حسن العلوي يقرأ لـ«السفير» المشهد العراقي المضطرب

مخطئ مَن يعتقد أن «داعش» قد ظهر بشكل مفاجئ على مسرح الأحداث في العراق.
قبل «غزوة الموصل» الأخيرة بشهر، كان «داعش» يطرق أبواب سامراء، حيث مرقد الإمامين العسكريين، مثيراً المخاوف من احتمال أن يؤدي اجتياحه تلك المدينة، مقدمة لدخول العراق في حمام دماء، يصعب وقف نزيفه، خصوصاً أن ثمة تجربة سوداء مماثلة شهدتها بلاد الرافدين، انطلاقاً من المدينة ذاتها قبل نحو ثمانية اعوام.
قبلها بأشهر، كان «داعش» يعزز تدريجياً مواقعه في مناطق متفرقة في العراق، خصوصاً في الفلوجة والرمادي، إلى أن كانت «غزوة الموصل»، وتمدّد التنظيم المتشدد في الشرق والشمال، بعد سيطرته على الأنبار ونينوى، وتقدمه باتجاه تكريت، ما أوجد امر واقع جديداً بات لزاماً على الجميع احتواء تداعياته الكارثية.
كل ذلك أتى تتويجاً لمسار طويل بدأ منذ الغزو الأميركي للعراق في العام 2003، حين برز تنظيم ابي مصعب الزرقاوي، الذي شهد تحوّلات مهمة منذ مقتل قائده في العام 2006، أفضت إلى تشكيل تنظيم حمل بداية اسم «الدولة الإسلامية في العراق»، قبل أن تضاف إليه «الشام» بعد الانشطار الكبير الذي شهدته التنظيمات الجهادية في سوريا في العام 2013.
ولكن كيف لتنظيم على شاكلة «داعش»، يقتصر عدد أفراده المنتشرين في العراق وسوريا، بحسب التقديرات الاستخبارية الغربية، على 15 18 ألفاً، أن يسيطر على مساحات شاسعة من الأراضي العراقية والسورية، وأن يهدد بغداد بعد تقدمه باتجاهها شمالاً وغرباً، وأن يتحدى العالم بإعلان «الدولة الإسلامية» على أراض توازي قرابة خمسة أضعاف مساحة لبنان؟
يجمع المراقبون أن ما حققه «داعش» ما كان ليتم لولا وجود بيئة حاضنة توفر ملاذاً آمناً للجهاديين، ونقاط ضعف في التركيبة السياسية في بلد قائم على توازنات طائفية وعرقية، والتي تبدو شبيهة بالتركيبة اللبنانية التي حين تختل يعم الخراب، لتصبح معها البلاد ارضاً خصبة للتدخلات الأجنبية وساحة للاقتتال العبثي.

أزمة الطبقة السياسية

لعلّ ما شهده مجلس النواب العراقي خلال الاسبوع الحالي خير مثال على العبث الذي تمارسه الطبقة السياسية، عبر تقديم المصالح الفئوية على المصلحة الوطنية، برغم المخاطر الوجودية المحدقة في ظل الحديث عن سيناريوهات التفتيت.
ومع ذلك، يبدو المفكر العراقي حسن العلوي متفائلاً في المستقبل.
وفي مقابلة مطولة مع «السفير»، عرض السياسي العراقي المخضرم، الذي يوصف بأنه «كنز أسرار السياسة العراقية»، قراءته للمشهد الحالي.
«مهما تلبدت الغيوم الآن فإن الحل ليس بعيداً»، يقول العلوي، الذي يبدي ثقته في أن التسوية تقترب من أن تبصر النور.
الحوار مع العلوي تزامن مع تأجيل البرلمان العراقي أولى الجلسات المخصصة لانتخاب الرئاسات الثلاث، بعدما دبّ الخلاف بين الكتل السياسية. لم يفاجأ «شيخ الصحافيين العراقيين» بالأمر، فالتوافق داخل البرلمان، وكما هي الحال في لبنان، لا بد أن تسبقه تسوية سياسية.
يشرح العلوي آلية التوافق تلك بالقول: «النواب لا يمكن أن يصوّتوا قبل حصول التوافق. وحين يحصل هذا التوافق فإن جلسة واحدة للبرلمان العراقي تكفي لحسم مسألة الرئاسات الثلاث، فينتخب النواب رئيس المجلس النيابي اولاً، ثم يعرض الأخير المرشح لرئاسة الجمهورية، فيتم انتخابه، ثم يعتلي الرئيس الجديد المنصة البرلمانية، ويؤدي اليمين الدستورية، ويعرض على النواب اسم المرشح المتوافق عليه لرئاسة الحكومة، وما أن تتم الموافقة عليه حتى تبدأ عملية تشكيل الحكومة المتفق على تركيبتها مسبقاً».
يعيد العلوي الأزمة السياسية المتجددة في العراق إلى سببين أولهما هو دستور بول بريمر، الذي يشبّهه بـ«ثوب فصّل على قياس النجمة هيفاء وهبة وفُرض على امرأة عجوز أن ترتديه»، فالدستور العراقي برأيه لا يعكس الواقع السياسي، وقد «سُلق سلقاً ولم يُطبخ»، إذ أن إعداده لم يستغرق سوى بضعة اشهر، بخلاف الدستور الملكي الذي استغرق وضعه نحو أربعة أعوام (1921-1925). أما السبب الثاني فهو عدم استيعاب الطبقة السياسية العراقية، التي يمثلها «حزب الدعوة» للدستور وتطبيقه، موضحاً أن تلك الطبقة، وبمختلف اطيافها تضم أحزاباً ثورية وسرية، لم تخرج من بيئة ليبرالية، ولم تعش مع التجربة البرلمانية سنة واحدة.

