جميل باييك لـ”السفير”: توجيهاتنا ضرب “داعش” أينما كان

يخطئ البعض حين يتصوّر ان الحرب بين الاكراد والمجموعات التكفيرية قد بدأت بعد سيطرة “الدولة الاسلامية في العراق والشام” على الموصل، وتقدم باتجاه اقليم كردستان العراق.
في واقع الأمر، خاض المقاتلون الأكراد معارك عنيفة ضد التكفيريين، بدأت قبل نحو عامين، حين حاول “داعش” السيطرة على المناطق الكردية في شمال سوريا، وخصوصاً بلدة رأس العين (سريه كانيه) الاستراتيجية على الحدود السورية – التركية، وقد ووجه التنظيم المتشدد حينها بمقاومة شرسة من جانب “وحدات حماية الشعب” و”وحدات حماية المرأة”، وهي أبرز التشكيلات الكردية في سوريا.
وبالأمس، حقق المقاتلون الأكراد، تقدما واسعا في ريف القامشلي في محافظة الحسكة، إثر اشتباكات بدأت الخميس الماضي، تمكنوا على اثرها، وبمساعدة مقاتلين من عشائر عربية، من استعادة السيطرة على 14 قرية في هذه المنطقة الواقعة في شمال سوريا.
وبين هاتين المحطتين، معارك عدّة خاضها المقاتلون الأكراد، في سوريا كما في العراق، كان ابرزها في كوباني وشنكال ومخمور.
في قلب هذه المعارك، برز دور محوري لـ”حزب العمال الكردستاني”، الذي دخل رسمياً في المعركة ضد “داعش” في آب الماضي، حين وجه دعوة للأكراد إلى حمل السلاح، مشدداً على ضرورة أن ينتفض جميع الأكراد في الشمال والشرق والغرب والجنوب على هؤلاء المسلحين. كما حث كل القوى والتكتلات السياسية الكردية على المشاركة في هذه المعركة كتفاً بكتف.
جاء ذلك استجابة لتوجيهات اطلقها الزعيم التاريخي للشعب الكردي عبد الله اوجلان، من سجنه في ايمرالي، وكان ابرزها رسالة نقلها زواره، وحذر فيها من ان “مجاميع داعش الارهابي يريدون أن يخلقوا خطاً للهجوم على غربي كردستان بعد سيطرتهم الاخيرة على شنكال وتلعفر، لذلك يجب أن يكون للأكراد موقف وطني مشترك تجاه ارهابيي داعش، وعليهم أن يناضلوا معاً، لأن وجود داعش خطر على التعايش الديموقراطي المشترك لشعوب الإقليم”، مشدداً على ان الامر “يتطلب النضال من جميع القوميات من التركمان والسريان والايزيديين وغيرها ضد داعش الارهابي”.
ويؤكد قياديون في “حزب العمال الكردستاني” ان تدخل الحزب لعب دورا حاسما في الحد من تقدم “داعش” في إقليم كردستان، ويبدون ثقة كبيرة في النصر على التكفيريين، الذين لا يمتلكون في واقع الامر، كما يؤكد هؤلاء القياديون، سوى الحرب النفسية، التي تبث الرعب في نفوس كثيرين، ما يحول دون مقاومتهم بالشكل الفعال.
وفي حوار مع “السفير”، يقول رئيس اللجنة القيادية في “حزب العمال الكردستاني” جميل باييك إن “داعش” ليس سوى “مجموعة من المرتزقة ظهرت في الآونة الأخيرة بهذا الاسم الجديد”. ويذكر باييك بأن هؤلاء “المرتزقة” دخلوا في مواجهة ضد “وحدات حماية الشعب” في منطقة غرب كردستان، مستهدفين إرادة الشعب الكردي بشكل خاص.
ويشدد القيادي الكردي على ان “وحدات حماية الشعب” و”وحدات حماية المرأة” لم توفر جهداً لصد هذا الهجوم، حيث منعت “داعش” من تحقيق اهدافه، التي تنطلق، وفقا لما يقول، من “مخططات واستراتيجيات تقف وراءها الدولة التركية وقطر والسعودية بشكل خاص، بالإضافة إلى قوى دولية أخرى”.
