قبائل سيناء على خط المواجهة مع “داعش”: ايجابيات وسلبيات

ليس واضحاً بعدُ إلى أين تسير المعركة المفتوحة بين الدولة المصرية وتنظيم داعش في شبه جزيرة سيناء. لكن تطوّراً مفاجئاً برز في الأسبوع الماضي، حين سجل يوم 26 أبريل دخول الترابين، وهي من أكبر قبائل سيناء، على خط المواجهة.

في الظاهر، قد تشكل مشاركة القبائل البدوية في سيناء عاملاً حاسماً في انتصار القوات المسلحة المصرية على إرهابيي “ولاية سيناء”، الإسم الجديد للتنظيم الذي كان يُعرف باسم “أنصار بيت المقدس”، قبل مبايعته لـ”الدولة الإسلامية”، أواخر العام الماضي. لكن بعض التفاصيل قد لا تبعث على الاطمئنان، نظراً إلى التعقيدات التي تتسم بها العلاقات القبلية في “أرض الفيروز”، والعلاقة الشائكة بين أهلها والدولة المركزية منذ أيام محمد علي باشا.

لماذا الآن؟

أول التساؤلات التي يثيرها دخول الترابين على خط المواجهة بين الدولة المصرية والجماعات التكفيرية في سيناء، يتعلق بتوقيت هذه الخطوة. ومعروف أن نشاط التنظيمات الجهادية في سيناء انطلق عملياً عام 2004، حين شهدت شبه الجزيرة المصرية أول الحوادث الإرهابية (تفجيرات طابا ورأس الشيطان ونويبع ودهب وشرم الشيخ). ومن ثم اتخذ هذا النشاط منحى تصاعدياً بعد ثورة 25 يناير، ليصل إلى الذروة غداة سقوط نظام الإخوان المسلمين.

طوال هذه الفترة، اتجهت أصابع الاتهام إلى طرفين: التنظيمات الجهادية التي كانت تتبنى إيديولوجيا “القاعدة” (قبل بروز داعش)، والقبائل البدوية، وأحياناً الإثنين معاً، وذلك في سياق ما نظّر له البعض حول تقاطع في المصالح الاقتصادية بين الطرفين (تهريب وتجارة سلاح)، وتشاركهما في “العداوة” للدولة المركزية.
تمييز ضد السيناويين

واقع الأمور يدفع إلى إلقاء المسؤولية عن تدهور الأوضاع في سيناء على الدولة المركزية التي اتبعت سياسة مزدوجة تجاه السيناويين، منذ تحريرها من الاحتلال الاسرائيلي عام 1982، وذلك على المستويين الاقتصادي والأمني.

فقد كرست السلطات المصرية تمييزاً ملحوظاً بين الجزء الشمالي من سيناء، الذي يواجه أسوأ الأوضاع على المستوى التنموي، وبين الجزء الجنوبي منها، الذي بات مركز ثقل في نشاط القطاع السياحي. لذلك كان طبيعياً أن تتحوّل مناطق مثل العريش ورفح والشيخ زويد إلى تربة خصبة لاقتصاد بديل قائم على تجارة السلاح والمخدرات والتهريب، نظراً إلى غياب البدائل الاقتصادية المشروعة. وصارت أسماء بعض السيناويين تتصدر صحفات الحوادث في الصحف المحلية، كشادي المنيعي، الذي أصبح في ما بعد أحد أبرز قادة تنظيم “أنصار بيت المقدس”.

ومن جهة ثانية، فإن المقاربة الأمنية التي اعتمدتها الدولة المصرية، وخصوصاً وزارة الداخلية، في تصديها للظواهر الإجرامية تميزت ببطش بوليسي كانت له تداعيات كثيرة، إن لجهة تكريس حالة الاغتراب عن الوطن في الأوساط السيناوية، أو لجهة دفع أهالي شبه الجزيرة المصرية إلى رفع منسوب تحديهم للسلطات الرسمية، والأخطر ضرب البنية الاجتماعية في هذه المنطقة، وتحديداً في جانبها القبلي.
ضرب البنية الاجتماعية

لم تنجح السياسات الاقتصادية والأمنية المعتمدة في سيناء، منذ تحريرها، في تحقيق الاندماج بين السيناويين والدولة المصرية. ولعل ذلك يبدو واضحاً حين يجاهر أحد السيناويين بأنه أقرب إلى بلاد الشام منه إلى بلاد النيل، أو حين يطلق آخر على المصريين في منطقة الدلتا تسمية “سكان الوادي” (وادي النيل) و”المصاروة”.

