جنوب السودان.. تقسيم المقسم!

في التاسع من تموز العام 2011، وقف أمراء الحرب ومقاتلوهم، ومعهم ممثلون من دول العالم، على أنغام نشيد استقلال جنوب السودان، الذي أوحت كلماته، ومعها وعود بالمليارات من قبل المانحين الدوليين، بأن «أرض كوش» ــ التسمية الدينية للدولة الأفريقية الوليدة (أشعيا ــ 18) ــ ستصبح ذات شأن عظيم في القارة المضطربة:
«… يا جنة عدن ارض اللبن والعسل،
ارض النساء و الرجال الاشداء،
احفظينا متحدين في سلام النيل وسكينته،
وفي الجبال والوديان وثروتنا الضخمة،
بالفرح و الكبرياء،
فليحفظ الرب جنوب السودان».
دمعت أعين «الرفاق» في «الحركة الشعبية لتحرير السودان» وجيشها، في ذروة نشوة الاستقلال/الانفصال، وبدا المشهد كما لو أن الانقسامات الناجمة عن تركة عقود الصراع ضد الشمال، وبين فصائل التمرّد الجنوبي نفسها، قد تبدّدت.
ولكن، بحلول الذكرى الثانية للاستقلال، بدا وكأن نشوة الاستقلال قد تبخّرت، إذ لم تكد تمضي أيام على تلك الذكرى حتى أصدر الرئيس سلفا كير قراراً بعزل نائبه ريك مشار، في خطوة سبقتها حملات متبادلة بين الرجلين القويين، من أبرز تداعياتها إقالة مشار من الأمانة العامة للحزب الحاكم، ومن ثم تجريده من صلاحياته الدستورية كنائب للرئيس، بعد إعلان الأخير عزمه مقارعة غريمه على قيادة الحزب ورئاسة الدولة.
يومها بدأت تتأكد هواجس كثيرين داخل «الجبهة الشعبية» وخارجها بأن سلفا كير، خليفة الزعيم المؤسس لـ «الحركة الشعبية» جون غارانغ، قد بدأ يعد العدّة للتخلص من منافسيه في الحزب الحاكم قبل عامين من الانتخابات الرئاسية المتوقعة في العام 2015.
وبالرغم من أن الأزمة التي دبّت في الجنوب السوداني قد اتت على خلفية الصراع على الحكم، إلا أن للمسألة أوجها أخرى، قد يكون في مقدّمتها الاقتصاد، إذ مع دخول الدولة الوليدة عامها الثالث، كانت الآمال بالازدهار الموعود من الموارد النفطية والمساعدات الدولية قد تبدّدت، فالخلافات النفطية بين جوبا والخرطوم من جهة، وافتقار «أرض كوش» إلى البنية التحتية المناسبة للاستثمار، وعجز السلطات الجديدة عن حل المشاكل الاقتصادية ــ الاجتماعية، ناهيك عن الفساد المستشري في أجهزة الحكم، قد جعلت «الثورة الضخمة» لـ«أرض اللبن والعسل» مجرّد كلمات في نشيد مستمد من أساطير قديمة.