ويبدي باييك اعتقاده بأن فشل “داعش” في تحقيق اهدافه ضد شعب غرب كردستان (سوريا)، قد دفعه إلى التوجه نحو العراق، فسيطر على الموصل، وعمد إلى خلق جو دعائي عبر عمليات وحشية احدثت حالة نفسية معيّنة، من قبيل قطع رؤوس النساء والأطفال، وتدمير كل ثقافات الشعوب ومقدّساتها.
ويشير باييك إلى ان قرار “داعش” التقدم نحو اربيل، بعد سيطرته على الموصل، قد خلط كل الاوراق والمخططات، حيث بدا ان التنظيم المتشدد قد وصل الى مرحلة خطرة، دفعت الاميركيين إلى التحرك، واتخاذ تدابير يراها القيادي الكردي “موضوعية” و”جيّدة”، وإن كان يعتقد ان الخطر لن يزول من دون “حل جذري” يقوم على فكرة “دمقرطة” الشرق الاوسط، بما يضمن الحرية والمساواة لكل مكوّناته.
ويعتقد باييك أن “داعش لن يستطيع التقدم اكثر في العراق، وفي اعتقادنا فإن قوته بدأت تشهد تراجعاً”، مشدداً على ان توجيهات “حزب العمال الكردستاني” واضحة، ويلخصها بالتالي: “سنهاجم داعش أينما وُجد، بكل ما لدينا من امكانات، ولن نسمح له بالتقدم وتحقيق اهدافه. وسنكون مستعدين للقيام بنضال مشترك الى جانب كل من يقاوم داعش ويمتلك موقفاً واضحاً إزاءه، وذلك لكي نلحق الهزيمة بهؤلاء المرتزقة، وتصفيتهم، ومحوهم من الوجود”.
ويرى باييك أن “ما وصلت اليه الأمور في سوريا والعراق كان نتاجاً لسياسات القوى الغربية، بما في ذلك الأوروبية، فمصالح تلك القوى كان لها دور كبير في ما نشهده اليوم من أخطار”، معتبراً ان الحرب على الارهاب التي يجري الحديث عنها غير كافية، ما لم تقترن بهدم البنية التي يتكئ عليها “داعش”، وذلك عبر ايجاد حل شامل، من شأنه ان يعالج كافة جذور ازمة الشرق الاوسط على المستوى التاريخي والسوسيولوجي والديني والاجتماعي والسياسي.
وفي ضوء المعطيات الميدانية، لا يستبعد القيادي الكردي ان يتجه “داعش” إلى تركيز عملياته في سوريا، خلال المرحلة المقبلة، لافتاً إلى انه “قام فعلاً بسحب أسلحة متطورة من الموصل إلى سوريا، وسيحارب بها الشعب السوري وبخاصة شعب غرب كردستان، وهذا يمثل خطراً كبيراً”.
ويرى باييك ان “الدور الذي أعطي لداعش بلغ حدّه، ومن المتوقع ان يحاول الاستمرار في لعب هذا الدور داخل سوريا وغرب كردستان، ولكنه لن ينتصر”.
وفي ما يتعلق بالحديث عن محاولات كردية لاقامة دولة مستقلة في شمال العراق، يشير باييك إلى انه “إذا قرر الشعب الكردي في جزء من أجزاء كردستان، بإرادته الحرة ووعيه الحقيقي، طلب إنشاء دولة مستقلة مثل باقي الشعوب في العالم، فهذا حق له من دون ادنى شك”، ولكنه يشدد في المقابل على ان “حزب العمال الكردستاني” لا يرى ان الدولة القومية تمثل حلاً صحيحاً ومناسباً للتحرر والديموقراطية، موضحاً “نحن لا نتبنى خيار الدولة القومية وإنما الأمة الديموقراطية التي تعني العيش المشترك للشعوب والأديان بشكل كونفدرالي”.
ويبدي القيادي الكردي اعتقاده بأن خطر “داعش” زاد الأزمة السورية تفاقماً، وليس حلاً، وتسببَ بمشاكل أكبر، مشيراً إلى ان التدخل الخارجي جُرّب في “جنيف – 1″ و” جنيف -2″، ولم يحقق اي تقدم، والسبب في ذلك ان هذه الجهود لم تسر وفق حل ديموقراطي لسوريا.

