تركيا والأكراد: مفاوضات خلف المتراس!

المكان: جزيرة ايمرالي (غرب تركيا).
الزمان: 23 شباط العام 2013.
الحدث: نائبان عن «حزب السلام الديموقراطي الكردي» وضابطان من جهاز الاستخبارات التركية يزورون عبد الله أوجلان في سجنه، ومعلومات عن أنّ الزعيم التاريخي لـ«حزب العمال الكردستاني» قد سلم الوفد الزائر خريطة طريق مقترحة لحل القضية الكردية.
هذا الخبر الذي أوردته شبكة «أن تي في – تورك» في ذلك اليوم كان مؤشراً إلى أن المفاوضات بين حكومة «حزب الحرية والعدالة» وقيادة «حزب العمال الكردستاني» قد بلغت مستوى متقدماً بعد جمود دام نحو عامين، شهدت خلالها الجبهة الكردية – التركية تكثيفاً للعمليات العسكرية، رافدةً سجل القتلى بين الجانبين بأرقام جديدة تضاف إلى 40 ألف شخص قضوا نحبهم من الجانبين.
كثيرة هي التساؤلات التي تحوم حول المسار الذي ستسلكه المفاوضات الحالية بين الحكومة التركية و«حزب العمال الكردستاني»، وذلك بعد محاولات فاشلة عديدة، كان آخرها في العام 2010.
معظم هذه التساؤلات يدور حول الدوافع المتبادلة التي قادت الجانبين إلى هذا المسار، ومدى استعدادهما لتقديم تنازلات متبادلة تفضي إلى حل سلمي لهذا الصراع التاريخي، وهامش المناورة المتاح أمامهما لتمرير اتفاق سلام.
على الجانب التركي، يبدو الانعطاف في موقف رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان تجاه الأكراد مرتبطاً بحسابات داخلية تندرج في إطار لعبة شد الحبال بين «حزب العدالة والتنمية» وباقي احزاب المعارضة، وبحسابات أخرى خارجية تدور في فلك «اللعبة الكبرى» الجارية في سوريا.
أما على الجانب الكردي، فثمة شعور بأن «الربيع العربي» قد يفضي إلى «ربيع كردي»، استناداً إلى عوامل متعددة، أبرزها جنوح «الثورة السورية» نحو حرب أهلية تقسيمية، افسحت المجال للأكراد، نتيجة لظروف معينة، لكي يُحكِموا السيطرة على مناطق انتشارهم في الداخل السوري، وهو ما سيسهم في نهاية المطاف، بشكل أو بآخر، في اكتسابهم نقطة ارتكاز جديدة لا تقل أهمية، من الناحية الجيوسياسية، عن تلك التي اكتسبوها في إقليم كردستان العراق.