رئيس كردي يكسر العزلة عربياً

ومن غير الواضح بعد المدى الزمني الذي ستستغرقه المشاورات بشأن التسوية، بالرغم من أن المرجعية الشيعية في النجف حددت يوم الثلاثاء المقبل موعداً نهائياً لإعلان الرئاسات الثلاث.
وبانتظار اكتمال تلك التسوية، يرى العلوي أن «سفينة الأكراد تقترب من أن ترسو عند شاطئ برهم صالح»، الذي يراه المرشح الأوفر حظاً لتولي رئاسة الجمهورية.
ويشرح العلوي حيثيات توقعه هذا بالقول إنه «بعد تشكيل حكومة كردستان اصبحت الطريق مفتوحة أمام برهم صالح لتولي منصب رئيس الجمهورية» خلفاً لجلال الطالباني. ويوضح العلوي أن «منافسي صالح في الاتحاد الوطني أخذوا مواقعهم في الحكومة الإقليمية، وفي مقدمتهم قباد جلال الطالباني، الذي سعت هيرو ابراهيم احمد، زوجة الرئيس المنتهية ولايته، إلى الدفع به إلى هذا الموقع، والذي تم تعيينه في منصب نائب رئيس حكومة إقليم كردستان».
ولا يخفي العلوي تأييده لترشيح برهم صالح، باعتباره «شخصية ليبرالية تحمل تحصيلاً علمياً من جامعة ليفربول، وقد تولى مناصب حكومية عدّة، من بينها رئيس الحكومة الإقليمية في كردستان، ونائب رئيس الحكومة الاتحادية، ووزير التخطيط، كما عمل بطريقة محايدة، حتى انه عطل قانون اجتثاث البعث بعدما شم فيه رائحة نازية».
ويرى العلوي أن ترشيح برهم صالح «سيفتح الباب امام كسر عزلة العراق عربياً»، فضلاً عن أنه «يحظى بثقة إيران، ورضى تركيا، وارتياح الولايات المتحدة».
وحتى الآن، تبقى حظوظ برهم صالح مرتفعة لتولي منصب الرئاسة الأولى، ما لم تحدث اي تطورات تفضي إلى ترشيح شخصية أخرى، خصوصاً أن ثمة ضغوطاً تمارسها هيرو احمد ابراهيم لترشيح الطبيب الخاص للطالباني الدكتور نجم الدين كريم.

تسوية الحكومة.. ضمن «دولة القانون»

تبدو رئاسة الجمهورية في العراق أقل استقطاباً بين القوى السياسية، مقارنة برئاستي الحكومة والبرلمان.
وبرغم ان منطق الأمور، بحسب العلوي، هو ان تتفق الكتل السياسية على ترشيح القيادي في المجلس الاسلامي الاعلى عادل عبد المهدي لتشكيل الحكومة الجديدة – باعتباره سياسياً مخضرماً عاصر مرحلة الحركة الوطنية وكانت له تجارب في الأحزاب العلمانية وأن تتوافق كذلك على اعادة انتخاب اسامة النجيفي رئيساً لمجلس النواب – باعتباره مرشحاً رئيسياً للكتل السنية وبالنظر إلى تجربته الناجحة في رئاسة البرلمان – إلا أن مسار التفاوض قد يفضي إلى تقديم تنازلات من قبل هذا الطرف او ذاك تؤدي الى خروج شخصيات من دائرة التوافق، وصعود شخصيات أخرى.
وبحسب المعطيات المتوافرة لدى العلوي، فإن المشاورات مع ائتلاف «دولة القانون»، الذي يتزعمه المالكي، انتهت بمخرجين، أولهما أن يتم ترشيح رئيس جديد للحكومة ينتمي إلى «دولة القانون»، في مقابل سحب ترشيح النجيفي.
ويبدو ان التحالف الوطني، الذي يضم المجلس الإسلامي الاعلى والتيار الصدري، والذي يشكل قوة ضاغطة كبيرة، قد وافق على هذه التسوية، التي ما زال المالكي متردداً في الإعلان عنها، ربما لكسب هامش مناورة، بما يسمح له بالترويج لمدير مكتبه طارق نجم كمرشح لتولي رئاسة الحكومة. وتقضي هذه التسوية بترشيح شخصيتين من المجلس الإسلامي لتولي منصبي نائب رئيس الحكومة (باقر الزبيدي) ونائب رئيس البرلمان (الشيخ همام حمودي)، في حين لم تحدد المراكز التي ستعطى للتيار الصدري.