وفي الآتي النص الكامل للحوار:

– كيف نتظرون إلى التمدد العسكري الذي حققه “داعش” في سوريا والعراق خلال الفترة الماضية؟
لا يخفى على أحد أن “داعش” هو مجموعة من المرتزقة ظهرت في الآونة الأخيرة بهذا الاسم الجديد. قبل عامين، دخل هؤلاء المرتزقة في مواجهة ضد “وحدات حماية الشعب” في منطقة غرب كردستان، مستهدفين إرادة الشعب الكردي بشكل خاص. ولم توفر “وحدات حماية الشعب” و”وحدات حماية المرأة” جهداً لصد هذا الهجوم، وحماية شعب غرب كردستان، فقد ابدت هذه الوحدات مقاومة كبيرة منعت “داعش” من تحقيق اهدافه، التي تنطلق من مخططات واستراتيجيات تقف وراءها الدولة التركية وقطر والسعودية بشكل خاص، بالإضافة إلى قوى دولية أخرى. ويبدو أن فشل “داعش” في تحقيق اهدافه ضد شعب غرب كردستان قد دفعه إلى التوجه نحو العراق، فسيطر على الموصل، وعمد إلى خلق جو دعائي عبر عمليات وحشية احدثت حالة نفسية معيّنة، من قبيل قطع رؤوس النساء والأطفال، وتدمير كل ثقافات الشعوب ومقدّساتها.
نحن نرى ان “داعش” لم يتصرف بشكل منفرد، إذ استفاد من أجواء عدم الرضا السائدة في العراق لتحقيق اهدافه. ومن المعلوم ان الطائفة السنية في العراق لديها مشاكل حادة مع نظام بغداد، وهناك تواجد كبير لـ”حزب البعث”، كما أن هناك تحريضاً واضحاً لأهل السنّة من قبل أطراف عدة مثل تركيا والسعودية. في ظل هذه الأجواء، تحرّك “داعش” وتمكن من احتلال الموصل.
حتى تلك المرحلة، كان المخطط المذكور اعلاه يسير بشكل طبيعي، ولكن بعد احتلال الموصل، بدا واضحاً ان “داعش” قرر التقدم نحو جنوب كردستان، فاختلطت المخططات، وظهرت حالة نفسية حالت دون مواجهته، فتحوّل إلى إعصار يضرب ويتقدم في كل مكان، لكننا نعتقد ان ذلك لا يعدو كونه تضخيماً دعائياً.
لقد ارتكب “داعش” المجازر بحق الشعب الايزيدي في شنكال، والسبب في ذلك كان غياب المقاومة، وهروب بعض بشمركة “الحزب الديموقراطي الكردي”، وكان واضحاً ان انسحاب تلك القوات كان العامل الرئيسي الذي مكّن “داعش” من ارتكاب تلك المجازر. في المقابل، فإن إرادة “داعش” كُسرت حين تمكنت “وحدات حماية الشعب” و”وحدات حماية المرأة” من فتح ممر بين شنكال وغرب كردستان، وهذا ما اسهم في حماية الشعب الأيزيدي. كذلك، فقد أبدت “قوات الدفاع الشعبي الكردستاني” مقاومة عظيمة في مخمور وغيرها من مناطق جنوب كردستان، بالرغم من هروب بعض بشمركة “الحزب الديموقراطي الكردي”. ولا شك في ان “داعش” بات مدركاً انه لم يعد قادراً على تحقيق اهدافه في ظل المقاومة التي يبديها الشعب الكردي و”وحدات حماية الشعب” و”وحدات حماية المرأة”.
بعد ذلك، كان هناك نداء من قبل “الحزب الديموقراطي الكردي” للتدخل ضد “داعش”، فجاء الدعم الأميركي والعراقي.
انطلاقاً من الواقع الذي نشهده اليوم، يمكننا القول إن “داعش” لن يستطيع التقدم اكثر في العراق، وفي اعتقادنا فإن قوته بدأت تشهد تراجعاً.


