايديولوجي.
ومنذ تلك الفترة ظلت العلاقات الروسية ـ الصينية تتطور بخطى بطيئة وإنما واثقة. اتفق الجانبان على قضايا عدّة على الساحة الدولية (العراق، كوسوفو، سوريا… الخ)، وشكلا ركيزتين من الركائز الخمس لتجمع «البريكس» الذي يضم الدول صاحبة أسرع نمو اقتصادي بالعالم. (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا). اليوم يعزز الجانبان علاقاتهما الاقتصادية بما يسهم في تمتين شراكتهما الاقتصادية.
وبما ان السياسة هي «اقتصاد مكثف»، كما يرى كارل ماركس، يمكن القول إن الترجمة الجيوسياسية لـ«صفقة العصر» هي اتصال استراتيجي بين قوتين عظميين قد يغيران قواعد اللعبة الكبرى على مسرح العلاقات الدولية.

وسام متى
“السفير” – 23/05/2014

Instagram @ wmattablog

Instagram has returned invalid data.