قميص “باليستينو” يثير جنون الصهاينة!

جنّ جنون الصهاينة في تشيلي: تصريحات تتهم الفلسطينيين بالترويج لشعارات مناهضة لإسرائيل، رسائل موجّهة إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” تطالب بمعاقبة نادي “باليستينو” بسبب “انتهاكه” قوانين اللعبة، وحملات إعلامية ممنهجة عبر وسائل الإعلام اليهودية العالمية ضد الفريق الفلسطيني تتهمه فيها بالترويج لـ”الكراهية” و”التعصب”!
السبب بكل بساطة أن فريق “باليستينو” (فلسطين باللغة الإسبانية)، وهو أحد فرق دوري الدرجة الأولى في تشيلي، قد قرر استبدال زيه المعروف بالوان العلم الفلسطيني الاربعة، عبر إضافة خريطة فلسطين التاريخية مكان الرقم واحد على قمصان لاعبيه.
بدأت القصة في الرابع من كانون الثاني الحالي، حين كشف فريق “باليستينو” لكرة القدم عن القميص الجديد للاعبيه خلال افتتاح الموسم الجديد للدوري التشيلي.
ومعروف أن الفريق، الذي أسسه المهاجرون الفلسطينيون إلى الدولة الجنوب أميركية في العام 1920، يلعب منذ نحو قرن من الزمن تحت ألوان العلم الفلسطيني (الأبيض والأخضر والأحمر)، كما أن قمصانه تحوي إعلانات لمؤسسات فلسطينية من بينها “بنك فلسطين”.
وإذ تعايش الصهاينة مع هذه الظاهرة، برغم الحنق الذي يثيره تمسك فلسطينيي تشيلي بانتمائهم إلى ارض فلسطين، فإن استبدال الرقم واحد بخريطة فلسطين التاريخية كشف عن حقد دفين لدى مؤيدي إسرائيل، ليس تجاه النادي الفلسطيني ـ التشيلي العريق فحسب، وإنما تجاه الجالية الفلسطينية، التي تتمتع بسمعة طيبة للغاية في تلك الدولة الأميركية اللاتينية.
واللافت للانتباه، أن القميص الجديد كان بمثابة “فأل خير” على “باليستينو”، إذ حقق فريق النادي لكرة القدم انتصاراً كبيراً على ضيفه “ايفيرتون سي دي” برباعية نظيفة، ليحصد بذلك النقاط الثلاث الأولى في أول لقاءات الموسم.
الجالية اليهودية في تشيلي أدانت ما وصفته بـ”العمل غير المسؤول” لإدارة “باليستينو”، وطالبت الاتحاد التشيلي لكرة القدم بـ”معاقبة” الفريق الذي تسبب “بيوم أسود لكرة القدم التشيلية”.
كذلك، لوّحت الجالية اليهودية برفع القضية أمام الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا”، ما لم يغيّر “باليستينو” قميصه ويتقدم باعتذار رسمي.
بدوره، قال رئيس الجالية اليهودية خيراردو غوروديشر للصحافة المحلية: “لا يسعنا القبول باستغلال كرة القدم لنقل الرسائل السياسية، ولاستيراد الصراع في الشرق الأوسط إلى هنا”، مضيفاً “ندرك جيداً أن الفيفا يمنع أعمال كهذه”.
أما الرئيس السابق للجالية اليهودية في تشيلي المحامي غابريل زالياسنيك، كتب عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر”: “أمر مخجل أن تقوم إدارة باليستينو بإفساد كرة القدم بالقاذورات. الكراهية والتعصب ليس لهما حدود”.
وفي ما بدا رغبة بنقل الجدل إلى مراحل أكثر تقدماً، تساءل زالياسنيك: “هل يرضى رئيس الاتحاد لكرة القدم في تشيلي بعدم مسؤولية إدارة نادي باليستينو”، في تحريض غير مباشر ضد رئيس الاتحاد سيرخيو جادوي وهو فلسطيني الأصل.
بدوره، اعتبر مدير الجالية اليهودية في تشيلي مارسيلو ايزاكسون أن ما قام به نادي “باليستينو” يعد “العمل العدائي”، قائلاً: “اليهود التشيليون مرتبطون بأرض أجدادنا. وعلينا ان نكون واضحين: هناك فلسطين وإسرائيل. ونحن نريد أن يتحدث قادة الجالية الفلسطينية على هذا النحو في نهاية المطاف. يمكننا مناقشة مسألة الحدود، ولكن أن يضعوا خريطة ويقولون (هذه فلسطين) متجاهلين وجود دولة إسرائيل، فهذا يعد عملاً عدائياً (!)”.
الحملة الاعلامية الصهيونية امتدت إلى خارج تشيلي، حيث علقت صحيفة “يديعوت أحرونوت” على الموضوع بأن كتبت “لعب فريق باليستينو الأسبوع الحالي في سياق الدوري التشيلي أمام فريق افيرتون” وفاز عليه بنتيجة 4 – صفر. لكن ما بقي راسخا في أذهان الجمهور من مخلفات المباراة هي قمصان الفريق الفائز التي تغير تصميمها قليلا بما يميل إلى التعبير عن مضمون سياسي”.
