توقعات مبكرة لانتخابات مصر: غالبية لـ«الإسلاميين»… والفلول!

كثيرة هي الهواجس التي تجول في خاطر المصريين قبل نحو اسبوعين على بدء الجولة الأولى في انتخابات مجلس الشعب في الثامن والعشرين من تشرين الثاني الحالي، والتي تعد حجر الزاوية في عملية التحول السياسي بعد ثورة 25 يناير.
ولعلّ ما يضفي طابعاً حساساً على تلك الانتخابات يكمن في نواحٍ عديدة، أبرزها أن هامش الحرية النسبية الذي تجري في إطاره هذه الانتخابات سيمنح فرصة فريدة للقوى السياسية لكي تحدد حجمها الحقيقي في الشارع، وخصوصاً أن التصويت سيكون بحسب الرقم القومي، وليس البطاقة الانتخابية، كما كان الوضع في السابق، وإن كان ثمة اعتقاد لدى الجميع بأن ما ستفرزه هذه الانتخابات من نتائج لا يمكن الركون إليه كمعيار ثابت، بالنظر إلى الزئبقية التي يتسم بها المزاج السياسي للشارع المصري، وهو ما تظهره العديد من استطلاعات الرأي المحلية والعالمية.
ومن ناحية ثانية، فإن هذه الانتخابات تمثل نقطة محورية في الطريق الوعر الذي تسير فيه المرحلة الانتقالية، ذلك أن المهمة الأولى للبرلمان المقبل ستكون وضع دستور جديد للبلاد تجري على أساسه انتخابات الرئاسة، وفق نظام سياسي سيحدده هذا الدستور، وقد يكون رئاسياً أو برلمانياً أو نصف رئاسي.
وعلى قدر الأهمية التي تكتسبها الانتخابات المقبلة، تأتي هواجس المصريين هذه الأيام، سواء بالنسبة للقوى السياسية ذات التوجهات المتناقضة والمتداخلة، أو شباب الثورة الذين يشعرون بأن جهات عديدة تحاول اليوم استغلال نضالهم في إطار البازار الانتخابي الرخيص، أو المواطن المصري العادي، الذي ينتابه شعور دائم بالقلق إزاء أمنه ولقمة عيشه.
ونادراً ما تصادف مصرياً، في سيارة الأجرة، أو في محطات المترو، أو في المقاهي الشعبية، إلا ويشعرك بذلك القلق، وإن كان التفاؤل بمستقبل البلاد يبقى الحاضر الدائم في حديثه. وربما يكون هذا القلق قد جعل مظاهر عيد الأضحى في شوارع القاهرة مختلفة هذا العام، حيث بدت حركة الناس، باستثناء اليوم الأخير قبل إجازة «العيد الكبير»، أقل بكثير من وتيرتها المعتادة في أيام كهذه.
يفسر أحد الباعة الجوالين في ميدان التحرير هذا الهدوء النسبي الذي شهدته شوارع القاهرة في ثاني أيام العيد قائلاً إن «الناس ما لهاش نفس تعيّد»، مضيفاً، وهو يشير بيديه إلى أنحاء الميدان، «كل هذه المنطقة كانت مليئة بالناس خلال العيد الماضي، أما اليوم فالجميع فضّل أن يمضي العيد في منزله».
تسأله عن السبب فيجيب «الوضع المعيشي صعب هذه الأيام، ومن لديه قرش واحد ربما يسعى لتوفيره للأيام السوداء المقبلة»، وقبل أن تغادره، يختم حديثه معك بعبارة تتكرر كثيراً على لسان كل المصريين: «ربنا يعدّي الأيام الجاية على خير».
هذا القلق المتفشي في الشارع المصري تعززه آراء العديد من الصحافيين والناشطين والسياسيين، الذين يخشون من أن تتحول الانتخابات إلى فرصة يقتنصها فلول الحزب الوطني المنحل لتصفية حساباتهم مع قوى الثورة من جهة، أو مناسبة لبعض القوى الإسلامية المتشددة لاستعراض عضلاتها، بما يمهّد لتطبيق الحدود الشرعية التي يبشّر بها العديد من رموز تلك القوى في هذه الأيام، حتى أن أحد الكتاب البارزين توقع أن تتوقف الانتخابات في مرحلتها الأولى.
