«جهاديو تونس»: من القتال في أفغانستان.. إلى جبل الشعانبي!

يبدو أن المواجهة بين السلطات الامنية والتيار السلفي «الجهادي» في تونس قد انتقلت إلى مرحلة متقدمة، حيث قتل ما لا يقل عن 14 جندياً وأصيب 20 آخرون في كمين نصبه المسلحون الاسلاميون في جبل الشعانبي قرب الحدود مع الجزائر.
وزارة الدفاع الوطني التونسية، ومن خلال بيان نشرته عبر موقعها على شبكة الانترنت صباح امس، ذكرت أن «مجموعتين إرهابيتين تسللتا من خارج جبال الشعانبي عند الساعة السابعة والدقيقة أربعين من مساء يوم أمس (الأول) وهاجمت نقطتي مراقبة تابعتين للجيش الوطني، بصورة متزامنة، على مستوى منطقة هنشير التلة في جبل الشعانبي، واشتبكت مع أفراد القوات المسلحة، وذلك باستعمال أسلحة رشاشة وقذائف (آر بي جي)».
وأشارت وزارة الدفاع التونسية في بيانها إلى ان «هذه العملية أسفرت حتى الآن عن استشهاد 14 عسكرياً وإصابة 20 آخرين بجروح متفاوتة الخطورة، وقد تم نقلهم إلى المستشفى الجهوي في القصرين لتلقي الإسعافات الأولية، فيما تم القضاء على عنصر ارهابي».
وبدا توقيت الهجوم ملفتاً، إذ أعاد الى الأذهان هجوماً سابقاً نفذته مجموعة «جهادية» في المنطقة ذاتها في شهر رمضان من العام الماضي (29 تموز العام 2013)، واسفر عن مقتل ثمانية عسكريين ذبحاً. كما أن الأسلوب والتوقيت معاً يذكّران بالعملية التي شنها متشددون اسلاميون على قاعدة للجيش المصري في رفح في الخامس من آب العام 2012، والتي اسفرت عن مقتل 16 جندياً، واعتبرت وقتها البداية الفعلية للمعركة بين القوات المسلحة المصرية والجماعات التكفيرية و«الجهادية» في شبه جزيرة سيناء، والتي ما زالت مستمرة حتى الآن.
وتبنت جماعة تطلق على نفسها اسم «كتيبة عقبة بن نافع»، وهي تشكيل عسكري تابع لجماعة «انصار الشريعة» السلفية «الجهادية» الهجوم في جبل الشعانبي. ونشرت «الكتيبة»، عبر صفحتها الرسمية على موقع «فايسبوك»، تدوينة جاء فيها «جرت عشية اليوم (امس الاول) مواجهات مسلحة بين عدد من جند الطاغوت التونسي وعناصر من كتيبة عقبة بن نافع في جبل التلة في منطقة الشعانبي في ولاية القصرين، تم خلالها استعمال أسلحة ثقيلة، ما أسفر عن وقوع إصابات بليغة في صفوف عناصر عسكر الطاغوت، فيما لم تحدد بعد الحصيلة النهائية للمواجهات».
ومنذ نهاية العام 2012، يقوم الجيش التونسي بحملة واسعة ضد «الجهاديين» في منطقة جبل الشعانبي، المحاذي للحدود الجزائرية ـ التونسية، حيث تنشط مجموعات مرتبطة بتنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» (بحسب ما اعلن التنظيم نفسه في حزيران الماضي).
ويرجح أن عملية الأمس ستقود إلى تشديد العمليات ضد المتشددين، وربما توسيع نطاقها جغرافياً، خصوصاً أن تلك هي اكبر خسارة بشرية تتعرض لها القوات المسلحة التونسية منذ استقلال البلاد في العام 1956، وفي ظل انتقال الخطر «الجهادي» بشكل مباشر إلى ربوع «تونس الخضراء»، الواقعة في قلب منطقة تحولت إلى مرتع لعمليات تنظيم «القاعدة» من مالي والجزائر غرباً، إلى ليبيا ومصر شرقاً.