واتهمت الصحيفة العبرية فريق “باليستينو” بـ”إدخال الرموز والمواقف السياسية إلى ملاعب الكرة من خلال قراره تغيير ألوان قمصان الفريق وإضافة خريطة فلسطين كما كانت قبل 1948 مكان الرقم واحد”.
في المقابل، أعرب الاتحاد الفلسطيني في تشيلي عن “أسفه العميق” بسبب “حديث الصهاينة التشيليين عن استيراد الصراع في الشرق الأوسط إلى البلاد في الوقت الذي يرسلون فيه الأطفال اليهود من تشيلي إلى إسرائيل لتلقي التدريبات العسكرية”، معتبراً ان “من يستنكرون وجود الخريطة ما زالوا يعتبرون أن الأراضي المحتلة هي أراض متنازع عليها”.
بدوره، كتب لاعب كرة القدم التشيلي من أصل فلسطيني روبيرتو بشارة عبر صفحته على موقع “فايسبوك”: ” لست قلقا حول الجدال بشأن القميص الفلسطيني، أنا قلق لأن الأطفال الفلسطينيين لا يستطيعون أن يمارسوا كرة القدم بحرية، الحرية لفلسطين”.
وفي حديث إلى صحيفة محلية قال بشارة، الذي يعد من بين اللاعبين الأكثر شعبية في تشيلي: “يجب أن يتوقف الجدل الغبي حول هذه المسألة، وأن نرى ما يحدث هناك (في فلسطين)، حيث يموت كل يوم طفل فلسطيني”.
من جهته، رفض البروفيسور في “المركز العربي للدراسات” التابع لجامعة تشيلي رودريغو كارمي، في حديث إلى صحيفة “إل ديسكونسييرتو”، المزاعم الصهيونية عن استيراد الصراع العربي – الاسرائيلي إلى تشيلي، وذلك لأسباب عدّة، أبرزها أن هذا الصراع عالمي في طابعه أصلاً.
وقال كارمي: “المشكلة أنهم يطالبون دائماً الفلسطينيين بالاعتراف بدولة إسرائيل، فيما لا يُطالب الإسرائيليون بالاعتراف بالدولة الفلسطينية”، منتقداً “الايديولوجية الصهيونية القائمة على الابتزاز، والتي تجعل كل من ينتقد دولة اسرائيل – وإن تعلق الأمر بمراجعة اخلاقية أو انتقادات على السياسات والإبادة الجماعية – شخصاً معادياً للسامية”.
يذكر أن هذه ليست المرة الأولى التي يشن فيها اللوبي الصهيوني حملات على الجالية الفلسطينية في تشيلي، ففي العام 2002، اثيرت مسألة استخدام حارس فريق “باليستينو” خريطة فلسطين بديلاً عن الرقم واحد، ولكن القضية هدأت بسرعة بعدما اعتبر تصرفه “فردياً”.
وفي العام 2011، اثار اللوبي الصهيوني غضب الجالية الفلسطينية في تشيلي، حين اعتبرت إحدى الصحف الداعمة لإسرائيل أن “لا حاجة للمطالبة بحق العودة ما دامت هناك دول يمكن أن تحذو حذو تشيلي باستقبال وتوطين الفلسطينيين”، فكان أن رد الاتحاد الفلسطيني في تشيلي باصدار بيان جاء فيه أن “حق العودة هو حق مشروع لا يمكن لأي جهة أو دولة أو منظمة أن تسلبنا اياه… وحتى عندما وافقنا على المجيء إلى تشيلي كان على أساس الاحتفاظ بحق العودة وعدم التنازل عنه”.
ويعد الفلسطينيون في تشيلي أكبر مجتمع فلسطيني خارج الوطن العربي حيث يصل عددهم إلى 500 ألف ينتمون في غالبيتهم إلى الطبقة الغنية والوسطى، وهو ما رسخ علاقاتهم بتلك الدولة اللاتينية على مستوى الاقتصاد، السياسة والرياضة. وتعود أصول 10 في المئة من أعضاء مجلس الشيوخ التشيلي إلى فلسطين، وكذلك رئيس بلدية العاصمة بالول زلاقط، ورئيس الاتحاد الوطني لكرة القدم سيرخيو خادوي.
ويعد نادي “باليستينو”، الذي تأسس في سانتياغو في العام 1920، الثالث من حيث الشعبية في المجتمع التشيلي بعد ناديي “اونيفرسيداد دي تشيلي” و”كولو كولو”، وقد اكتسب الصفة الرسمية في العام 1951، وتوّج مرتين بطلا للدوري التشيلي في العامين 1955 و1978.
يذكر أن الحكومة التشيلية قررت في العام 2011 الاعتراف بفلسطين “دولة حرة ومستقلة وتتمتع بالسيادة”.
وسام متى
“السفير” – 10/01/2014

فليكر