عام «الربيع العربي»: الشعب يكسر الخوف.. ويصطدم بحلف مضاد

قبل سنة من اليوم، لم يدرك أحد في العالم أن العام 2011 سيدخل التاريخ المعاصر من أوسع الأبواب. صحيح أن الانتفاضة الشعبية في تونس كانت قد اشتعلت للتو، لكن قليلين توقعوا أن يشهدوا فراراً مذلاً لدكتاتور عربي كما حدث لزين العابدين بن علي، أو أن يشاهدوا دكتاتوراً آخر مثل حسني مبارك وراء القضبان بعدما أطاحته ثورة شعبية غير مسبوقة كتلك التي انطلقت يوم الخامس والعشرين من كانون الثاني الماضي.
وإذا كان حلم التغيير في العالم العربي، قبل بضعة أشهر، ضرباً من ضروب الخيال، فقد أصبح اليوم واقعاً ملموساً، بالرغم من بعض الإخفاقات هنا والتعثرات هناك، فثمة سيرورة تاريخية انطلقت، وهي تكتسب أهمية استثنائية، ذلك أن الشعوب العربية، للمرة الأولى منذ عقود، تمكنت من كسر حاجز الخوف، فانتفضت وثارت على الطغيان، والأهم أنها أصبحت اليوم طرفاً رئيسياً في الصراع الذي يدور داخل العالم العربي وعليه.
لكن ما تحقق حتى الآن في تونس ومصر ـ وبدرجات متفاوتة في ليبيا واليمن وسوريا – ما زال يصطدم بجملة معوقات تحول دون التغيير الجذري، بعدما التقت مصالح القوى الغربية، وفي طليعتها الولايات المتحدة، والقوى الرجعية العربية، متمثلة بقوى الإسلام السياسي المدعومة من دكتاتوريات النفط في الخليج، في حلف جديد ضد القوى الليبرالية واليسارية والعلمانية التي تبدو اليوم في أمسّ الحاجة إلى تنظيم ثوري موحد تصبح معه المعركة المقبلة أكثر تكافؤاً.
يقول المفكر الأميركي نعوم تشومسكي لـ«السفير»: «على المستوى العام، نحن أمام أحداث ذات أهمية تاريخية، بصرف النظر عن نتائجها، فالكثير قد تحقق، وقد تم التأسيس لقاعدة جديدة ستسمح بالمضي قدماً خلال المرحلة المقبلة».
ويشير تشومسكي إلى أن «هذه التطورات أتت بعد عقد من التحرر في أميركا الجنوبية، التي نجحت شعوبها في كسر قيود النيوليبرالية، وبدأت تخطو خطوات حثيثة باتجاه التكامل والاستقلال من السيطرة الأجنبية، والتي تشهد تصدياً جدياً للقمع بأشكاله الاقتصادية والسياسية».
أما في ما يتعلق بالشرق الأوسط، يضيف تشومسكي، «فالنتائج كانت متفاوتة، فثمة دولتان ما زالتا تحت الاحتلال (فلسطين والصحراء الغربية)، وثمة دكتاتوريات نفطية، كالسعودية والكويت، سحقت فيها كل المبادرات الشعبية، وهو أمر ينطبق أيضاً على ما جرى في البحرين بعد التدخل الذي قادته السعودية، في الوقت الذي شهدنا فيه أموراً مختلفة في تونس ومصر حيث أطيح دكتاتوران مدعومان من الغرب».
وبرغم كل ما حدث، يرى تشومسكي أن «ثمة تيارات معقدة ما زالت تتشكل في هذه المنطقة العربية»، مشيراً إلى أنه «من غير الواضح بعد كيف سيتم حل المشاكل الحادة في هذه المنطقة»، لكنه يعتقد أن «ثمة أسبابا تدعونا إلى التفاؤل بأن أياماً مشرقة تنتظرنا».