«السلفية الجهادية» في تونس

وكان السقوط المدوّي للنظام الديكتاتوري السابق في تونس قد فتح الباب أمام التيارات السلفية المتشددة لممارسة نشاطها علناً.
وكما هي الحال في باقي الدول العربية، تنقسم السلفية التونسية إلى قسمين رئيسيين: السلفية العلمية والسلفية «الجهادية»، وبينهما سلفيات متعددة الايديولوجيات تقترب من احدى السلفيتين الأساسيتين أو تتقاطع معهما.
ويتزعم التيار السلفي العلمي (أو الدعوي) في تونس الشيخ الخطيب الإدريسي (56 عاماً)، ومعقله في سيدي بوزيد، وقد حكم عليه بالسجن سنتين في العام 2006، أيام نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، بتهمة «الإفتاء بالقيام بعمليات جهادية وعدم الإبلاغ عن جريمة إرهابية».
ومع ذلك، فإن الحركات السلفية العلمية لا تستخدم العنف المسلح في نشاطها، الذي يقتصر على الجانب الدعوي، كما انها حركات مرخّصة من قبل السلطات التونسية، وتستطيع العمل علناً، وهي تتمتع بهامش كبير من الحرية في ظل حكم «النهضة»، الذي يرى فيها سنداً قوياً لاجتذاب المتديّنين، ناهيك عن ان تعاليمها تحرّم الخروج على الحاكم.
واذا كان التيار السلفي الدعوي لا يشكل خطراً داهماً على نظام الحكم في تونس، إلا ان العكس يقال بالنسبة إلى السلفية «الجهادية»، التي طغت على المشهد التونسي بقوة منذ سقوط نظام بن علي، وخروج المئات من قيادييها ومريديها من السجون.
وتعود بدايات السلفية الجهادية في تونس إلى الثمانينيات، حين تم ارسال مئات «الجهاديين» إلى افغانستان للقتال ضد القوات السوفياتية، ضمن إطار ما عرف وقتها بـ«الأفغان العرب». وبعد سقوط نظام «طالبان»، شارك بعض من هؤلاء في عمليات «القاعدة» في العراق، ولبنان (معارك مخيم نهر البارد)، ثم في ليبيا وسوريا.
وينشط السلفيون «الجهاديون» اليوم تحت راية تنظيم «انصار الشريعة»، الذي اسسه سيف الله بن حسين المكنّى بـ«أبو عياض»، وقد مارسوا عمليات عنفية داخل تونس، سواء في عهد بن علي (تفجير كنيس الغريبة اليهودي في جربة، الهجوم على مدينة سليمان)، أو بعد انتصار الثورة (استهداف اضرحة صوفية، حرق الحانات والمقاهي، الهجوم على السفارة الاميركية، الاعتداء على طلاب الجامعات، اغتيالات طالت معارضين من القوى المدنية)، كما شارك 11 منهم في الهجوم على منشأة ان اميناس النفطية في الجزائر (كانون الثاني العام 2013).
وتتركز البيئة الشعبية الحاضنة للتيار السلفي «الجهادي» في الأحياء العشوائية المحيطة بالمدن التونسية (تونس، سوسة، بنزرت)، وفي بعض المحافظات مثل القيروان وسيدي بوزيد، في حين يشكل جبل الشعانبي نقطة انطلاق لأنشطتهم المسلحة ضد الجيش التونسي.
وثمة معطيات عدّة تشير إلى ان جماعة «انصار الشريعة» مرتبطة ايديولوجيا بتنظيم «القاعدة»، وثمة حديث عن ارتباطها تنظيمياً اليوم بفرع «القاعدة» في المغرب العربي.
اما على مستوى الهيكل التنظيمي، فقد اعتمدت «انصار الشريعة» بنية هرمية (مركزية) في مرحلة العمل العلني بعد انتصار الثورة. اما اليوم، وفي ظل انتقالها إلى العمل السري، فإنها تعتمد بنية عنقودية (لا مركزية)، وفقاً لمنهجية «فيلسوف القاعدة» مصطفى بن عبد القادر ست مريم (أبو مصعب السوري)، والتي تتضمن ايضاً تنفيذ العمليات باسماء متعددة (كتيبة ام يمنى، كتيبة ابو بكر الصديق، كتيبة عقبة بن نافع، شباب التوحيد للإعلام…).
اما على المستوى العملاني، فقد تخلت الجماعة عن انشطتها الاجتماعية والدعوية، وراحت تعتمد تكتيك القتال الفردي (خلايا عنقودية، ذئاب متوحّدة…)