– ما هي الخطوات التي يتخذها “حزب العمال الكردستاني” لمواجهة هذا الخطر الإرهابي؟
لدينا استراتيجية واضحة، أهم ما فيها أننا لا ننظر إلى “داعش” بوصفه تنظيماً، وإنما مجموعة من المرتزقة والقتلة تشكل خطراً على شعوب المنطقة وثقافاتها وأديانها، لا بل خطراً على الانسانية جمعاء. وبما ان “حزب العمال الكردستاني” هو حركة انسانية، وفي ظل تلك الهجمة الوحشية ضد شعوب المنطقة بشكل عام، وإرادة شعبنا في غرب كردستان بشكل خاص، فإننا مصممون على كسر ارادة هؤلاء المرتزقة. توجيهاتنا واضحة في هذا الإطار: سنهاجم “داعش” أينما وُجد، بكل ما لدينا من امكانات، ولن نسمح له بالتقدم وتحقيق اهدافه. وسنكون مستعدين للقيام بنضال مشترك الى جانب كل من يقاوم “داعش” ويمتلك موقفاً واضحاً إزاءه، وذلك لكي نلحق الهزيمة بهؤلاء المرتزقة، وتصفيتهم، ومحوهم من الوجود.

– ما هو موقفكم من التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد “داعش”؟
ينبغي على الانسانية أن تدرك ماهية “داعش”، وأن تعرف كيفية نشوئه. هذه المجموعة لم تهبط من السماء، ولم تظهر بشكل عرضي أو مفاجئ. ثمة تحليلات كثيرة تشير إلى أن قوى شرق اوسطية ودولية استخدمت “داعش” لتحقيق مصالحها. في الوقت الحالي، نرى ان الولايات المتحدة لا تريد ان يحقق “داعش” تقدماً يمكّنه من ان يتحول الى قوة شرق اوسطية كبيرة، خصوصاً انه بلغ نقطة خطيرة.
هناك محاولات اميركية موضوعية وجيّدة لمواجهة هذا الخطر، ولكن المشكلة، في نظرنا، لا تقتصر على “داعش”، إذ أن ثمة بنية يتكئ عليها هؤلاء المرتزقة وينطلقون منها، ويحمون نفسهم من خلالها، ولذلك، نحن نرى ان هناك حاجة للتخلص من تلك البنية، عبر ارساء الديموقراطية والحرية المشتركة بين شعوب الشرق الأوسط على أساس الأخوة والمساواة كبديل عن سلطة الدولة القومية. نحن نؤمن بأن أساس الحل يبدأ من هنا. أما ما تقوم به اميركا من تدابير لمواجهة “داعش”، فهي خطوات جيدة من دون شك، وقد تفضي إلى تحقيق نتائج معيّنة في وقت ما، وطالما ان “داعش” يشكل خطراً فإن التدابير العسكرية تبقى ضرورية، ولكن الوصول إلى النتائج المرجوّة يتطلب حلاً جذرياً يتمثل، كما قلت سابقاً، في “دمقرطة” الشرق الأوسط وتحقيق الحرية لكل شعوبه.

– انطلاقاً من أن تركيا هي عضو في “حلف شمال الاطلسي”، وبالنظر إلى الشراكة التركية-الاميركية، ثمة من يقول أن التدخل الاميركي في العراق، قد يُستخدم في مرحلة معينة لضرب “حزب العمال الكردستاني”، باعتبار ان الحكومات الغربية تنظر إلى الحزب بوصفه منظمة “إرهابية”.
هذا التحليل برأينا قاصر وغير منطقي، فالربط بين “حزب العمال الكردستاني” و”داعش” أمر خاطئ، ولا توجد اية أسس للمقارنة. وإذا حصلت مثل هذه المقاربة فستكون غير واقعية وغير أخلاقية. طبعاً، تركيا هي عضو في حلف شمال الأطلسي وشريكة للولايات المتحدة. لكن “حزب العمال الكردستاني”، وكما يُعرّف من قبل عامة الإنسانية والشعوب والأديان، هو حركة انسانية تطالب بالديموقراطية والحرية لكل شعوب المنطقة على اختلاف دياناتها وثقافاتها، ولذلك لا توجد أي أرضية لكي تستخدم تركيا نفوذها داخل “الناتو” لشن هجوم على “حزب العمال الكردستاني”. ونرى ان أي عمل من هذا القبيل لن يكون له أي معنى، ولا نعتقد أنه سيحصل أساساً.
ثمة من يضع “داعش” و”حزب العمال الكردستاني” في سلة واحدة، تحت مسمّى الارهاب، ولهؤلاء نقول إن “حزب العمال الكردستاني” قد واجه إرهاب “داعش” قبل أن تتحرك اي دولة ضد هؤلاء المرتزقة. اعتقد انه يجب توجيه الشكر لـ”حزب العمال الكردستاني”، بدلاً من المواقف المنافية للحق المتخذه تجاهه خدمة للمصالح السياسية. نحن نعمل في غرب كردستان وجنوب كردستان وفق “براديغما” القائد آبو (عبد الله اوجلان)، وقد حققنا نتائج مهمة اسهمت في الحاق الهزيمة بـ”داعش” الى حد كبير. لعلّ الانسانية لن تقبل بأن توضع كلمتي “الكردستاني” و”الإرهاب” في خانة واحدة، فعقيدة الحزب تتمثل في الأخوة بين كل الشعوب (الأمن والتركمان والعرب والاكراد والسريان والمسيحيون والايزديون…)، وتعايشها وفق مبادئ الديموقراطية والحرية والمساواة.