كذلك، فإن القبضة البوليسية التي فرضتها وزارة الداخلية على سيناء، والتي بلغت ذروتها في عهد حبيب العادلي، أوجدت رغبة في الثأر من كل ما هو مصري. وإذا كان الجيش المصري قد شكل استثناءً لدى السيناويين في نظرتهم إلى أجهزة الأمن، فإنّ بعض التدابير التي اتخذتها القوات المسلحة في المدة الأخيرة، ومن بينها حظر التجول في شمال سيناء، قوّضت بشكل أو بآخر هذا الاستثناء، أقله لدى بعض شرائح المجتمع السيناوي.

عوامل ساعدت الإرهابيين

تطوّر نوع من التواصل غير الطبيعي مع الجماعات الإرهابية في سيناء، وذلك على مستويين: الأول، الاختلاط الذي حصل في السجون بين بعض السيناويين المحكومين جنائياً وبعض الإرهابيين المحكومين على خلفية إرهابية، والثاني، ما وفرته المنتديات الجهادية لبعض الشباب السيناوي من فرص للتعرف إلى فكر تنظيم “القاعدة”، ومن ثم الانتقال إلى علاقة تنظيمية بدائية، سرعان ما أخذت تتطوّر.

كل ذلك كان كافياً خلال السنوات الماضية لجعل بعض السيناويين، وخصوصاً الشباب، يبحث عن حاضنة أخرى غير الدولة، ويرتمي في حضن الجماعات الإرهابية. فبدأت “أرض الفيروز” تشهد نشوء جماعات مثل “الرايات السوداء” و”التوحيد والجهاد” و”أنصار بيت المقدس”، وأخيراً “ولاية سيناء”.

وفاقم من هذا الواقع مساهمة السياسات البوليسية في ضرب بعض الأسس الاجتماعية البدوية، وخصوصاً لجهة تقويض السلطة المعنوية التي كان يتمتع بها شيخ القبيلة، بعدما انتقلت الكلمة الفصل التي كان يمتلكها إلى ضباط الأمن.

وللتوضيح، فإن عقوبة “التشميس” (الطرد)، التي يحق لشيخ القبيلة إنزالها بأحد أبناء عشيرته، كانت في السابق رادعاً قوياً يمنع التجاوزات. أما اليوم فقد بات بمقدور أي شاب يجد نفسه من دون “خيمة” قبلية تحميه أن يعثر على ملاذ لدى جماعات الإرهاب.

القبائل تدخل الحرب

لعل ما سبق يفسر سبب تأخر القبائل في الانخراط في المعركة ضد داعش. ولكن ما الذي تغيّر اليوم حتى بات الحديث يدور حول انتفاضة قبائلية مسلحة ضد التنظيم المتشدد؟

تعددت التفسيرات بشأن هذا التطوّر. الإعلام الرسمي سارع إلى إطلاق الشعارات الوطنية المعروفة من قبيل أن أهالي سيناء “هم جزء لا يتجزأ من الوطن” و”سند لقواته المسلحة”. في المقابل، راح بعض الإعلام المعارض يطرح مقاربات مؤامراتية من قبيل أن الزج بالقبائل في الحرب على الإرهاب هو “خطة جهنمية” من تدبير المخابرات، والهدف منها “التغطية على عجز القوات المسلحة” عن حسم المعركة ضد الإرهاب.

وبين هذا الرأي وذاك، فإن التفسير الأقرب إلى الواقع يمكن قراءته في بيان قبيلة الترابين بشأن إعلان الحرب على “ولاية سيناء”، والذي يفهم منه أن هذه الخطوة جاءت على خلفية تجاوزات التكفيريين، وانتهاكهم للأعراف القبلية، وقتلهم أحد أبناء الترابين بعد رفضه توزيع بيان لـ”داعش”، وذبح فتى يبلغ من العمر 16 عاماً، وتفجير منزل أحد رجال الأعمال من أبناء القبيلة.