أما في الجانب السياسي، فإن شباب الثورة والقوى المدنية – ليبراليين ويساريين – يبدون الأكثر توجساً تجاه المرحلة الانتقالية، وخصوصاً أن مخاوف جدية تنتاب هؤلاء بشأن حسابات المؤسسة العسكرية، في ضوء ما يتردد عن صفقات جانبية بين العسكر والإسلاميين برعاية أميركية، ونوايا مبيتة لدى المجلس العسكري للإمساك بالسلطة، وإنتاج نظام شبيه بالنظام السابق، مع بعض الإجراءات التجميلية.

456ar7e89rqسيناريوهات انتخابية
وبالرغم من الضباب الذي يلف المرحلة الانتقالية، والغموض الذي يحيط بخيارات المؤسسة العسكرية، فإن ثمة انطباعاً عاماً لدى النخب السياسية والإعلامية بأن التيار الإسلامي، وخصوصاً جماعة «الإخوان المسلمين»، ستتصدر المشهد السياسي في مرحلة ما بعد الانتخابات، ذلك أن إمكاناتها المادية والتنظيمية، ستسمح لها بالحصول على حصة الأسد في البرلمان الجديد، وإن كانت التوقعات متفاوتة عندما يتعلق الأمر بتحديد نسب هذه المقاعد البرلمانية.
لعل أمراً كهذا يشكل اليوم مصدر قلق لمجمل القوى السياسية التقليدية والناشئة. ولكن هذا القلق يتحول إلى شعور بالخطر الداهم، عند الحديث عن المرشحين المحسوبين على الحزب الوطني المنحل. ويرى البعض أن هؤلاء «الفلول» سيشكلون القوة الأولى أو الثانية في البرلمان، لكنهم يشيرون، في المقابل، إلى أنهم لن يكونوا قادرين على إعادة إنتاج هذا الحزب بشكله القديم.
يقر القيادي في الحزب الشيوعي المصري عصام شعبان بأن «الوضع صعب للغاية»، بالنظر إلى الغموض الذي تتسم به المرحلة الانتقالية. ويقول شعبان لـ«السفير» إن «ثمة صعوبة في أن يحدد المرء وجهة الثورة بشكل دقيق»، لافتاً إلى أن «التوقعات قد تكون سهلة عندما يتعلق الأمر بوضع ثابت… أما في وضع متحرك كالذي تمر به مصر هذه الأيام فثمة استحالة في رصد قوانين الثورة».
ولذلك، يرى شعبان أن «كل ما تراه في الشارع، أو ما ترصده في وسائل الإعلام، لا يمثل حقيقة الموقف»، مشدداً على أن كل القوى السياسية، بمن في ذلك الإسلاميون والفلول، «لا تمثل أي شيء يذكر داخل المجتمع المصري».
ويوضح «قد ترى الإسلاميين منتشرين بكثرة في الشارع، ولكن الناس ستغلب مصالحها عند القضايا المصيرية»، لافتاً إلى أن هذا ما تبدّى في الحركات الاحتجاجية ذات الطابع المطلبي، كالتظاهرات التي قام بها المعلمون، والتي دعت إليها قلة، ووجد الناس أنها تعبر عن مطالبهم، فكان أن خرج ما يزيد عن 120 ألفاً إلى الشارع، في الوقت الذي أخفقت العديد من القوى السياسية البارزة في تحريك بضعة آلاف.
ويشدد شعبان على أن الانتخابات المقبلة «لن تعكس حقيقة موقف المصريين وخياراتهم السياسية على المدى البعيد»، خاصة أن معظم القوى السياسية «لم تحدد موقفها من القضايا السياسية والاقتصادية الكبرى»، ولذلك فإن «الناس تراقب الآن، وستحدد وجهتها عندما تكشف تلك القوى السياسية عن حقيقة برامجها»، عندها «لا أستبعد أن يثور الشعب ضد المجلس الجديد، وربما يقتحمونه ويحرقونه، وهو سيناريو كاد أن يحدث عام 2010».