– ماذا تتوقعون من العمليات العسكرية الاميركية؟
ما وصلت اليه الأمور في سوريا والعراق كان نتاجاً لسياسات القوى الغربية، بما في ذلك الأوروبية، فمصالح تلك القوى كان لها دور كبير في ما نشهده اليوم من أخطار. التدخل ضد “داعش” هو تحرّك موضوعي كما أسلفنا، ولكن أساس الحل يبقى في “دمقرطة” الشرق الأوسط، والاستجابة لإرادة مجتمعه، وتكريس التعايش بين شعوبه وأديانه وثقافاته بذهنية أكثر ديموقراطية وحرية على شكل كونفدراليات وفدراليات تحل مكان الدولة القومية الأوليغارشية المتحكّمة. الحل يكمن هنا، وهذه حقيقة تتأكد يوماً بعد يوم، فالمشاكل الداخلية لا تحل بالتدخلات الخارجية، لأن جذورها عميقة على المستوى التاريخي والسوسيولوجي والديني والاجتماعي والسياسي. ارى أن الأفضل هو أن تقوم القوى الغربية وأوروبا باستعمال قوتها لدمقرطة الشرق الأوسط، وخصوصاً في العراق وسوريا، واذا ما انطلق استخدام القوة من هذه الذهنية فستكون لذلك فائدة كبيرة، ومن دون ذلك سيكون من الصعب إيجاد حل جذري .

– في ظل التراجع الميداني لـ”داعش” في العراق، هل تتوقعون ان يحاول التنظيم المتشدد توجيه عملياته بشكل مكثف إلى الداخل السوري، وتحديداً في المناطق الكردية؟
من بين الأهداف الأساسية لـ”داعش” القضاء على ثورة غرب كردستان وإرادة الشعب الكردي. نحن متأكدون من ان “داعش” ستكسر إرادته شيئاً فشيئاً، وسيخرج من العراق، ولـ”حزب العمال الكردستاني” دور كبير في ذلك، في إطار المعارك التي تخوضها “قوات الدفاع الشعبي الكردستاني” و”وحدات حماية الشعب”، في موازاة الضربات التي تنفذها اميركا وقوات البشمركة والجيش العراقي.
امام هذا الواقع، نعتقد ان “داعش” سيتجه إلى سوريا، وهو قام فعلاً بسحب أسلحة متطورة من الموصل إلى سوريا، وسيحارب بها الشعب السوري وبخاصة شعب غرب كردستان، وهذا يمثل خطراً كبيراً. لكننا نؤمن بأن السلاح الأكبر والأقوى هو إرادة المقاومة لدى الشعوب، والتي لا يمكن لأي سلاح آخر أن يكسرها. لا شك ان “داعش” يشكل خطراً كبيراً على سوريا، ولكنه لن يصل إلى مآربه، فهو لم يحقق على مدى العامين الماضيين اي نتائج في هذا الإطار، ونعتقد انه لن يتمكن من الوصول الى اهدافه. من الواضح ان حرباً ضروساً ستشهدها سوريا في المرحلة المقبلة، وخاصة في وجه شعبنا في غرب كردستان، ولكنني أعلم علم اليقين أن هؤلاء المرتزقة لن ينتصروا أمام إرادة الشعب السوري وشعب غرب كردستان. الدور الذي أعطي لـ”داعش” بلغ حدّه، ومن المتوقع ان يحاول الاستمرار في لعبه داخل سوريا وغرب كردستان، ولكنه لن ينتصر.

