ثـورة مصـر بين عاميـن: مـاذا سـقط من النـظام؟

بعد عام على انطلاق ثورة «25 يناير»، ما زال المصريون منقسمين حول سؤال جوهري: «هل سقط النظام فعلاً؟».
ولعلّ الإجابة عن هذا السؤال تفتح الباب أمام كمّ من الأسئلة التفصيلية والمتشعبة: إذا كان النظام قد سقط فعلاً، فهل ثمة نظام جديد قد بدأ يتكون على أنقاض النظام البائد؟ وما هي طبيعته؟ أما إذا لم يسقط بعد، فما المطلوب لإسقاطه؟ وكيف يكون ذلك؟
ولعلّ أبرز مظاهر هذا الانقسام تتبدى اليوم في أن كلا في مصر قد اختار إحياء الذكرى الأولى لانطلاقة الثورة على طريقته، فالمجلس العسكري، ومعه «الإخوان المسلمون» والسلفيون وبقايا الحزب الوطني المنحل، أرادوها «احتفالية» كرنفالية، فيما أصرت القوى الثورية على أن تكون هذه المناسبة محطة جديدة للتأكيد أن ثمة حاجة لـ«ثورة ثانية» ما دام أن التغيير الحقيقي لم يحدث بعد.
وبين هذا وذاك، ثمة من يرى أن تغييراً مفصلياًً قد حدث في مصر خلال العام الماضي، وهو أن الشعب المصري تمكّن أخيراً من «كسر حاجز الخوف»، ولذلك فإن المدافعين عن هذا الرأي يعتبرون أن التغيير الحقيقي لا يمكن أن يحدث خلال بضعة أشهر، وخصوصاً إذا كان الحديث يدور عن نظام عاث فساداً سياسياً واقتصادياً ومجتمعياً طوال أكثر من ثلاثين عاماً.
25 يناير: بين الثورة والإصلاح
عندما تنحى الرئيس المخلوع حسني مبارك عن الحكم في الحادي عشر من شباط الماضي، كان سقف التوقعات مرتفعاً على جميع المستويات. انتظر المصريون إجراءات حازمة للخروج من دوامة الفقر المدقع… أمل الناشطون في أن يسود مناخ من الديموقراطية الفعلية بعد عقود من القمع… وكان ثمة انطباع بأن مصر جديدة قد ولدت تحت شعار «الجيش والشعب إيد واحدة».
ولعلّ ما حدث خلال الأيام التي تلت السقوط المدوّي لمبارك قد عزز هذا الشعور، فقد أدى أحد الجنرالات التحية لشهداء الثورة أمام الملايين من مشاهدي القنوات التلفزيونية، وتعهّد المجلس العسكري بمحاكمة الفاسدين، وبإصلاحات جذرية لتطهير أجهزة الإدارة والأمن والإعلام، كما نفى أي نية لديه للبقاء في السلطة بعد انتخاب رئيس جديد للبلاد.
ولكن ما كادت نشوة الانتصار تتلاشى حتى بدأت الحقيقة المرّة تتضح. فقد أصر المجلس العسكري على بقاء أحمد شفيق، آخر رئيس حكومة في عهد مبارك، في تولي منصبه، كما رفض المطالبات بإقالة العديد من أعضاء الحكومة من المحسوبين على العهد السابق ـ وخصوصاً وزراء الداخلية والخارجية والعدل ـ حتى بلغ الأمر حد التفكير في ترشيح أمثال مصطفى الفقي ومفيد شهاب، وهما من رموز العهد السابق، لمنصب الأمين العام للجامعة العربية خلفاً لعمرو موسى.
في هذا الوقت، كانت خريطة الطريق لمرحلة ما بعد الثورة تمضي بعكس ما تشتهيه رياح الثوار، بعدما أظهرت خطوطها العريضة بأن المجلس العسكري ينظر إلى الأيام الثمانية عشر التي هزّت مصر باعتبارها حركة احتجاجية حققت له مكسباً، وهو إلحاق الهزيمة بمشروع التوريث، أكثر منها ثورة شعبية تسعى للتغيير الشامل، فكان الاستفتاء على التعديلات الدستورية، التي صاغتها لجنة يرأسها مقرّب من التيار الإسلامي وعضواً ينتمي إلى «الإخوان»، والذي انتهى إلى تكريس ما يريده الإسلاميون ـ وأيّدهم في ذلك فلول الحزب الوطني ـ بأن تجرى «الانتخابات أولاً»، أي قبل وضع الدستور، وهو أمر نادراً مع حدث في الدول التي عرفت ثورات مشابهة لثورة الخامس والعشرين من يناير.
بذلك، تأكد مَن لم يتأكد بعد أن الثورة لم تنته، فكانت المليونيات المتلاحقة كل يوم جمعة، ولكل واحدة مطلبها، بدءاً بإقالة أحمد شفيق مروراً بمحاكمة القتلة والفاسدين وصولاً إلى حل جهاز أمن الدولة… الخ.
