روبرت فيسك: لا حرب أهلية جديدة في لبنان

جرعة أمل أعطاها روبرت فيسك للبنانيين، أمس، في منطقة وسطى بين جحيم طرابلس وموقع سقوط الصاروخين في الشياح.
الصحافي البريطاني، صاحب كتاب «ويلات وطن»، بدا واثقاً من نفسه، وهو يقول إن «لا حرب أهلية جديدة» في لبنان، وإن كان يعتقد بأن التوتر سيبقى سمة هذا البلد، ما دام شعبه غير قادر على نزع الطابع الطائفي عن النظام السياسي.
«مأساتنا ترجع إلى تاريخنا». هكذا ينظر فيسك إلى أزمات المنطقة في كتابه «الحرب الكبرى تحت ذريعة الحضارة»، ليخلص إلى القول: «كيف نصحح التاريخ.. تلك هي المسألة». وإذا ما أضيفت عبارة «تصحيح التاريخ» إلى ما قاله الكاتب الفرنسي ألبير كامو بأننا «لا نستطيع الهروب من التاريخ طالما أننا نعيش فيه»، يكون السؤال عن العلاقة بين تصحيح التاريخ والهروب منه، ودور الصحافي في هذه الدينامية. وهذا ما كان محور جلسة النقاش التي نظمتها «جامعة سيدة اللويزة» مع فيسك أمس.
وبما أن الحديث يدور حول التاريخ وارتباطه بالحاضر، فقد اختار فيسك أن ينطلق في مقاربته لهذه الإشكالية من الحرب العالمية الأولى، التي كان والده شاهداً عليها، حين كان جندياً بريطانياً على الجبهة الفرنسية، والتي علم عنها الصحافي المخضرم الكثير في شبابه بعد طفولته.
الحرب العالمية الأولى وتداعياتها السياسية ربما كانت أول ما فكّر به فيسك حين وطأت قدماه بيروت في العام 1976. ولعل السبب في ذلك أن هذه الحرب الكونية قد حدّدت وقائع سياسية ما زالت ترسم شكل العلاقات سواء في الوطن العربي، الذي بات فيسك واحداً من أهم المختصين بشؤونه، أو في مناطق أخرى عمل فيها مراسلاً، على غرار جمهوريتي البوسنة وصربيا اليوغوسلافيتين السابقتين.
هكذا، فإن كل ما تعيشه المنطقة العربية مرتبط بشكل أو بآخر بتداعيات الحرب الكونية، بدءاً بـ«الحدود المصطنعة» التي رسمت في اتفاقية «سايكس ـ بيكو»، وصولاً إلى «وعد بلفور»، الذي مهّد لقيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين.
وبطبيعة الحال، فإن لبنان ـ البلد الذي «اختاره» فيسك مكاناً لإقامته في الشرق الأوسط دون سواه ـ كان في قلب عاصفة التحوّلات التي أفرزتها الحرب العالمية الأولى. ولعلّ الظاهرة الأبرز لهذه الإفرازات تتمثل في تكريس الفرنسيين للطائفية على مستوى النظام السياسي.
هو بلد يمكن أن تنظر إليه كـ«دولة حديثة»، ولكن كي يكون هكذا فعلاً، فإن ثمة حاجة «لنزع الطابع الطائفي» عنه، يقول فيسك. هنا، يبدو فيسك متشائماً، إذ يخاطب مستمعيه قائلاً: «لا اعتقد أنكم قادرون على نزع الطائفية من لبنان، طالما أنها باتت مرتبطة بهوية هذا البلد.. تلك هي المشكلة التي لا أعلم كيف يمكنكم حلّها».
لا يفوت فيسك هنا التطرق إلى القضايا الراهنة المرتبطة بالظاهرة الطائفية، ولعلّ أبرزها النظام الانتخابي اللبناني الذي «قد يحتاج المرء إلى دكتوراه كي يفهمه».
ومع ذلك، يبدو الصحافي البريطاني مطمئناً إلى أن «لا حرب أهلية جديدة في لبنان»، بالرغم من أنه يواجه واحدة من أضخم الأزمات «كالعادة».
يستند فيسك في نظرته المطمئنة تلك إلى أن الشعب اللبناني، خصوصاً جيله الجديد، قد بات أكثر نضجاً مقارنة بما كان عليه الوضع في العام 1975، وكذلك أكثر مناعة تجاه الانجرار إلى الحرب، علاوة على أنه لمس من السياسيين عدم الرغبة في دفع البلاد إلى الهاوية..
ربما يكون فيسك مفرطاً في تفاؤله، فقرار الحرب قد لا يكون في أيدي اللبنانيين، كما قال أحد الطلاب.. أما نضوج الشعب اللبناني فما زال موضع شك في ظل تمسك غالبيته بالطائفة والمذهب على حساب الوطن والدولة.

وسام متى
“السفير” – 28/5/2013

Instagram @ wmattablog

Instagram has returned invalid data.