– كنتم اول من كشف عن الدعم التركي للجماعات التكفيرية… كيف تنظرون إلى هذا الدعم؟
لا يوجد لدينا أدنى شك بأن تركيا دعمت منذ البداية تلك المجموعات المرتزقة ضد شعوب المنطقة، وخصوصاً الشعب السوري وشعب غرب كردستان، ومن بين تلك المجموعات “جبهة النصرة”، وكذلك “داعش” التي قدمت اليها انقرة الدعم بشكل سري، وأحياناً بشكل فاضح… هذا الامر يُذكر اليوم في الإعلام العالمي على العموم، وليس في الإعلام الكردي فحسب. لقد حذرنا من هذا الدعم منذ فترة طويلة. لقد عبر مئات، لا بل آلاف المرتزقة إلى سوريا، مستخدمين الأجواء والأراضي التركية، وقد زودتهم تركيا بالمواد اللوجستية والسلاح… هؤلاء المرتزقة لديهم أماكن في اسطنبول، حيث يجتمعون وينظمون أنفسهم، ومن ثم يتوجهون إلى سوريا، متخذين من جيلانبنار وهتاي نقاطاً للعبور. كما تتم معالجة جرحى “داعش” في مشافي غازي عينتاب وهتاي. هذه الأمور ذكرها الإعلام التركي أيضاً. علاوة على ذلك، فإنّ اعترافات أسرى “داعش” الذي وقعوا في ايدي “وحدات حماية الشعب” أظهرت كيف أن تركيا قدمت لهم المساعدة، وفتحت الطريق امامهم للقتال في سوريا، وزودتهم بالمواد اللوجستية. تلك وقائع واضحة وموثقة، وليس لدينا أدنى شك تجاه هذا الموضوع.
الحقيقة هي أن تركيا دعمت “داعش”، وكان ذلك ضد إرادة شعوب الشرق الأوسط، وبالأخص ضد كيان غرب كردستان، ولكنها بذلك أوقعت نفسها في ورطة، فهي اليوم رهينة لدى “داعش”، وهناك 49 من رعاياها وديبلوماسييها في أيدي هذه المجموعة الارهابية، ولذلك فإن تركيا لم تعد قادرة على الحراك لا يميناً ولا يساراً. لقد استهدفت حسابات الدولة التركية إرادة شعبنا في غرب كردستان، وهي بذلك اخطأت، وبات واضحاً ان سياستها هذه فاشلة وقد أُفرغت من محتواها .

– أبدت تركيا مؤخراً، على لسان وزير خارجيتها، اعتراضها على التسليح الغربي لحكومة اقليم كردستان، معربة عن مخاوفها من وقوع تلك الأسلحة في يد “حزب العمال الكردستاني”. كيف تردّون على ذلك؟
هذا الموقف يؤكد الدعم التركي لـ”داعش”. المسألة ليست احتمال وقوع الأسلحة التي يزوّد بها “الحزب الديموقراطي الكردستاني” و”حزب الاتحاد الوطني الكردستاني” في يد “حزب العمال الكردستاني”، وانما الوقوف في وجه تزايد قوة إرادة الشعب الكردي. هم يحاولون مواجهة تصاعد قوة “حزب العمال الكردستاني” وقوات “البشمركة” من خلال دعم “داعش” والميليشيات السنية والنقشبندية.
وهنا أريد أن أؤكد أننا لسنا ضد السنة والنقشبندية، ونستطيع القول بكل ثقة إنه في ظل ما يعانيه الشرق الأوسط من أزمات عميقة وتاريخية، لا توجد جهة تمتلك مشروعاً للحل سوى “حزب العمال الكردستاني”. لا تركيا، ولا سوريا، ولا حكومة اقليم كردستان، ولا حتى القوى الدولية، تمتلك مثل هذا الحل القائم على الديموقراطية والحرية، فالكل يعمل ضمن سياسات براغماتية، تؤدي إلى قتل شعوب المنطقة والقضاء على دياناتها وثقافاتها. “حزب العمال الكردستاني” وحده صاحب مشروع واضح وشفاف، ألا وهو أن تعيش كل الشعوب والأديان والثقافات سوياً بشكل حر من دون أن يكون النفط أو أي مصلحة أو سلطة سبباً للقمع والحروب الأهلية. هذا هو مشروعنا الواضح الذي نناضل في سبيله، ولكن تركيا لا تريد أن يصبح الأكراد أصحاب إرادة، ولا تقبل بظهور إرادة ديموقراطية، لذلك نجد أنه كلما برز موقف إيجابي من جانب الشعب الكردي، وبالتحدديد من قبل “حزب العمال الكردستاني”، فإن تركيا تقف في وجهه، ذلك ان تلك الدولة يعيش في ذهنها عدم قبول الأكراد ورفض تاريخ الشعب الكردي، كعقلية أوليغارشية ديكتاتورية.