وفي ما يتعلق بالقوى المناهضة للثورة، سواء في الداخل أو في الخارج، يشير تشومسكي إلى أن «أنظمة الاستبداد والامتيازات لا يمكن أن تتلاشى بسهولة، فهي تسعى للحفاظ على هيمنتها من خلال اللجوء إلى أساليب جديدة، وبإمكانها دائماً أن تعتمد على دعم الولايات المتحدة وحلفائها، علماً بأن لدى هؤلاء ما يكفي من الأسباب لكي يخشوا أي توجهات ديموقراطية في المنطقة العربية – كما في أماكن أخرى – ولذلك فإنهم سيقومون بكل ما في وسعهم للحد من هذه التوجهات، خلافاً لما يصدرونه من تصريحات علنية».
ومن بين التداعيات التي أفرزها «الربيع العربي» في العام المنصرم، يمكن الحديث عن بروز قوى الإسلام السياسي من المغرب وليبيا، مروراً بمصر وتونس، وصولاً إلى سوريا واليمن… الخ. وفي هذا الإطار يشير تشومسكي إلى أنه «برغم الصراعات الداخلية بين هذه القوى، فإن تأثيرها ونفوذها كانا واضحين على امتداد المنطقة العربية، عموما، وفي البلدين اللذين شهدا درجة معينة من التعبير عن الإرادة الشعبية، أي مصر وتونس خاصة. ونفترض عموماً – ظاهرياً على ما يبدو – أن جاذبية هذه القوى، بمن في ذلك السلفيون، تكمن في ارتباطها السريع والمباشر بالحاجات الملحة للغالبية الساحقة من الفقراء والمحرومين، ولذلك، فإنّ علينا أن ننتظر قليلاً لكي نرى ما إذا كانت القوى الليبرالية والعلمانية قادرة على مواجهة هذا التحدي».
وبرغم الضباب الذي يحجب الرؤية عن مستقبل «الربيع العربي»، فإن ما حدث خلال العام 2011 جعل الشباب العربي محط آمال بالنسبة كثيرين. وفي هذا الإطار، يشدد تشومسكي على أن «شجاعة هؤلاء الشبان ألهمت العالم كله، فالكثير قد تحقق خلال الأشهر الماضية، ومن المؤكد أنهم سيواجهون صراعات خلال المرحلة المقبلة، ولذلك فإن رسالتي لهم هي أن يستمروا في إعطائنا الدروس لكي يثمر نضالنا عدالة وحرية وسلاماً».
بدورها، تقول أستاذة العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في القاهرة رباب المهدي لـ«السفير» إن «ما حدث خلال العام الفائت كسر تابوهات كثيرة، وخصوصاً تلك التي صوّرت ثقافة المنطقة العربية على أنها ثقافة خانعة، أو أنها تتمثل في مبادئ معينة تحض على الخضوع»، مشددة على أن هذه التطورات «أتت لتهدم المنظور الاستشراقي للمنطقة برمّته».
وترى المهدي «أننا لم نصل بعد إلى آخر مخرجات الربيع العربي لكي نستطيع تقييمها، فنحن بصدد ثورات لم تكتمل بعد، ما يطرح معوّقاً رئيسياً يرتبط خصوصاً بتغيّر شكل المنطقة العربية، والذي من شأنه أن يغير شكل العالم».
وتوضح المهدي أنه «من الناحية الجيوسياسية، تعتبر المنطقة العربية محورية بالنسبة للإمبراطورية الأميركية، وبالتالي فإن صعود أنظمة تحررية فيها سيغيرّ من شكل العلاقات بين هذه المنطقة وبين الولايات المتحدة وشريكها الأصغر (إسرائيل)، ولذلك فإننا في خضم مواجهة كبرى، بغض النظر عن الخطاب المعلن، وهو أمر يستتبع بالضرورة أن تنشأ تحالفات إقليمية بين المحور السعودي –الخليجي والإدارة الأميركية في محاولة لتقويض دعائم هذه الثورات».
