كردستان العراق على خط الأزمة السورية: لسنا جزءاً من المشكلة.. بل جزء من الحل

اتسم موقف حكومة إقليم كردستان العراق من الأزمة السورية في بدايتها بالحذر الشديد. ولكن الأسابيع الماضية شهدت تحوّلاً في سياسة إربيل كانت ملامحه قد ظهرت في تشرين الثاني العام 2011، حيث استقبل رئيس الإقليم مسعود البرزاني وفداً ضم معظم زعماء الأحزاب الكردية في سوريا، فيما بلغ الانخراط ذروته في 12 تموز الحالي حين نجحت إربيل في لمّ الشمل بين المكوّنين الرئيسيين للفصائل الكردية في سوريا، وهما مجلس شعب غرب كردستان والمجلس الوطني الكردي السوري لوضع تصوّر شامل عن واقع الأكراد في سوريا في المرحلة المقبلة.

ويبدو أن أكراد العراق قد فضلوا التريّث حتى تنجلي صورة الأحداث في سوريا، أو على الأقل ضمان أن أي رهان على الحراك الشعبي في الداخل السوري، وتحديداً من قبل القوى الكردية هناك، لن يكون خاسراً، وهو ما تحقق لهم خلال الأسابيع القليلة الماضية بعدما بات شبه مؤكد أن النظام في سوريا يبتعد أكثر فأكثر من حسم الصراع لمصلحته.

ومع ذلك، فإن أكراد العراق ما زالوا يرفضون أن يكونوا “جزءاً من الأزمة” بل يفضلون أن يكونوا “جزءاً من الحل”، كما يقول هيمن هورامي، مسؤول العلاقات الخارجية في الحزب الديموقراطي الكردي الذي يتزعمه رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البرزاني.

لا يخفي هورامي، في حديثه إلى “السفير”، قلق أكراد العراق إزاء ما يجري في سوريا. ويقول “نحن نتابع الوضع في سوريا متابعة حثيثة، لأننا نتأثر بالتداعيات الإقليمية للأزمة”، موضحاً أن من بين هذه التداعيات أن “هناك أكثر من مليوني كردي يعيشون في سوريا، وبالتأكيد فإن مصيرهم هو موضع اهتمام بالغ من قبل الرأي العام في كردستان العراق”.

ويشير هورامي إلى أن أحد السيناريوهات المحتملة في حال تفاقم الوضع في سوريا وأدى ذلك إلى انتشار الفوضى هو “سوء استفادة الميليشيات المتشددة، خصوصاً القاعدة، من حالة الفوضى المحتملة، خاصة أننا في العراق، بشكل عام، وكردستان بشكل خاص، قد عانينا من ظاهرة تسلل الإرهابيين عبر الحدود السورية بين العامين 2003 و2011”.

ويرى هورامي أن “الوضع في سوريا قد وصل إلى نقطة اللاعودة”، مشيراً إلى أن “ثمة مرحلة انتهت”، مشيراً إلى أن “ثمة احتمالاً كبيراً بأن تتجه الأمور نحو سيناريو الحرب الأهلية، لا بل إن ما يجري حالياً يمكن وصفه بأنه شبه حرب أهلية… وهذا أمر يقلقنا”. ويضيف “نحن بالتأكيد لا نتمنى أن تتحول سوريا إلى دولة فاشلة تحكمها الميليشيات، ومن هنا دعوتنا كل الأطراف لأن تدرك حجم المشكلة وأن تختار سلوك الطريق السليم للخروج من الأزمة، ذلك من خلال احترام التطلعات المشروعة للشعب السوري، والوصول إلى تغيير جذري ديموقراطي يقرره الشعب السوري بعيداً عن استخدام العنف”.

“جزء من الحل”

وفي هذا الإطار، يقول هورامي “سياستنا ألا نكون جزءاً من المشكلة بل جزءاً من الحل”. ويضيف “لقد نجحنا في توحيد مجلس شعب غرب كردستان والمجلس الوطني الكردي السوري حول خطاب سياسي موحد تجاه الوضع في سوريا انطلاقاً من دعمنا لحل أساسه قيام نظام ديموقراطي تكون فيه كل مكونات الشعب السوري (من أكراد وعرب سنة وعلويين ودروز ومسيحيين وإسماعيليين) شريكة في أي نظام يتم اختياره، مع التأكيد على ضرورة الاعتراف بحقوق القومية الكردية كثاني أكبر قومية في البلاد”.