«انقلاب»؟

يوم الاثنين السادس عشر من كانون الأول الحالي، ظهر سلفا كير على شاشات التلفزيون بهيئة ربما نسيها معظم الجنوبيين: ارتدى الزعيم الجنوبي بزّة مرقطة عوضاً عن البدلة الرسمية، واعتمر قبعة عسكرية بدلاً من قبعة الـ«كاو بوي» السوداء التي اشتهر بها، ليعلن أمام مندوبي الصحافة المحلية والدولية عن إحباط محاولة «انقلاب»، اتهم نائبه السابق ريك مشار بتدبيرها.
وكان سبق الظهور العسكري لـسلفا كير ليلة حامية شهدت فيها جوبا اشتباكات عنيفة بين وحدات عسكرية، بلغت في مرحلة متقدمة مقر قيادة «الجيش الشعبي لتحرير السودان»، الواقع على مقربة من «جامعة جوبا»، وقد استمرّت تلك حتّى الصباح، قبل أن يؤكّد كير سيطرته على الوضع تماماً.
وبالرغم من أن ما جرى ليل الأحد الخامس عشر من كانون الأول كان تمرّداً عسكرياً يحمل بعض مظاهر الحركة الانقلابية (هجوم على مقر قيادة الجيش، انقطاع البث الإذاعي، إغلاق المجال الجوي، فرض حظر للتجوال… الخ)، إلا ان كثيرين شككوا في رواية كير، حتى ان ابن جون غارانغ، وصف الحديث عن وقوع انقلاب بأنه «مسرحية فاشلة» من تدبير سلفا كير.
وبحسب مصادر عدّة في جوبا، فإن شرارة الأحداث اشتعلت خلال الاجتماع العاصف الذي عقده «مجلس التحرير الوطني» (الهيئة القيادية العليا في «الحركة الشعبية») الذي حضرته القيادات الحزبية على اختلاف تناقضاتها، بما في ذلك سلفا كير وريك مشار وريبيكا غارانغ (ارملة جون غارانغ) وباقان اموم.
خلال هذا الاجتماع، امتنع كير عن مصافحة مشار وغارانغ وأموم، في ما رآه الجناح المعارض في «جبهة التحرير» مؤشراً إلى رغبة الرئيس بالتصعيد ضد مناوئيه، وهذا ما حدث بالفعل، إذ شن كير، في خطابه، هجوماً حاداً على معارضيه، فساد هرج ومرج، انتهى بانسحاب 126 عضواً في المجلس الوطني من الاجتماع، ومن ثمن انسحاب 14 عضواً من المكتب السياسي.
ووسط هذه الأجواء المضطربة، سرت شائعة ــ قد تكون صحيحة ــ عن أن كير أمر وزير دفاعه كوال منيانق باعتقال ريك مشار وباقي قيادات المعارضة، لكن الوزير ابدى تحفظه على تنفيذ القرار، انطلاقاً من أن تقديرات الاستخبارات العسكرية تفيد بأن خطوة كهذه من شأنها أن تؤدي إلى وقوع اشتباكات بين جنود الدينكا (القبيلة التي ينتمي إليها كير)، وجنود النوير (القبيلة التي ينتمي إليها مشار).
وأمام هذا الواقع، أمر الرئيس الجنوبي قائد وحدة الحرس الجمهوري، المعروفة باسم «تايغرز»، الجنرال ماريال سينونغ بتجريد جنوده من أسلحتهم. وبالفعل، فقد توجه الجنرال إلى مقر الوحدة، وتم تنفيذ الأمر. لكن أمراً غريباً حدث، وهو أن مسؤول العتاد سرعان ما فتح المستودعات واعاد تسليح جنود الدينكا، ما أثار حفيظة الجنود النوير، فحدثت مشادة، تطورت إلى عراك بالأيدي، ومن ثم اشتباكات مسلحة، بلغت مستوى التمرّد.
وبحسب معارضي سلفا كير فإن لا أدلة حسية تفيد بأن ما جرى ليل ذلك الأحد كان حركة انقلابية مخططا لها مسبقاً، أو أن ثمة قرارا سياسيا قد اتخذ لإثارة هذا التمرّد. ولعلّ ما يعزز هذا الرأي هو ان القادة العسكريين الموالين للرئيس الجنوبي لم يقدموا حتى الآن إجابة على سؤالين محدّدين:
1 ــ لماذا جرّد الجنود من اسلحتهم، ومن ثم أعيد تسليح جنود الدينكا دون سواهم؟
2 ــ لماذا لم تنفذ التعليمات الواردة في العقيدة العسكرية لجيش الجنوب في حال وقوع نزاع عسكري ذي خلفية قبلية؟ (توجيه الأمر للجنود المتمردين بالاستسلام وتجريدهم من سلاحهم، في مقابل نزع سلاح الجنود الموالين للنظام، لقطع الطريق امام تأزم الأمور).
وبالرغم من تأكيد كير السيطرة على جوبا، إلا أن مجريات المعارك في الأيام التالية، اوحت بأن المسألة لم تعد مجرّد تمرّد محدود داخل وحدة عسكرية، إذ لم تكد تمر 24 ساعة على توقف المعارك في العاصمة، حتى بدأت الأخبار تتوارد عن امتداد رقعة الاشتباكات إلى بور في ولاية جونقلي (شرق)، التي سقطت حاميتها العسكرية في أيدي قوات مشار، ومن ثم إلى ولاية الوحدة الغنية بالنفط (شمال).