برغم ذلك، يتوقع شعبان أن يفوز الإسلاميون وفلول الحزب الوطني بأكثر من 70 في المئة من مقاعد البرلمان، عازياً سبب ذلك إلى عوامل عديدة، من بينها أن «حسابات الانتخابات مختلفة عن حسابات الثورة»، حيث ما زالت علاقات القرابة العائلية والعصبيات القبلية هي السمة البارزة للانتخابات، وهو واقع لن تستطيع الثورة كسره قبل فترة طويلة، فضلاً عن أن ثمة ميلاً لدى القوى السياسية لاختزال الانتخابات بالثنائي الليبرالي والإسلامي، في الوقت الذي كان يجب أن تقوم فيه الانتخابات على أساس صراع بين برامج واضحة.
بدوره، يعتبر الصحافي في جريدة «الأهرام» محمد قزاز أن «الرؤية الانتخابية في مصر ما زالت ضبابية». ويقول قزاز لـ«السفير» إن «من ميزات الثورة أنها جعلت كل القوى السياسية تطفو على سطح الحياة السياسية، فقد برزت عشرات الأحزاب على الساحة السياسية، وتلك الطفرة تحتاج إلى وقت – ربما علينا الانتظار حتى يأتي موعد الانتخابات المقبلة – لكي تصبح الحياة السياسية قائمة على أسس مستقرة».
ويشدد قزاز على أن «لا أحد في مصر يمتلك رؤية محددة بالنسبة للانتخابات، بما في ذلك كبرى مراكز الدراسات الانتخابية»، مشيراً إلى أن «الأحزاب السياسية نفسها لا تعلم إلى أين هي متجهة».
إسلاميون ومدنيون
إذا استطلعت رأي النخب السياسية والإعلامية والشبابية، وأضفت إليهم بعض التوقعات الآتية من الناشطين في المحافظات، يمكنك أن تستنج بحسبة رياضية بسيطة، أن متوسط التوقعات تشير إلى أن نتائج الانتخابات ستتوزع على النحو التالي: 30 – 40 في المئة للإسلاميين، 40 في المئة للمرشحين المرتبطين بالحزب الوطني، أما الباقي فيتوزع بين ليبراليين ويساريين ومستقلين.
نتيجة كهذه تشكل مصدر قلق بالنسبة لأنصار الدولة المدنية، خصوصاً في ظل الخطاب المتشدد الذي يطرحه العديد من مرشحي التيار الإسلامي، بمن في ذلك مرشحو الإخوان، إزاء مجمل القضايا السياسية والاجتماعية، ناهيك عن الغزل الواضح بين هؤلاء الإسلاميين والإدارة الأميركية.
يرى نبيل زكي، وهو ممثل حزب «التجمع» في «الكتلة المصرية» التي تضم أحزاب «التجمع» و«المصريين الأحرار» و«المصري الديموقراطي الاجتماعي»، أن القلق من الإسلاميين لم يعد مقتصراً على الأقباط، كما كان الوضع في السابق، إذ ثمة شرائح كبيرة تخشى أن يصل هؤلاء إلى الحكم.
وبرغم هذا القلق، فإن زكي ليس متشائماً تماماً، إذ يوضح أن هناك مليوني ناخب قبطي، إذا خرجوا من سلبيتهم، وانضم إليهم 15 مليون صوفي، و7 ملايين من المواطنين المرتبطين بقطاع السياحة، والذين يدركون أن مصالحهم ستتضرر في ظل حكم الإسلاميين، ناهيك عن أنصار القوى المناهضة للتيار الأصولي، فالتوقعات بفوز هذا التيار قد تنقلب رأساً على عقب.
ولذلك، يضيف زكي، فإن الرهان يبقى على ارتفاع نسبة مشاركة المواطنين في الانتخابات، موضحاً أنه «بقدر ما ترتفع نسبة الإقبال على التصويت، بقدر ما ستتراجع فرص التيار الإسلامي المتشدد».