وعليه، يمكن وضع الإطار الذي يدور في فلكه الحراك القبلي السيناوي ضمن عناوين ثلاثة: الأول، الثأر من إرهابيي “ولاية سيناء”، والثاني، حماية خصوصية الوسط القبلي من تمدد جماعات غريبة في فكرها وسلوكياتها عن المكوّنات التقليدية، والثالث، فك الطوق المفروض على المجتمع السيناوي الذي بات يرزح بين مطرقة القوات المسلحة وسندان الجماعات الإرهابية.

إيجابيات ومخاوف

في العموم، فإن مشاركة أبناء القبائل في سيناء تنطوي على إيجابيات كثيرة، وتبدو عاملاً حاسماً في الحرب على الإرهاب، خصوصاً أن تلك القبائل هي الوحيدة القادرة على فك الطلاسم الجغرافية والديموغرافية في “أرض الفيروز”. ومع ذلك، فإن المحاذير التي يطرحها كثيرون بشأن هذه الخطوة تبدو مشروعة، نظراً إلى عوامل محلية وإقليمية.

فمن جهة، ثمة مخاوف من أن يؤدي تسليح القبائل إلى تشكيل ميليشيات موازية للدولة المصرية في مجتمع محلي يعاني من تهميش تاريخي، وهو أمر قد يقود، في حال توافر الظروف الموضوعية، إلى بروز نزعات انفصالية في منطقة تمتاز بموقع إستراتيجي في الشرق الأوسط، خاصةً في ظل معطيات جغرافية تجعل منطقة سيناء شبه مفصولة عن وادي النيل.

ولعل كثيرين يقللون من أهمية هذه المخاوف، ويحاججون بأن السلاح موجود أصلاً، وبكثافة، في المجتمع السيناوي، وتالياً فإن وجود تشكيلات قبلية مسلحة لن يعد تطوّراً استثنائياً يهدد سيادة مصر ووحدة أراضيها، وخصوصاً في ظل غياب العاملين الطائفي والعرقي اللذين يدفعان غالباً نحو تأجيج النزعات الانفصالية. ومن جهة ثانية، فإن ثمة قلقاً من احتمال أن يؤدي تمكين القبائل أو بعضها عسكرياً إلى اقتتال داخلي، نتيجة تعقيدات المجتمع السيناوي والتنافس القبلي بين مكوناته.

قبائل سيناء

ينتشر ما يزيد على 15 قبيلة بدوية في سيناء ضمن مناطق محددة تُحكم من خلال اتفاقات عرفية. ففي الشمال الشرقي، على امتداد البحر المتوسط، توجد قبيلتا السواركة والرميلات، وإلى الغرب منها قبائل المساعيد والدواغرة والبياضية، وإلى الجنوب قبيلة الترابين التي تنتشر ضمن شريط داخلي يصل إلى حدود فلسطين.

من هنا يمكن تفسير المخاوف التي طرحها البعض، منذ حرب البيانات بين الترابين و”ولاية سيناء”، من أن يؤدي أي تصعيد إلى اضطرار مسلحي القبيلة للتسلل نحو مناطق تقع تحت سيطرة قبائل أخرى، مع ما يعنيه ذلك من إخلال بالأعراف القائمة تاريخياً، خصوصاً أن انتشار الجماعات الإرهابية، بحسب المعطيات المتوافرة، يتركز في مدينتي الشيخ زويد ورفح، وهما خاضعتان تاريخياً لسيطرة السواركة. وتالياً فإن أيّة عملية عسكرية ضدهم من قبل الترابين ستستدعي اختراق الحيز الجغرافي للقبائل “المنافسة”.

ولكن حتى الآن لا يبدو أن تلك الإشكالية قائمة، خصوصاً بعد إعلان حوالى 27 قبيلة وعشيرة توحدها في مواجهة الإرهابيين، وفي ظل ما يحكى عن تنسيق مباشر بين القبائل والقوات المسلحة لتجنب أي انفلات للموقف.

ولعل ما سبق يدفع إلى القول إن نطاق التحرك العسكري للقبائل سيبقى مقتصراً على أهداف محدودة، وهو الدفاع عن الحيز الجغرافي لكل قبيلة من وجود الإرهابيين، ونزع الغطاء عن بعض أبناء القبائل المنضوين في الجماعات الجهادية، والمساعدة اللوجستية للقوات المسلحة في حربها القاسية ضد الإرهاب في شبه الجزيرة المصرية.

وسام متى
“رصيف 22” -5/5/2015

Instagram @ wmattablog

Instagram has returned invalid data.