وفيما سعى المجلس العسكري بداية إلى التخفيف من الاحتقان الشعبي، عبر الاستجابة لبعض مطالب الثوار ـ ولو جزئياً ـ فإن الأمور بدأت تتخذ منحى مختلفاً ابتداءً من النصف الثاني من العام المنصرم، إذ وصلت إلى ما يشبه إعلان الحرب على شباب الثورة، وقد بلغت ذروتها في المواجهات التي شهدتها مناطق العباسية وماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء، وفي إحالة ما يزيد على 12 ألف مواطن، بينهم ناشطون بارزون، إلى المحاكمات العسكرية.
ويمكن القول إنه منذ تشكيل حكومة عصام شرف ـ الذي أصر على اخذ شرعيته من ميدان التحرير في ما اتضح لاحقاً أنه شكل من أشكال المناورة السياسية ـ بدا أن النظام الجديد قد حوّل الثورة إلى مجرد حركة إصلاحية محدودة، فاستمرت آليات النظام القديم، وإن ببعض الوجوه الجديدة، فكان التقاعس عن إصدار قانون العزل لفلول الحزب الوطني، وتفصيل قانوني الأحزاب والانتخابات على قياس القوى الحليفة، كما استمر العمل بقانون الطوارئ، وظلت السياسات الاقتصادية على حالها، مع فارق وحيد.
وانطلاقاً من كل ما حدث خلال الأشهر التي تلت تنحي مبارك، بات ممكناً التسليم بما يقوله كثيرون اليوم من أن ما أسقطته ثورة 25 يناير هو رأس النظام وليس هيكله.
وفي هذا الإطار، يقول مدير التحرير في جريدة «الشروق» المصرية وائل جمال لـ«السفير» إن «ما قامت به الثورة كان إسقاط النخبة التي حكمت مصر خلال الأعوام الثلاثين الماضية ـ والتي تغيرت طبيعتها خلال السنوات العشر الماضية ضمن إطار التحالف بين جمال مبارك ورجال الأعمال ـ أي أنها طالت قشرة النظام ولم تفضي إلى ضرب شبكة المصالح المرتبطة به».
ويوضح جمال أن الثورة المصرية هي «ثورة سياسية بروح اجتماعية»، وهو ما تبدّى في شعارها الرئيسي «عيش… حرية… عدالة اجتماعية»، ولكننا إذا نظرنا إلى السياسات الاقتصادية ـ الاجتماعية المتبعة اليوم، لا نرى أي اختلاف جوهري مع تلك التي كانت قائمة خلال عهد مبارك.
ويضيف جمال «بالرغم من أن عدداً من رجال الأعمال الذين استفادوا من النظام السابق قد دخلوا السجن في قضايا فساد، إلا أن النخبة الاقتصادية المرتبطة بهذا النظام ما زالت مسيطرة على جهاز الدولة، وهذا ما يفسر عدم حدوث أي تغييرات مهمة، سواء على المستوى الأمني أو على المستوى الاقتصادي الاجتماعي».
ويشدد جمال على أن غالبية المصريين لم تشعر بأي تغيير على المستوى الاقتصادي الاجتماعي بعد الثورة، وهو ما تظهره استطلاعات الرأي، واستمرار التحركات المطلبية التي تقوم بها قطاعات عديدة في المجتمع المصري.
ويرى جمال أن المجلس العسكري الحاكم يتحمل الجزء الأساسي من المسؤولية عما يحدث، وذلك لعدم اتخاذه قرارات جذرية في ما يتعلق بالسياسة والاقتصاد والأمن»، وهو أمر يعيده جمال إلى جانبين، الأول هو العجز عن اتخاذ قرارات، بمعنى عدم وجود النية لذلك، والثاني هو الاستفادة من الوضع الراهن، وخصوصاً في ما يتعلق بتردّي الوضع الأمني، لخلق نفور بين الشعب وشباب الثورة.
من جهته، يقول الناشط الناصري سمير لطيف لـ«السفير» إن «ما سقط من النظام القديم هو رموزه، وهذا شيء غير كافٍ»، موضحاً «صحيح أن حسني مبارك وأبناءه وأركان نظامه، أمثال صفوت الشريف وأحمد عز، قد أصبحوا داخل السجون، إلا أن سياسات النظام السابق مازالت متجذرة في كل مفاصل الدولة من القمة إلى القاع».
ويستغرب لطيف كيف أنه «بعد الثورة ما زالت مصانع الحديد الرئيسية في مصر تحمل اسم (حديد عز)، وتصب أرباحها في حساباته، وهو أمر ينطبق على العديد من المشاريع التابعة لمن كانوا يشكلون أركاناً رئيسية في النظام السابق».
ويؤكد لطيف «أننا أمام نظام لم يسقط بعد بل هو نظام آيل للسقوط»، مشدداً على أن «القضاء على هذا النظام يبدو عملية صعبة، ولكنها غير مستحيلة في حال توافرت إرادة ثورية حقيقية ورقابة شعبية فعالة».