من جهة ثانية، يرى زكي أن ثمة مشكلة داخل القوى المدنية نفسها، موضحاً أن «المشكلة ليست في أن الإسلاميين أقوياء، بل في أن القوى المناصرة للدولة المدنية منقسمة على نفسها، سواء تعلق الأمر بالكتلة المصرية، أو بقوى اليسار التي تشظت إلى أحزاب عديدة».
قواعد سياسية جديدة
في مقابل الإرباك الذي تتسم به معظم التحليلات السياسية في مقاربتها للعملية الانتخابية، تبدو توقعات رئيس تحرير جريدة «الشروق» عمرو خفاجة أكثر تنظيماً وهدوءاً. يقول خفاجة لـ«السفير» إن «الاستفتاء الأخير على التعديلات الدستورية أبرزت القوى الإسلامية كغيرها من القوى، ولكن برغم البروز الحاد للإسلاميين في وسائل الإعلام، فإن الشارع لا يؤيدهم بالدرجة التي قد يتصورها البعض، مشيراً إلى انه في أفضل الأحوال لن يحصل الإخوان والسلفيون وغيرهم من قوى الإسلام السياسي على أكثر من 35 في المئة من المقاعد، علماً بأن ثمة خلافات حقيقية في ما بينهم، بالرغم من اتفاقهم على الخطاب الذي يغازل جماهيرهم، وهو تطبيق الشريعة».
ويرفض خفاجة إسقاط نتائج الاستفتاء الأخير على العملية الانتخابية الحالية، لجهة النتائج، مشيراً إلى أن هذا الاستفتاء لم يكن بين إسلاميين وغير إسلاميين، إذ أن قوى كثيرة صوتت بـ«نعم» للإسراع في انتقال الحكم من المجلس العسكري إلى سلطة مدنية.
من جهة ثانية، يرى خفاجة أن «ثمة قوى أخرى فاعلة في المشهد الانتخابي، وتتمثل في ما يطلق عليهم اسم «الفلول»، وهم قوى ليسوا بالضرورة مرتبطين بأفكار الحزب الوطني، بل إنهم ينتمون إلى عائلات تسعى للحصول على مقعد في البرلمان منذ ما قبل ثورة عام 1952»، متوقعاً أن يحصل هؤلاء على نصيب كبير في البرلمان، قد يوازي «الإخوان». وبين هؤلاء وأولئك، تبقى القوى اليسارية والليبرالية التي يرى خفاجة أنها «ستكون الصوت الحقيقي في البرلمان»، مشدداً على أن «الرهان يبقى على هذه القوى لتقود البلاد نحو التغيير».
من وجهة نظر خفاجة، فإن المهم في الفترة الحالية هو إنهاء المرحلة الانتقالية بسرعة، أما في ما عدا ذلك، من حكومة قد تشكلها هذه القوة أو تلك، وحتى مسألة الدستور، الذي يرى أن كل ما يثار من خلافات حول بنوده لا يعدو كونه مادة للمزايدة الانتخابية – باعتبار أن الدستور الجديد لن يختلف عن دستور عام 1971 سوى في تحديد شكل النظام السياسي بين أن يكون برلمانياً أو رئاسياً – ولذلك فهو يرى أن طبيعة العلاقة بين القوى السياسية ستتضح بعد الانتخابات، عندما يدرك الجميع وزنه الحقيقي، وهو ما سينعكس على طبيعة العلاقة بين المجلس العسكري، الذي سيتخلى بعد الانتخابات عن سلطته التشريعية، وبين تلك القوى.
بذلك، تبدو المرحلة الانتقالية في مصر أشبه بعملية جراحية، قد يرافقها نزف هنا، وقطع ولصق هناك، ولهذا فإن الجميع بانتظار اللحظة التي ينهي فيها الجرّاح عمله… وحينها فقط سيتضح ما إذا كانت تلك العملية قد نجحت، وتعافى المريض، أو أنها قد فشلت، وعندها سيكون من المؤكد أن الحيوية التي يتمتع بها المجتمع المصري كفيلة بإيجاد أشكال أخرى من العلاج.

“السفير” – 17/11/2011

فليكر