السلفيون و«النهضة»:
تقاطع.. فصدام

«إنّ شبابنا الذي اظهر البطولات في الذود عن الإسلام في افغانستان والشيشان والعراق والصومال والشام لن يتوانى عن التضحية من أجل دينه في أرض القيروان». هكذا رفع ابو عياض سقف التحدي في تونس يوم 13 أيار العام 2013، مكرّساً القطيعة العلنية بين حكومة «حركة النهضة» ذات التوجه «الإخواني» والتيار «السلفي الجهادي».
قبل هذا التحوّل، كانت التقاطعات واضحة بين الطرفين. فعلى غرار تجربة «الإخوان المسلمين» في مصر، اعتمدت «النهضة» مقاربة ميكيافيلية تجاه التيارات الإسلامية المتشددة، بغرض تحقيق هدف الانفراد في السلطة السياسية على حساب القوى العلمانية.
وفي العاشر من تشرين الأول العام 2012، أظهر تسجيل فيديو مسرب على شبكة «الإنترنت» زعيم «النهضة» راشد الغنوشي، وهو يقول في اجتماع مع سلفيين إن العلمانيين يسيطرون على كل مفاصل الدولة بما في ذلك الاقتصاد والجيش والإعلام، داعياً السلفيين إلى التحرك بحريّة بعدما أصبحت المساجد في أيدي الإسلاميين.
ولم ينف مكتب الغنوشي وقتها التسجيل، لا بل أكد حصته، لكنّه وضع كلامه في سياق «محاولات الشيخ راشد إقناع السلفيين بالعمل السلمي والمشاركة في الحياة في تونس بعيداً عن العنف».
برغم ذلك، يبدو أن عوامل داخلية وخارجية دفعت بالأمور في نهاية المطاف باتجاه القطيعة بين التيارين الإسلاميين، اللذين اتخذ التوتر في العلاقات بينهما مساراً تصاعدياً، افضى إلى «استعجال المعركة»، وفق تعبير ابو عياض نفسه.
داخلياً، اتخذت الامور منحى جديداً بعدما اظهرت القوى العلمانية قدرتها على التصدّي لمحاولات «النهضة» التفرّد في الحكم. وكانت جريمتا اغتيال المناضلين اليساريين شكري بلعيد (شباط العام 2013) ومحمد البراهمي (تموز العام 2013) – اللذين ثبت ارتكابهما من قبل عناصر سلفية – الشرارة التي فجّرت الشارع التونسي في وجه الإسلاميين، مثيرة في الوقت ذاته مخاوف لدى الحكومة «النهضوية» من احتمال ان ينقلب سحر السلفيين على ساحره، وانفلات الأمور على المستوى الامني.
أما خارجياً، فقد جاء الهجوم السلفي على السفارة الاميركية في تونس في الرابع عشر من ايلول العام 2012، على خلفية الفيلم المسيء للنبي محمد «براءة المسلمين»، بمثابة جرس انذار لـ«النهضة»، التي خشيت فقدان الحلفاء الغربيين، القلقين بدورهم من التدفق «الجهادي» إلى اوروبا، او تهديد مصالحهم في شمال افريقياً، خصوصاً أن اشتداد عود السلفيين «الجهاديين» في تونس ترافق مع تكثيف تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» نشاطاته، سواء في مالي (السيطرة على أزواد) أو في الجزائر (الهجوم على منشأة ام اميناس).
وفي محاولة لاحتواء ردود الفعل على التقارب «النهضوي» – «السلفي الجهادي» انتهج الغنوشي مقاربة براغماتية، حيث شن هجوماً غير مسبوق على الحركات الاسلامية المتشددة في 13 نيسان العام 2013، فوصف تيار «السلفية الجهادية» بأنه «تيار احمق، عدمي، ومسيء للاسلام، ومربك للحياة السياسية عموماً»، ملقياً عليه المسؤولية في إسقاط «حكومتين أفرزتهما الثورة»، في إشارة إلى حكومتي حمادي الجبالي وعلي العريض، لكنه سعى الى تحييد السلفيين «المسالمين» عن هجومه بالنظر إلى الاعتبارات المذكورة أعلاه في ما يتعلق بالسلفية الدعوية.
وعلى المستوى العملي، اتخذت السلطات التونسية سلسلة اجراءات ضد العناصر السلفية المتشددة، ابرزها ملاحقة المتورطين في الهجوم على السفارة الاميركية (ادى الى مقتل اربعة تونسيين واصابة 50، واحراق 100 سيارة للبعثة الديبلوماسية الاميركية، وتدمير تجهيزات في المدرسة الاميركية)، ومنع انعقاد المؤتمر الثالث للسلفيين في مدينة القيروان في ايار العام 2013.
وفي السابع والعشرين من آب، أعلنت السلطات التونسية تصنيف جماعة «أنصار الشريعة» السلفية الجهادية «تنظيما إرهابيا» وإصدرت مذكرة جلب دولية ضد أبي عياض.
وبرغم ذلك، فإنّ كثيرين في تونس ما زالوا يحمّلون «حركة النهضة» المسؤولية عن ظاهرة «السلفية الجهادية»، ولذلك فإنّ عملية الأمس تشكل، من دون اي شكل، إحراجاً كبيراً للحركة الإسلامية الحاكمة، وقد تقود الى صراع داخلي، سواء على مستوى اجهزة الحكم، أو مع المؤسسة العسكرية (على غرار ما جرى في مصر)، أو حتى داخل «النهضة» نفسها، التي يبرز فيها جناحان، ينظر إلى الأول باعتباره الاب الشرعي للسلفيين (راشد الغنوشي والصادق شورو والحبيب اللوز…)، وآخر يرى البعض انه يسير في منطق دولة المؤسسات (حمادي الجبالي، علي العريض….).

وسام متى
“السفير” – 18/07/2014

Instagram @ wmattablog

Instagram has returned invalid data.