«خطأ» شباب الثورة… تشتت ما بين الميدان والبرلمان

ثمة مفارقة مثيرة للدهشة في المشهد الانتخابي المصري، وهي كثرة العراقيل التي تحول دون مشاركة شباب الثورة من تشكيل النظام السياسي الجديد في مرحلة ما بعد حسني مبارك، وهو ما يتبدّى اليوم في التوقعات بأن البرلمان المصري الجديد سيبتعد كثيراً عن تلك الروح الشبابية التي اتسمت بها ثورة 25 يناير.
ربما يكون شباب الثورة قد وقعوا في أخطاء سياسية كثيرة خلال الأشهر التي تلت تنحي الرئيس المخلوع حسني مبارك، وهي أخطاء قد تكون مبرّرة بالنسبة إلى جيل بقي انخراطه في الشأن السياسي طوال العقود الماضية مغامرة خطيرة وعديمة الجدوى في آن واحد، وذلك بالنظر إلى البيئة السياسية المتهالكة التي أفرزتها سياسة الفساد والقمع في عهد حسني مبارك.
لكن ثمة خطأ لا يغتفر وقع فيه هؤلاء الشباب، وهو أنهم فوّتوا على أنفسهم فرصة ذهبية لتشكيل تكتل ثوري صلب قادر على إحداث قطيعة جذرية مع البنى الحزبية التقليدية، مدنية كانت أم دينية، والتي لم تلتحق بالثورة سوى بعد إدراكها أن التغيير آت لا محال.
أما تداعيات هذا الخطأ السياسي الفادح، فتمثلت في تعدد الائتلافات الشبابية، التي بات كل منها يتحدث باسم الثورة، وتشتت مرشحي شباب الثورة اليوم بين من قرر مواصلة تجربته الثورية منفرداً، ومن اختار العودة إلى أطره الحزبية الضيقة، التي استكثرت عليه أن يكون على رأس قوامها الانتخابية ـ باستثناء قلّة قليلة ـ فكان أن اختار عدد كبير من المرشحين الشباب خوض غمار التجربة الانتخابية عبر المنافسة على المقاعد الفردية، التي يبدو أنها صيغت لتكون لمصلحة المستقلين، ومعظمهم من الشخصيات النافذة المرتبطة تاريخياً بالحزب الوطني المنحل، أو لمصلحة الشخصيات المحسوبة على التيار الإسلامي.
أين الخطأ؟
يقول المرشح اليساري عن دائرة كفر الدوار (البحيرة) شريف رشاد لـ«السفير» إن «المشكلة الأساسية التي تواجه المرشحين الشباب في هذه المعركة الانتخابية تكمن في إخفاق الائتلافات الشبابية في تشكيل ائتلاف موحد قادر على قيادة العمل الثوري بحكمة»، عازياً هذا الإخفاق إلى «تدخلات من جانب قوى معادية لثورة 25 يناير بهدف إبقاء الشباب في حال من التشرذم بحيث يسهل الانقضاض عليهم».
ويشير رشاد إلى صعوبات عديدة تواجهه، كمرشح شاب، في المعركة الانتخابية، وأبرزها توسيع الدوائر الانتخابية، بالإضافة إلى السياسات المشبوهة للأحزاب السياسية الكبرى، بعدما عمدت إلى ترشيح فلول الحزب الوطني على قوائمها، بالإضافة إلى «الدعاية المضادة» التي تمارسها «القوى المعادية للثورة»، والتي تتخذ أشكالاً مختلفة من بينها الأموال التي ينفقها «الفلول» على الناخبين، والخداع الذي تمارسه قوى التيار الإسلامي لغسل عقول المواطنين وشراء أصواتهم.
بدوره، يرى أمين الإعلام في اتحاد الشباب التقدمي، الجناح الشبابي لحزب التجمع، علاء الدين عبد الفتاح، أن ثمة أسباباً كثيرة لعدم توحّد شباب الثورة في قائمة انتخابية موحدة.
ويوضح عبد الفتاح لـ«السفير» أن «بعض الأحزاب ورجال الأعمال أثروا سلباً على الشباب، بعدما أغروهم بالظهور الإعلامي، الأمر الذي تسبب في تشتتهم وابتعادهم عن نبض الشارع».
ويضيف عبد الفتاح إلى العوائق التي حالت دون قيام ائتلاف موحد مشكلة «تعارض الايديولوجيات والمصالح»، إذ كان من المستحيل جمع الليبراليين واليساريين والإسلاميين في إطار موحد، بعد الأيام الثمانية عشر للثورة، أي بعد تحقيق الهدف المشترك المتمثل بإسقاط حسني مبارك.
ويشير عبد الفتاح إلى أن ثمة شروطاً موضوعية لا بد من توافرها لدى المرشحين الشباب لخوض الانتخابات، وهي ببساطة أن يكون «ناشطاً طبيعياً» أي أن «يكون نشاطه السياسي في الشارع»، وهذا أمر يفتقده الشباب، نتيجة للتركيبة السياسية التي كانت قائمة خلال السنوات الثلاثين الماضية، والتي منعتهم من التواصل مع الشارع بشكل سليم، يضاف إلى ذلك ضعف إمكاناتهم المادية مقارنة بالجماعات الدينية التي نجحت في التوغل بسهولة في النسيج الاجتماعي.
مهمة صعبة