– يرى البعض ان الأكراد يحاولون استغلال ما آلت اليه المنطقة لتنفيذ اجندتهم الخاصة.. كيف تردّون على ذلك؟
مصير الشرق الأوسط والمنطقة بين خيارين: إما أن تعيش شعوب المنطقة بذهنية ديموقراطية وحياة حرة، وإما ان يسير كل شيء وفقاً لسياسات الدولة القومية والمصالح الاقتصادية والنفطية. هناك طريقان، الأول هو طريق الدولة القومية والمصالح والنفط والطاقة وهو طريق الخطر والحرب الأهلية وقمع الشعوب والأديان لبعضها البعض، وهو ما نشهده اليوم. والثاني هو ذاك الذي نتحدث عنه، أي طريق الديموقراطية والحرية والمساواة والعيش المشترك. هذه هي توجهاتنا ومقاربتنا… ولكن إذا قرر الشعب الكردي في جزء من أجزاء كردستان، بإرادته الحرة ووعيه الحقيقي، طلب إنشاء دولة مستقلة مثل باقي الشعوب في العالم، فهذا حق له من دون ادنى شك. ولكننا في “حزب العمال الكردستاني” لا نرى ان الدولة القومية تمثل حلاً صحيحاً ومناسباً للتحرر والديموقراطية، فبالنسبة إلينا، يبقى الأهم والاكثر ضرورة هو العيش بشكل ديموقراطي وحر. ونحن لا نتبنى خيار الدولة القومية وإنما الأمة الديموقراطية التي تعني العيش المشترك للشعوب والأديان بشكل كونفدرالي.

– هل تعتقدون ان التدخل الدولي ضد “داعش” سيسهم في حل الازمة السورية أم سيزيدها تعقيداً؟
لقد زاد “داعش” الأزمة السورية تفاقماً، وليس حلاً، وتسببَ بمشاكل أكبر، والتدخل الخارجي لم ينجح، فقد جرّب هذا الخيار في “جنيف – 1″ و” جنيف -2″، ولم يحقق اي تقدم، والسبب في ذلك ان هذه الجهود لم تسر وفق حل ديموقراطي لسوريا . بالنسبة لنا حل الأزمة السورية يكمن في دمقرطة سوريا، أي في نظرتها إلى الأمة الديموقراطية، وليس من خلال تأجيج الصراعات بين الشعوب والأديان، أو خنق بعضها لبعض. الحل يكون، بنظرنا، من خلال تطوير مشروع سوريا الديموقراطية، واعتبار الأديان والشعوب المختلفة في سوريا مصدر غنى وتنوع، والاحترام المتبادل بين هذه المكوّنات. إذا كانت المقاربة على هذا النحو، فإن الحل سيأتي لا محال، أما خلاف ذلك فلن يؤدي إلا إلى تفاقم الأزمة السورية، فضلاً عن تنامي تهديدات “داعش” واستحضار التدخل الخارجي. لقد قامت القوى الغربية بمحاولات عدّة لتغيير الواقع على الارض، سواء عبر دعم “الجيش الحر” وتطويره، أو غير ذلك من الخطوات، لكنها فشلت، وعوضاً عن ذلك والأصح أن تقوم بتسخير كل طاقاتها في سبيل دمقرطة سوريا.

وسام متى
“السفير” – 17/9/2014

Instagram @ wmattablog

Instagram has returned invalid data.