حرب إثنية ام صراع سياسي؟

اعادت الأحداث الجارية على المسرح الجنوبي في السودان إلى الأذهان ما شهدته المنطقة في مطلع التسعينيات، وتحديداً في العام 1991، حين حاول مشار إطاحة القيادة التاريخية لــ«الجيش الشعبي لتحرير السودان»، الذي كان سلفا كير من كوادره، فكانت النتيجة أن انقسمت «الحركة الشعبية» على اسس قبلية، وانشق عنها مشار لينضم مع قواته إلى جيش الخرطوم، قبل أن يعود الى حظيرة جون غارانغ في بدايات الالفية.
ومن المفيد الإشارة هنا إلى أن ولاية جونقلي ــ وبلدة بور تحديداً ــ ارتبطت في تلك الفترة بواحدة من اشنع المجازر الاثنية،
ولعل هذه الذكريات الأليمة، وتجدد الصراع بين سلفا كير (الدينكي) وريك مشار (النويري)، يثيران مخاوف من انزلاق جنوب السودان نحو حرب اثنية تنتهي بتقسيم المقسّم، وتجزئة المجزأ على اسس قبلية وإثنية، وهو ما بدأت الأمم المتحدة تحذر منه.
لكن من المبكر الحديث عن حرب اهلية على هذا النحو. فالبرغم من ان الإثنية تعد عاملاً مهماً في الصراع الحالي، إلا ان هذا الصراع ما زال سياسياً بامتياز، باعتباره صراعاً على الزعامة السياسية. وبالرغم من أن كير ومشار يستخدمان الورقة الإثنية في هذا الصراع، إلا ان التفاف شخصيات سياسية بارزة من انتماءات قبلية مختلفة (ريبيكا غارانغ المنتمية إلى الدينكا، والأمين العام السابق لـ«الحركة الشعبية» باقام أموم المنتمي إلى الشيلك) من شأنه أن يسحب صاعق التفجير من القنبلة الإثنية.
حتى الآن، لا يزال ينظر إلى الصراع بين كير ومشار على أنه جزء لا يتجزأ من خلاف أعمق وأوسع بين تيارين داخل «الحركة الشعبية» أحدهما بقيادة كير، والثاني بقيادة مجموعة من الكوادر التاريخية ذات النفوذ الكبير جنوب السودان، والمجموعة الأخيرة تمثل قبائل إثنيات متعددة، بما في ذلك الدينكا التي ينتمي إليها كير.
وبالرغم من ان كير ما زال يحظى بالغالبية داخل الحزب الحاكم، بحسب ما تبدّى خلال السنتين الماضيتين، إلا أن فشله في تحقيق تطلعات الجنوبيين ــ بعد الوعود المبالغ بها ــ قد يقوّي القاعدة الشعبية للجناح المناهض له، وربما هذا ما يفسر سعي الزعيم الجنوبي إلى الانفراد في الحكم، وقطع الطريق أمام منافسيه لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة، وهو ما يعزز المخاوف من جنوح النظام نحو مزيد من الديكتاتورية في ظل ازمات عدة، بعضها سياسي (التحوّل الديموقراطي)، وبعضها تنظيمي (الصراعات الحزبية)، وإداري (تفشي الفساد)، والأهم من ذلك اقتصادي ــ اجتماعي.
وبالرغم من ان الصراع الحالي سياسي في طبيعته، إلا أن التناقضات الإثنية قد تدفع الأمور باتجاه منحى آخر في حال عدم التوصل الى تسوية بين فريقي الازمة، فالقبائل والاثنيات في جنوب السودان ما زالت تشكو من سيطرة الدينكا على قيادة «الحركة الشعبية» منذ تأسيسها في العام 1983 (ومن ثم على الدولة بعد تولي سلفا كير رئاسة البلاد)، والامتيازات التاريخية التي حصل عليها المقاتلون من الدينكا في «الجيش الشعبي» على حساب الجنود من ابناء القبائل الأخرى، ناهيك عن ان معظم حقول النفط في دولة الجنوب (التي تعتمد ميزانيتها على عائداته بنسبة 98 في المئة) تقع في أراضي قبيلة النوير، ما يدفع أبناء تلك القبيلة إلى طرح تساؤلات من قبيل: لماذا نرضى بالعيش في دولة يحكمها الدينكا طالما أن مواردها تنبع من أراضينا؟!

حرب محتومة؟

قد يكون من المبكر الحديث عن مستقبل الصراع الدائر حالياً في جنوب السودان، فالوساطات الأفريقية بدأت تنشط لإيجاد مخرج للأزمة، وربما يمارس الأميركيون والصينيون ــ الطامحون إلى نفط جنوب السودان ــ نفوذهم على الفرقاء للتوصل إلى تسوية.
لكن المواقف الصادرة عن سلفا كير وريك مشار توحي بأن المسار التفاوضي لحل الأزمة مليء بالألغام. وحتى الآن، فإن سلفا كير قد عرض الحوار على خصومه، وقد التقى فعلاً بريبيكا غارانغ، من دون ان ترشح أي تفاصيل عن هذا اللقاء، فيما لا يزال ريك مشار يصر على رحيل الرئيس كشرط للتفاوض.
وفي ظل الضباب الذي يلف تلك الأزمة، يمكن القول إن مستقبل جنوب السودان يتأرجح بين ثلاثة سيناريوهات:
ــ استمرار الصراع وجنوحه نحو حرب اهلية تنتهي بتقسيم المقسم وتجزئة المجزأ من السودان.
ــ نجاح الوسطاء المحليين والدوليين في التوصل إلى هدنة هشة.
ــ قبول الفرقاء بقواعد اللعبة السياسية وإن افضى ذلك الى انقسام سياسي داخل الحركة الشعبية.

وسام متّى
“السفير” – 24/12/2013

Instagram @ wmattablog

Instagram has returned invalid data.