وبرغم هذا الإرباك الذي تبدّى في تعاملهم مع قضية الانتخابات، يبدو أن شباب الثورة يحاولون اليوم اقتناص الفرصة الأخيرة لاحتواء الموقف، والخروج من تلك المعركة بأقل قدر ممكن من الخسائر. ولهذا السبب، فقد انضوت مظلتهم الأبرز («ائتلاف شباب الثورة») في تحالف جديد، تشكل بعد سلسلة الانشقاقات التي ضربت التحالفات الكبرى، وهو تحالف «الثورة مستمرة»، الذي يضم «حزب التيار المصري» و«حزب المساواة والتنمية» و«ائتلاف شباب الثورة» و«حزب التحالف المصري» و«حزب التحالف الشعبي الاشتراكي».
وإلى جانب «الثورة مستمرة»، فإن بعض الأحزاب الصغيرة بادرت إلى ترشيح أعداد متفاوتة من الشباب في قوائمها. ولعل أبرز تلك الأحزاب «حزب العدل»، ذو الطابع الشبابي، والذي قرر ترشيح الشباب على نصف مقاعده، وحزب «التيار المصري» الذي تأسس بمبادرة من شباب معارضين لقيادة جماعة «الإخوان المسلمين».
غير أن فرص نجاح شباب الثورة في تحقيق نتيجة تليق بدورهم في بناء مصر الثورة يبقى أشبه بمهمة مستحيلة، في ظل الإمكانات المتواضعة للقوى الشبابية، وفي ظل حالة الهيجان التي تشهدها مصر هذه الأيام بين معسكري الليبراليين والإسلاميين، ناهيك عن أن أخلاقيات أولئك الشباب تبدو على طرف نقيض من السلوك الانتخابي للقوى التقليدية البارعة في التعامل مع بيئة انتخابية فاسدة، تعلو فيها عصبية العائلة والقبيلة فوق الأفكار السياسية، ويتفوق فيها عاملا الخطاب الديني والرشوة الانتخابية على الأفكار السياسية الثورية.
وفضلاً عن الصعوبات اللوجستية التي فرضها قانون الانتخابات الجديد، وإصرار معظم الأحزاب الكبيرة على ترشيح الشباب في ذيل قوائمها، فإن التوقعات بضآلة حجم التمثيل الشبابي في البرلمان الجديد تعكسها أيضاً الثغرات الكبيرة في طريقة إدارة الشباب حملتهم الانتخابية.
ومن بين تلك الثغرات ضعف التنسيق ـ وربما غيابه في بعض الدوائر ـ بين مرشحي شباب الثورة أنفسهم، وهو ما تبدّى في تحوّل عدد من رفاق ميدان التحرير إلى خصوم في دوائر انتخابية واحدة. ومن بين هؤلاء الناشطة الشبابية أسماء محفوظ التي وجدت نفسها في منافسة قوية مع الناشط السياسي البارز عمرو حمزاوي في دائرة مصر الجديدة، وكذلك الناشطين زياد العليمي وخالد السيد في دائرة جنوب القاهرة، فضلاً عن شخصيات ثورية بارزة مثل تيسير فهمي وجميلة إسماعيل في دائرة قصر النيل.
خيارات بديلة
وبالنظر إلى تلك الوقائع، يدرك الكثيرون من شباب الثورة مدى صعوبة المعركة الانتخابية، لكنّ بعضهم يرى أن غياب الشباب عن البرلمان الجديد قد يشكل فرصة جديدة لاستعادة روح ثورة 25 يناير.
ويرى البعض أن البرلمان المقبل لن يكون على مستوى الثورة، ولهذا فإن ثمة من يؤمن بأن ثورة 25 يناير قد أفرزت شكلاً جديداً من العمل السياسي.
من بين هؤلاء ناشطو حركة «شباب 6 إبريل» الذين قرروا عدم خوض الانتخابات، مفضلين انتهاج شكل جديد من الرقابة الشعبية.
وحول هذه التجربة، تقول المنسقة الإعلامية للحركة إنجي حمدي لـ«السفير» إنه «بموجب اللائحة التي تشكلت على أساسها 6 إبريل، فقد توافقنا على أن نكون حركة مقاومة لا تسعى للسلطة بأي شكل من الأشكال»، مشيرة إلى أن هذا البند ما زال قائماً حتى بعد تعديل اللائحة في مرحلة ما بعد مبارك. وتضيف «اليوم أصبح لدينا دور جديد، وهو مراقبة التحول الديموقراطي في المرحلة الانتقالية، ومن ثم مراقبة عمل الحكومة والبرلمان والرئيس في المرحلة اللاحقة».
ولكن أليست الرقابة من داخل البرلمان أكثر نجاعة؟ تجيب حمدي ببساطة: «لو دخلنا جميعاً مجلس الشعب فمن سيراقبنا»، مشيرة إلى أن مصر في المرحلة المقبلة «تبدو في حاجة إلى جماعة ضغط تراقب القوانين والتشريعات، وهذا ما نسعى إلى القيام به».
بذلك، يبدو أن ثمة خيارات متفاوتة لدى شباب الثورة في تحديد أشكال العمل السياسي في المرحلة المقبلة، لكن حصيلة الأشهر العشرة الأولى للثورة، تظهر أن أولئك الشباب قد شتتوا جهودهم في معركتي «الدستور أولاً» و«الانتخابات أولاً»… فكان أن فقدوا القدرة على حسم المعركتين معاً. ولذلك ترى مرشحيهم يكتفون اليوم بالرهان على مفاجأة ما قد تحصل يوم الانتخاب، في ظل الغموض الذي يلف خيارات الناخبين، وهو ما يجعل مختلف القوى عاجزة عن تقدير حجمها الحقيقي قبل انتهاء فرز الأصوات في صناديق الاقتراع.
ولكن مهما يكن الأمر، فإن ثمة دوراً محورياً سيؤديه الشباب في المرحلة المقبلة، غير أن ذلك يستوجب إجراء مراجعة شاملة يمكن من خلالها استخلاص العبر من أولى التجارب السياسية الحقيقية في تلك المرحلة الانتقالية.

“السفير” – 16/11/2011 

فليكر