ولكن كيف يمكن لأكراد العراق أن يكونوا “جزءاً من الحل” في ظل غياب التواصل بينهم وبين النظام السوري بوصفه طرفاً في الأزمة؟

يرمي هورامي مسألة العلاقات مع النظام السوري في ملعب الأخير، قائلاً إنه “قبل العام 2003، كانت سوريا، وخصوصاً في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد، تدعم المعارضة العراقية – والمعارضة الكردية جزء منها – وكانت هناك علاقات طبيعية. ولكن النظام في سوريا لم يعترف بالواقع الدستوري الجديد في العراق، لا بل خطا خطوات سلبية”.

وفي المقابل، فإن هورامي لا يبدو مطمئناً إلى سياسات المجلس الوطني السوري، وذلك بسبب “غياب الرؤية الواضحة لدى المعارضة السورية تجاه قضية الأكراد”. ولا يغيّر في الأمر انتخاب الكردي عبد الباسط سيدا رئيساً للمجلس الوطني. “لقد باركنا هذا الاختيار”، يقول هورامي، “ولكن المهم ليس الأشخاص بل الرؤية والبرنامج السياسي”. ويشير هورامي في هذا الإطار إلى أن “المجلس الوطني السوري لم يقم بأي مبادرة حقيقية لتوضيح موقفه من القضية الكردية وهذا أمر يقلقنا، فالتغيير في سوريا مسألة وقت، ومن المهم جداً أن يكون هناك وضوح في الرؤية تجاه القضية الكردية يترجم من خلال ضمانات دستورية”.

“حزب العمال الكردستاني”

لكن يبدو ثمة مواقف متباينة بين الأكراد تجاه الأزمة في سوريا، وفي هذا الإطار، بدا “حزب العمال الكردستاني” خارج الحراك الكردي داخل سوريا، لا بل إن تقارير صحافية وتصريحات من كبار المسؤولين في الحزب بدت أقرب إلى وجهة النظام منه إلى وجهة المعارضة، وذلك انطلاقاً من اعتبارات استراتيجية تتعلق خصوصاً بالصراع التاريخي ضد الأتراك.

وفي هذا الإطار، يقول هورامي “بالرغم من أن حزب العمال الكردستاني هو قوة فاعلة، إلا أنه لا يمثل أطياف الشعب الكردي كافة لا في سوريا ولا في تركيا… ونحن نرى أنه لا يجوز أن يكون أي حزب كردي جزءاً من الأجندات الإقليمية في المنطقة، فعلى الأكراد أن يقوموا بدور الحياد الإيجابي” تجاه قضايا المنطقة كافة.

ويشدّد هورامي على أن “تشكيل الهيئة العليا للأكراد يهدف إلى أن تكون القرارات المصيرية والاستراتيجية نابعة من القوى الممثلة للأكراد وليس من جبال قنديل أو أي مكان آخر”.

وفيما ينطلق حزب العمال الكردستاني في موقفه من الخشية في أن يؤدي سقوط نظام الرئيس بشار الأسد إلى تعزيز الدور التركي في سوريا، فإن هورامي ينظر إلى الموضوع “من زاوية مختلفة”، إذ يشير إلى أن “هناك شبه تغيير في السياسة التركية تجاه القضية الكردية”. ويوضح “قبل العام 2005 كان استخدام مصطلح الكردي ممنوعاً في الأدبيات التركية، ولكن في آذار العام 2011 أتى اردوغان إلى أربيل وصرّح بأن زمن إنكار الوجود الكردي انتهى. كما أن تركيا أبدت مؤشرات إلى رغبتها في حل القضية الكردية سواء في الداخل أو في الخارج… ونحن نرى أن بين الرقم صفر والرقم مئة هناك أرقاماً كثيرة”.

وسام متى
“السفير” – 21/7/2012

Instagram @ wmattablog

  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image