دوافع داخلية وإقليمية

«لم نُفاجَأ بالحوار مع أوجلان»، يقول الصحافي الكردي نواف خليل لـ«السفير»، في معرض تعليقه على المسار التفاوضي الذي كشفت عنه الزيارات المتتالية لوفود كردية وتركية إلى سجن ايمرالي.
هذا الانعطاف يعزوه نواف خليل إلى عوامل عدّة، أبرزها «فشل سياسات حزب العدالة والتنمية في تصفية الحركة الكردية».
ويشير خليل إلى ان أولى العلامات على هذا الانعطاف باتجاه المفاوضات تبدّت في التصريحات التي أدلى بها أردوغان لقناة فضائية تركية في نهاية أيلول من العام 2012، وجاء فيها حرفياً: «قريباً ستجدون انطلاق أوسلو ثانية، إن لم يكن في أوسلو ، ففي مكان آخر»، وذلك في إشارة إلى المفاوضات التي جرت بين قيادات من «حزب العمال الكردستاني» والحكومة التركية بين العامين 2008 و2011.
أهم ما ورد في تصريحات أردوغان يومها كان قوله إن «لا مناص من ان نبدأ من ايمرالي»، وهو ما عكس، بحسب خليل، إقراراً غير مباشر بأن الحكومات التركية المتعاقبة قد فشلت في تصفية حركة الشعب الكردي وقائده أوجلان، حتى اضطرت، بعد عزلة قاربت العامين، إلى التفاوض مباشرة مع الزعيم التاريخي لـ«الكردستاني».
بدوره، يقول الصحافي الكردي طارق حمو لـ«السفير» إن «حزب الحرية والعدالة، ومنذ تسلمه دفة الحكم في تركيا في العام 2002، يطرح بين الحين والآخر فكرة الحل السياسي للقضية الكردية، وقد فعل ذلك بين العامين 2006 و2010، وها هو يكرر المحاولة في العام 2013».
ولكن هل ثمة ارتباط بين التحول المفاجئ في الموقف التركي من المفاوضات من جهة، وبين التحولات الدراماتيكية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط في إطار ما بات يعرف بـ«الربيع العربي» من جهة ثانية؟
يرى حمو أن حكومة «حزب العدالة والتنمية» غالباً ما كانت تلجأ إلى طرح القضية الكردية لحسابات داخلية أو أسباب خارجية، «ولا شك في أن الأوضاع الاقليمية تلعب هذه المرة دوراً كبيراً في التحرك التركي الجديد باتجاه الملف الكردي»، مشيراً إلى أن من بين العوامل الإقليمية التي تصب في هذا الإطار، «الوضع المتأزم في سوريا والقوّة الصاعدة للأكراد هناك بقيادة فصيلهم الأكثر تنظيماً، وهو حزب الاتحاد الديموقراطي، القريب من حزب العمال الكردستاني»، فضلاً عن «العلاقات التركية المتوترة مع كل من ايران وحكومة نوري المالكي في العراق، وتخوف تركيا من ان يستفيد حزب العمال الكردستاني من هذا التوتر».
ويضيف حمو إلى ذلك الحسابات الكردية الداخلية «حيث يجري الآن تقارب بين القوى الكردية في العراق وسوريا وتركيا، بعدما رعت القيادة الكردية في إقليم كردستان العراق اتفاق تفاهم بين القوى الكردية السورية»، عدا عن أن «ثمة اتصالات كردية عراقية تجري مع حزب العمال الكردستاني بغية التحضير لمؤتمر قومي كردي شامل لبحث مستقبل الأمة الكردية».
وثمة حسابات داخلية تركية أخرى يتطرق إليها حمو، ومن بينها تنامي القوة التنظيمية والعسكرية لـ«حزب العمال الكردستاني» وتزايد شعبيته في الداخل التركي، ومحاولة أردوغان إحداث «اختراق» في الملف الكردي لكي يحظى باجماع يؤهله الى الترشح للانتخابات الرئاسية في العام 2014، وتمرير مسوّدة الدستور الجديد.

تشكيك في النوايا

«ما ظهر حتى الآن لا يبشر بكثير»، يقول نواف خليل تعليقاً على المسار الذي تسلكه المفاوضات المعلنة بين أنقرة و«الكردستاني».
ويوضح خليل انه «في الوقت الذي كان فيه أوجلان يوجه الرسائل لقادة الحزب والجهات الكرية المعنية، كانت الطائرات التركية تقصف جبل قنديل».
حتى الآن، يتحفظ الجانبان التركي والكردي على الإدلاء بأي تفاصيل بشأن النقطة التي وصلت إليها المفاوضات، بانتظار تحقيق تقدم ملموس.
ولكن، بحسب طارق حمو، فإن «التسريبات التي رشحت من لقاء أوجلان مع نواب حزب السلام والديموقراطية، تظهر أن هناك طرحاً متبادلاً للمطالب».
ويوضح أن «الجانب الكردي ينتظر من الحكومة التركية خطوات جدية من قبيل وقف العمليات العسكرية، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين ( بينهم ستة نواب والعشرات من رؤساء البلديات ومسؤولو «حزب السلام والديموقراطية»)، وتحسين ظروف سجن أوجلان.

