تكامل الطاقة في أميركا اللاتينية: النفط في خدمة الفقراء

في بداية العام 2003، وبينما كان شعب أفغانستان يحاول أن يستوعب التدخل الأميركي، وفي الوقت الذي كانت فيه التهديدات تستهدف الشرق الأوسط، والتي ما لبثت أن تحوّلت بسرعة إلى واقع عنيف أفضى إلى احتلال أنغلو ـ أميركي للعراق، بدأ يتشكل في مقر نائب وزير الخارجية الفنزويلي اريبالو منديز روميرو فريق عمل معني بدراسة مشاكل الطاقة عالمياً وتأثيراتها المحلية.
وعلى مدى تسعة أشهر عكف فريق من الخبراء والأكاديميين على مناقشة نتائج التدخل الأنغلو ـ أميركي في العراق وانعكاساته على منظمة الدول المصدّرة للنقط (أوبك)، وخلص إلى وضع سياسات نفطية خاصة بأميركا اللاتينية تضمن التكامل الاقتصادي والسياسي بين دول القارة الجنوبية
تلك كانت نقطة الانطلاق لمشروع طموح على مستوى سياسات الطاقة، تناولته الخبيرة الفنزويلية لشؤون الطاقة لولولا هيرنانديز بارباريتو في كتاب ترجمته السفارة الفنزويلية في لبنان، وهو بعنوان «بتروأميركا: تكامل الطاقة في أميركا اللاتينية والكاريبي» (نقله إلى العربية كاثرين نهرا وديانا لبكي).
تقول هيرنانديز، في مقابلة مع «السفير»، ان تكامل الطاقة في أميركا اللاتينية أمر نص عليه الدستور الفنزويلي، وهو ما يشير إلى الأهمية القصوى التي يوليها نظام الرئيس هوغو تشافيز لهذه المسألة في إطار مشروعه المعروف بـ«اشتراكية القرن الحادي والعشرين»، والهدف هو «إيجاد إطار تكاملي بين فنزويلا وبقية دول أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي لتحقيق التنمية».
وتشير هيرنانديز إلى أن مشروع التكامل اللاتيني يستند في الأساس إلى ركيزتين: الأولى، هي «البديل البوليفاري لأميركا اللاتينية، المعروف اختصاراً باسم «ألبا» والذي أطلقته فنزويلا وكوبا في العام 2005، وانضمت إليها في ما بعد نيكاراغوا وبوليفيا والإكوادور، بينما ينتظر أن تنضم إليه لاحقاً دول كاريبية أخرى مثل سورينام وهايتي وسانتا لوسيا. أما الركيزة الثانية، فهي مشروع «بتروكاريبي» الذي انطلق في العام 2005، كإطار مؤسساتي يتكامل بدوره مع مشروع «بتروأميركا»، التي تشمل كافة دول أميركا الجنوبية باستثناء كولومبيا والبيرو المرتبطتين مع الولايات المتحدة في اتفاقية للتجارة الحرة.
يشمل مشروع «بتروكاريبي» حالياً 18 دولة هي فنزويلا، كوبا، نيكاراغوا، انتيغوا وباربودا، باهاماس، بيليز، جمهورية الدومينيكان، غرينادا، غويانا، جامايكا، سانتا لوسيا، هايتي، سورينام، غواتيمالا، وباقي دول منطقة الكاريبي، باستثناء ترينيداد وتوباغو.
لكن مشروع تكامل الطاقة لا يقتصر، بحسب هيرنانديز، على «ألبا» و«بتروكاريبي»، إذ توضح أن ثمة اتفاقات ثنائية مبرمة بين فنزويلا ودول لاتينية أخرى كالبرازيل والباراغواي والأوروغواي والأرجنتين. وتضرب على ذلك أمثلة عدة من بينها اتفاقية كاراكاس التي تمنح تسهيلات ميسرة في دفع أسعار النفط المستورد بحيث تسمح بتسديد قيمة الصادرات النفطية لفترات تصل إلى 15 عاماً (مع الالتزام بأسعار السوق المحددة من قبل منظمة «أوبك»)،أو تسديد قيمة هذه الصادرات عبر خدمات متبادلة.
وعلى هذا الأساس، توضح هيرنانديز، تصدّر فنزويلا النفط إلى كوبا في مقابل الحصول على خدمات في مجال الصحة والتعليم والتأهيل الرياضي وإدارة المصافي، وهو ما ينطبق على الإكوادور (مشاريع مشتركة في مجال الصناعة البتروكيميائية)، والأرجنتين (مشاريع مشتركة للتنقيب عن النفط)، وكولومبيا (خطوط أنابيب مشتركة)، والبرازيل (مشاريع لاستخراج النفط الثقيل)… الخ.
وتشير هيرنانديز إلى أن جزءً كبيراً من عائدات هذه المشاريع يستثمر في مشاريع للتنمية الاجتماعية (الصحة، التعليم، البنى التحتية، الزراعة، الطاقة البديلة)، وهي تشمل أيضاً عمليات تخزين للنفط لدى الدول الأكثر فقراً في القارة، بما يؤمن استقلالها الاقتصادي والسياسي واكتفاءها الذاتي على المستوى النفطي.
الأهم في هذه المشاريع، تضيف هيرنانديز، أنها تقوم على دور بارز للقطاع العام والشركات الوطنية دون سواها، وذلك بهدف تكريس استقلال دول أميركا اللاتينية والكاريبي عن الشركات المتعددة الجنسيات والمؤسسات الاقتصادية والمالية النيوليبرالية.
وإلى جانب هذه المبادرات، تلفت هيرنانديز إلى أن ثمة أطر إقليمية أوسع نطاقاً تم تشكيلها لتحقيق عملية التكامل في القارة اللاتينية، ومن بينها اتحاد دول أميركا الجنوبية («أوناسور») كإطار سياسي يشمل كل دول أميركا اللاتينية، والسوق المشتركة لدول أميركا الجنوبية («ميركوسور») كإطار اقتصادي لتعزيز التجارة التكاملية، ومصرف «بانكو ديل سور» الذي يهدف إلى تحرير دول أميركا الجنوبية من التبعية لصندوق النقد والبنك الدولي، ومجموعة «سيلاك» التي تضم دول الأميركيتين باستثناء الولايات المتحدة وكندا، والتي شُكلت لمواجهة «منظمة الدول الأميركية» التي تهيمن عليها واشنطن.
ولكن هل يمكن لهذه المبادرات أن تؤدي إلى نشوء اتحاد أميركي لاتيني على غرار الاتحاد الأوروبي؟ تجيب هيرنانديز إن «ثمة تشابه بين حالتي الاتحاد الأوروبي الذي ساهم الفحم الحجري في إنشائه، وبين تجربة التكامل في أميركا اللاتينية التي يتم تحفيزها انطلاقاً من الموارد النفطية». وتضيف «نحن نسعى لاتحاد كهذا، وإنما على أسس مختلفة، تأخذ في الاعتبار تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية بما يحقق السلام الإقليمي والعالمي».
يبقى السؤال حول مدى ارتباط هذه التجربة بنظام الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز. تقر هيرنانديز بأن أي تغيير في السلطة السياسية في فنزويلا سيؤثر سلباً على مشروع التكامل… وتختم قائلة «لهذا السبب نتمسك بتشافيز».

وسام متى
“السفير” – 01/12/2012

Instagram @ wmattablog

Instagram has returned invalid data.