وترى المهدي أن أهم ما أفرزه الربيع العربي يتمثل في «تغيير ميزان القوى، لجهة دخول القوى الشعبية مباشرة إلى حلبة الصراع، وهو أمر لم يكن قائماً منذ ستين عاماً»، مشيرة إلى أن «هذا العامل أصبح محوراً أساسياً في كل السياسات المرتبطة بالمنطقة، وهو أمر يخيف الآخرين، بقدر ما يعطي الجماهير ثقة في قدرتها على إحداث التغيير».
لكن المشكلة، بحسب المهدي، تكمن في «أننا لا نستطيع حتى الآن أن نحسم ما إذا كانت هذه المعركة متكافئة أم لا، ولكن بإمكاننا القول إن ما ينقص الشعوب العربية في هذه المرحلة، لكي تدير المعركة وتنتصر فيها، هو عامل التنظيم، وبغياب هذا العامل ستسهل عملية تقويض الثورة وحصرها في إطار هبات شعبية تأتي ببعض التغييرات الشكلية في النظام السياسي ولا تحقق التغيير الجذري المنشود». وتشير إلى أننا أمام «عملية معقدة، وهي غير مرتبطة بوقت محدد، فإما أن تحدث أم لا، ولذلك فإن النقطة المحورية في العام 2012 تكمن في ضرورة وجود تنظيمات ثورية موحدة في كل من الدول التي شهدت ثورات شعبية».
وتوضح المهدي أنه «بالنظر إلى أن القوى الأكثر تنظيماً في هذه المعركة هي القوى الإصلاحية الرجعية، وبالنظر أيضاً إلى النفوذ الإستراتيجي للولايات المتحدة في المنطقة وعامل الدعم المالي من السعودية ومنطقة الخليج، فإن تنظيم إطار ثوري جذري في هذه المرحلة يبدو أمراً صعباً»، لكنها ترى أن «كل الثورات تستغرق سنوات، وتمر بموجات متعددة، ومن الممكن أن يكون ما حدث خلال الفترة الماضية موجة ثورية أولى، قد تستتبع خلال السنوات القليلة المقبلة بموجات أخرى تتغلب على مجمل هذه الصعوبات».
وتضع المهدي قوى الإسلام السياسي في خانة القوى الإصلاحية الرجعية، بالمعنى السياسي، ذلك أن تلك القوى «تسعى لأن تبقي الثورة ضمن إطار الإصلاحات الديموقراطية الإجرائية التي تسمح لها بالوصول إلى السلطة، ولأنها لا تختلف كثيراً عن الأنظمة القديمة، وهو أمر تبدّى مؤخراً في مصر، من خلال التقارب بين الإسلاميين والولايات المتحدة، وأيضاً في موقفهم من معاهدة الصلح مع إسرائيل، وفي سوريا، من خلال التصريحات التي أطلقها برهان غليون حول ضرورة تغيير شكل العلاقات بين سوريا وإيران من جهة، وبين سوريا والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ثانية».
بدوره، يقول أستاذ في»معهد الدراسات الشرقية والأفريقية» في لندن جيلبير أشقر لـ«السفير» ان «ما حصل خلال الأشهر الماضية كان تطوراً عظيماً، فالجماهير كسرت حاجز الخوف، ودخلت حلبة النشاط السياسي للمطالبة بحقوقها في الحرية والديموقراطية بعد عقود طويلة من القهر والاستبداد والقمع».
ويرى أشقر أن ثورات الربيع العربي جاءت «لتنقض آراء بعض الاستشراقيين الذي ادعوا بأن شعوبنا أدمنت على الاستبداد»، لافتاً إلى أن الشعوب العربية «أثبتت أنها لا تقل عن باقي شعوب العالم توقاً للحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية».
ويشير أشقر إلى أنه «منذ التسعينيات كان يمكن القول إن المنطقة العربية هي الاستثناء العالمي الاستبدادي، وهو أمر لا يمت بأي صلة للثقافة، بقدر ما يرتبط في كوننا منطقة إستراتيجية قامت فيها أنظمة لا شرعية صنعتها الامبريالية، وأرست حكمها عبر الأساليب القمعية المعروفة».