فجوات عميقة

ويرى طارق حمو أن «الحكومة التركية لم تغير شيئاً من وجهة نظرها تجاه الملف الكردي، فـ«حزب الحرية والعدالة» يتحدث عن «ضرورة إنهاء الإرهاب» و«نزع سلاح المنظمة الانفصالية»، وهي شعارات توحي بأن الحكومة التركية لا ترغب في تقديم تنازلات.
ومع ذلك، يشير حمو إلى أن ثمة «مرونة» يبديها الجانب التركي في الخفاء لكي لا يتم «جرح الشعور القومي التركي» بذكر عبارات مثل «الحكم الذاتي» أو «الاعتراف باللغة الكردية».
هذه «المرونة»، بحسب حمو، يمكن اختصارها بموافقة الحكومة على توسيع صلاحيات المجالس المحلية، وتسليم رئيس البلدية المنتخب صلاحيات القائمقام، وايجاد صيغة دستورية لاعادة تعريف المواطن في الجمهورية التركية، بحيث تصبح تركيا «وطنا لجميع مواطني الجمهورية» بدلاً من مقولة أن «كل من يعيش على أرض الجمهورية هو تركي».
في المقابل، فإن لدى الجانب الكردي، وفقاً لحمو، مطالب واضحة، وهي الاعتراف بصيغة من الحكم الذاتي الموسع الصلاحيات، والاعتراف الدستوري بالهوية الكردية، وقبول اللغة الكردية لغة رسمية في مناطق كردستان، والافراج عن كل المعتقلين السياسيين، واطلاق سراح أوجلان – أو تحديد اقامته في منزل خارج السجن على الأقل – واصدار عفو عام غير مشروط، وضمان عودة كوادر الحزب الى مناطقهم ومشاركتهم في الحياة السياسية.
لكن «الكردستاني» لا يبدو مستعداً للقبول بمطلب تسليم السلاح، وهذا ما شدد عليه أوجلان أكثر من مرة، مقترحاً في المقابل تحويل القوات العسكرية الكردية إلى «قوات شرطة تحافظ على الأمن في اقليم كردستان». ولعل الرفض الكردي لمطلب تسليم السلاح سببه التشكيك بالنوايا التركية، عدا ان الأكراد يرون أن ثمة حاجة للسلاح والقواعد العسكرية في جبال قنديل، ما دام ان حزباً شقيقاً هو «حزب الحياة الحرة» ما زال يقاتل لتحقيق المصالح الكردية في إيران.
كل هذا يوحي، بحسب حمو، ان «هناك فجوات كبيرة بين تصور كل من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني».
يبقى أخيراً السؤال: ما التداعيات المحتملة لأي فشل في المفاوضات؟
يبدو الأكراد حازمين في هذا الأمر: «حزب العمال الكردستاني سيستكمل خططه الموضوعة للعام 2013 من دون تغيير… وقد يلجأ خلال الصيف المقبل الى شن سلسلة من الهجمات النوعية ضد القوات التركية في كردستان»، يقول طارق حمو.
ينطلق حمو في ذلك من أن الموقف الكردي قوي الآن، إذ برغم كل حملات الاعتقالات والتضييق في الداخل، والعمليات العسكرية في الخارج… وبرغم تجنيد تركيا لبعض فصائل المعارضة السورية لإضعاف «حزب الاتحاد الديموقراطي» – والتأثير بالتالي على «الكردستاني» – فإنّ الصدام مع الأكراد «سيكون مكلفا ومعيقاً لخطط أردوغان في تشديد قبضته على السلطة في تركيا».

وسام متى
“السفير” – 12/3/2013

Instagram @ wmattablog

Instagram has returned invalid data.