بدوره، يقول الصحافي في جريدة «الأهرام» محمد قزاز لـ«السفير» إن «النظام في مصر شبكة عنكبوتية، وهو ما زال قائماً، سواء من خلال الاجتماعات التي تجري في سجن طرّه ـ حيث ينظر اليوم إلى سوزان مبارك باعتبارها صلة الوصل بين الرئيس المخلوع ونزلاء هذا السجن ـ أو من خلال الخيوط الخارجية وهي ليست واهية كبيت العنكبوت».
ويشدد قزاز على أن «النظام لن يسقط طالما أن رموزه موجودون في مكان واحد، وطالما لم يتم تفريقهم أو عزلهم في السجون، وذلك من خلال الحبس الانفرادي، ومنع الزيارات عنهم، ومعاملتهم بذات الطريقة التي كانوا يعاملون من خلالها الناشطين السياسيين والإسلاميين».
ويعرب قزاز عن اعتقاده بأن «النظام باق ببقاء العسكر». ويعيد التذكير بـ«مانشيت الصحف في أوائل شباط الماضي، حين اجتمع عمر سليمان بالقوى السياسية والشبابية وخرج ليقول إما الحوار وإما الانقلاب»، متسائلاً «ماذا يٌفهم من ذلك؟ أهو انقلاب العسكر أم ماذا؟». ويذكر القزاز كذلك بما قيل وقتها عن «قوى خارجية وبلطجية ومندسين»، ويتساءل «هل تغيرت هذه اللغة؟»، ليخلص بذلك إلى القول بأن «ما بقي من النظام هو مفاصله وليس ذيوله».
وتتفق الناشطة والمدوّنة ميادة مدحت مع هذين الرأيين، إذ تقول لـ«السفير» إن «ما سقط من النظام كان أحد أقنعته، وليس الرأس كما يقول البعض، فالرأس والجسد لا يزالان موجودان، إذ رحل قناع مبارك، وما زال ألف قناع بانتظارنا».
وترى مدحت أن «شباب الثورة أخطأوا عندما تركوا الميدان في الحادي عشر من شباط الماضي، وعندما انقسموا إلى ألف ائتلاف، وعندما جذبتهم أضواء الإعلام، بدلاً من التوجه إلى الناس والعمل بينهم».
كيف يسقط النظام؟
ولكن ما دام النظام لم يسقط برأي القوى الثورية فما السبيل لإسقاطه؟
يرى سمير لطيف، أن مهمة إسقاط النظام بالكامل تتطلب «صياغة عقد اجتماعي تتفق علية كل الأمة المصرية باختلافاتها وتنوعاتها، ويكون منهج نسير عليه لتحقيق أهداف الثورة، التي لخّصتها هتافات الجماهير أثناء الثورة عيش حرية عدالة اجتماعية».
ويؤكد أن «مصر التي صنعت الثورة تحتاج إلى تجميع قواتها والبحث عما يوحّدها، لا عما يفرّقها، وعلينا جميعا أن نقف إلى جانب ثورتنا بأهدافها النبيلة المتمثلة في الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية الحقيقية».
من جهته، يقول قزاز «ربما لا يكون الكثير من أهداف الثورة قد تحقق، وبالتالي فإن علينا إعادة صياغة الأهداف، ومرحلتها، ثم نأتي بوجوه نقيّة، لم تتلوث بالعمل مع النظام السابق».
أما الأخطاء، فهي متعددة، بحسب ما يقول قزاز «بدءا من المجلس العسكري وحساباته، مرورا بالإسلاميين وأهدافهم وفرصتهم التي لن تتكرر، وليس نهاية بالليبراليين الذين وجدوا أنفسهم وسط معركة حلموا بها كثيرا ولم يستعدوا لها، بالإضافة إلى شباب الثورة الذين تفرقوا شيعا وأحزاب».
بدورها، ترى مدحت أن استكمال الثورة يتطلب «انفجار الثورة أفقياً في كل حارة وقرية، من خلال نشر الفكر الثوري»، مشددة على أن «واجب كل ثائر أن يحمل ثورته كالبائع الجوّال ليعرضها في كل زقاق».
وتضيف مدحت إلى ذلك أن «تتحد قوى المعارضة»، وأن «يكون للثورة رأس كما أن للنظام رأس»، و«هدم جميع المؤسسات الفاسدة وإعادة بنائها من جديد، وإعادة هيكلة المؤسسات التي طالها الفساد»، وأن «يكون لدى الثوار خطة مدروسة لما بعد الهدم».
بذلك تبدو مصر أمام تحدي استكمال ثورتها، فإما أن يمضي الثوار قدماً في استكمال ما أنجزوه بين الخامس والعشرين من كانون الثاني والحادي عشر من شباط الماضيين، وإما أن تفوتهم فرصة التغيير إلى سنوات طويلة، خاصة أن القوى التي التحقت بالثورة، أو ركبت على موجتها، للوصول إلى الحكم تبدو اليوم أكثر صلابة من بيت العنكبوت الذي نسجه الحزب الوطني خلال العقود الأربعة الماضية.

“السفير” – 26/01/2012

Instagram @ wmattablog

Instagram has returned invalid data.