«داعش» و«الخلافة»

قدّم العلوي من بغداد إلى بيروت يوم إعلان «داعش» قيام «الخلافة» بزعامة ابي بكر البغدادي، في تطور دراماتيكي أثار مخاوف على امتداد الوطن العربي من الدخول في نفق الاقتتال السني – الشيعي.
لكن العلوي يرى الأمر من زاوية أخرى، إذ يعتبر أن «استعجال داعش إعلان الخلافة هو إشكال سني أكثر منه إشكال شيعي، ومنعكساته ستنال المكوّن السني اكثر منه المكوّن الشيعي».
ويوضح العلوي أن «إعلان الخلافة يتعارض مع مبدأ تنظيم القاعدة، الذي يعتبر أميره الظواهري بمثابة الخليفة، فيما ابو بكر البغدادي عضو قيادي في القاعدة، وينتمي إلى تنظيم منشق عن التنظيم الأم، ما يعني أن إعلان الخلافة قد كرّس الانشقاق».
لكن الأهم، بحسب العلوي، أن إعلان الخلافة «أحرج الشركاء في الفصائل التي قاتلت إلى جانب داعش، ولا سيما البعثيين»، موضحاً أن هذا الإعلان «أعطى مبرراً للبعثيين لحمل السلاح، وسنشهد خلال الأيام المقبلة قتالاً بين فصائل سنية مشتركة ضد داعش».
ويرى العلوي أن قرار إعلان الخلافة «بدا وكأنه قرار باستعجال المواجهة مع الفصائل الأخرى المختلفة معه في الفكر والمنهج، على غرار حزب البعث (العلماني)، والمجلس العسكري (قيادات بعثية)، والحزب الإسلامي (يمتلك اجندة اسلامية ولديه خليفته)، والإسلاميين المستقلين فضلا ًعن المنظومة العشائرية».
ويعتقد العلوي أن هذه المواجهة ستشكل «بداية مرحلة إخراج داعش من البيئة السنية»، وهو هدف اميركي – عراقي – إقليمي مشترك، يفرضه «تناظر المصالح»، ولكنه لا يندرج ضمن إطار اتفاق أو تواطؤ ضد التنظيم الجهادي المتشدّد.

إيران وتركيا.. وبينهما الأكراد

ولا يستبعد العلوي ان يكون ما جرى في العراق مؤخراً نتاج التقارب الذي شهدته العلاقات التركية الإيرانية بعد سقوط نظام «الاخوان» في مصر، وبروز تعقيدات في الصراع في سوريا، وأخرى في المشهدين التونسي والليبي، وهو ما جعل تركيا تعيد ترتيب اولوياتها الإقليمية، وان تدير الدفة باتجاه ايران، بمباركة الولايات المتحدة، التي تأمل أن يسهم هذا التقارب في ضمان مصالحها، وفق مقاربة كلاسيكية اساسها حدوث اتفاق بين دولتين سنية (تركيا) وشيعية (ايران) نافذتين.
وبالتالي فلا يستبعد العلوي أن يكون دخول «داعش» بهذه الطريقة إلى الأنبار ونينوى، وانسحاب القوات العراقية «الشيعية المحضة» محاولة لإفراغ هذه المنطقة، بما يجعلها تحت سيطرة السنة الموالين لتركيا.
ولعل ما يعزز تلك التكهنات، بحسب العلوي، هو سكوت أنقرة عن دخول قوات البشمركة التركية كركوك بعد الانسحاب الغريب للجيش العراقي من المدينة، بالرغم من حساسية مسألة كركوك، التي يبقى تحديد مصيرها قضية خلافية.
لكن ألا تخشى تركيا وايران ان يؤدي ذلك إلى تعزيز موقع الأكراد بما يدفعهم نحو المطالبة بالاستقلال، علماً بأن ثمة خطوات بدأها إقليم كردستان في هذا الاتجاه؟
يجيب العلوي أن ثمة توافقاً بين الدولتين الاقليميتين على الحقوق المدنية للأكراد، لكن الأمر قد يخرج عن السيطرة، في حال طرح الأكراد الخريطة القومية، التي من شأنها ان تحرك المشاعر القومية… ولذلك فإن علينا أن ننتظر ما إذا كانوا سيتقدمون في هذا الاتجاه، عندها ستصبح الأمور أكثر تعقيداً.
بين خطر «داعشي» قادم، ومشروع انفصالي كردي من الشمال، ونظام سياسي مهترئ بالمحاصصة المذهبية والعرقية، وتدخلات إقليمية ودولية، تتلبد أجواء العراق بالغيوم السوداء، وتسيل الدماء في ترابه… أما نتيجة الصراع فتتلخص في سيناريوهين لا ثالث لهما: الدولة … أو الدويلات!

وسام متى
“السفير” – 04/07/2014

Instagram @ wmattablog

Instagram has returned invalid data.