وبالنظر إلى الأهمية الإستراتيجية للمنطقة العربية، وفي محورها عامل النفط، يرى أشقر انه «كان من الطبيعي أن تسعى الدول الغربية لدعم الأنظمة الاستبدادية، لعلمها بأن أي ديموقراطية حقيقية ستأتي بحكومات غير تابعة للمصالح الغربية، بالنظر إلى العداء الذي تكنه الشعوب العربية للسياسات الغربية الداعمة لإسرائيل ولأنظمة الاستبداد».
ويذكّر أشقر بأن «الحالة الثورية التي انطلقت من قضايا اقتصادية – اجتماعية، وكان من الطبيعي، في ظل منظومة القمع، أن تتحول إلى صدام مع الاستبداد، وهو ما يفسّر الانتقال من شعار (الحق في العمل) إلى شعار (الشعب يريد إسقاط النظام)، ما يعني أن ما نشهده اليوم هو مجرّد محطة أولى لسيرورة ثورية طويلة الأمد».
ويوضح أشقر أن «القوى التي هيمنت على الانتخابات في مصر وتونس هي قوى المعارضة القديمة، وليست القوى التي بادرت إلى الحراك الثوري». ويشير إلى أن تلك القوى القديمة «تمكنت من الفوز بما لها رصيد سياسي (قوى معارضة)، ورصيد مالي (تمويل خليجي ضخم)، وإمكانات لوجستية وإعلامية مكرسة لخدمتها، ولكن فوزها هذا لن يقدم حلا للمشكلة الأساسية التي كانت وراء الانفجار الثوري، أي المشاكل الاقتصادية الاجتماعية، لأنها لا تمتلك أي برنامج بديل».
ولذلك يشدد أشقر على أن البديل لهذه القوى يتطلب وجود «تمثيل سياسي للقوى التي كانت بادرت إلى الثورة، ومن بينها الحراك الشبابي والحركة العمالية».
وفي ما يتعلق بالموقف الغربي من «الربيع العربي»، يرى الأشقر أن «الثورات العربية أتت لتكرس الانتكاسة التي أصيبت بها الولايات المتحدة منذ احتلالها للعراق عام 2003، والذي مثل خطأ استراتيجياً، ونعته أشخاص من أمثال زبغنيو بريجنسكي وهنري كيسينجر بأنه كارثة على السياسة الخارجية الأميركية، أو بمعنى أدق، كارثة على الهيمنة الامبريالية الأميركية».
ويشير أشقر الى أنه «أمام هذه الانتكاسة التاريخية للهيمنة الأميركية، وفي ظل الهبة الجماهيرية التي نحن بصددها، وفي الوقت الذي تدرك فيه الولايات المتحدة أن حلفاءها في المنطقة لا يملكون أي شرعية جماهيرية، نجد أن الإدارة الأميركية قد أصبحت تراهن اليوم على قوة جديدة هي جماعة الإخوان المسلمين»، لافتاً إلى أن «ما نشهده اليوم هو تجديد للتحالف الذي كان قائماً بين الإخوان والأميركيين في الخمسينيات والستينيات في وجه جمال عبد الناصر والاتحاد السوفياتي والقومية العربية، مع فارق وحيد، وهو أن الوسيط لم يعد السعودية بل قطر».
بذلك، يمكن القول إن فرزاً جديداً قد بدأ يتشكل في ختام العام الأول لـ«الربيع العربي»: قوى ثورية تنتظر تشكيل إطار تنظيمي يوحد صفوفها من جهة، وتحالفات إقليمية ودولية جديدة لكبح الإرادة الشعبية التي تفجرت خلال العام المنصرم من جهة ثانية… ولعل كل ذلك يوحي بأن العام المقبل لن يكون أقل صخباً.

“السفير” – 31/12/2011

Instagram @ wmattablog

Instagram has returned invalid data.