لو استيقظ لينين…

لنفترض أن شابين أرثوذكسيين متشددين قرّرا تكرار تجربة جنونية، حاول شابان آخران، من المعسكر ذاته، القيام بها قبل عامين، فذهبا إلى الكنيسة، وأخذا ماءً مقدساً، واخترقا حواجز «الغرانيت» التي تطوق ضريح لينين في الساحة الحمراء، ثم رشّاه بها، وصرخاً «انهض واذهب»، ولاذا بالفرار.
ولنفترض أنه، لسبب مجهول – وفوق كلّ ذي علم عليم – انتصرت «الميتافيزيقا» على المادية، وأدت التعويذة فعلها، تماماً كأفلام الخيال العلمي، مثل «ليلة في المتحف» أو «الحرب العالمية الثالثة»!
ستدق أجراس الكرملين، كالعادة، عند منتصف الليل، وسينهض قائد الثورة البلشفية من سريره، داخل الضريح، ويبدأ التفكير «جدلياً» في سبب وجوده في هذا المكان:
«هل أنا حي أم ميت؟ لو أنني توفيت لنفّذ الرفاق وصيتي بأن أوارى الثرى في مسقط رأسي! إذاً، ما زلت على قيد الحياة، ولربما أُوجَد حالياً في عيادة طبية خاصة، بعدما ألمّ بي الداء».
يبحث لينين عن قبعته فلا يجدها. يخرج مباشرة من المكان المغلق، ليجد نفسه في الساحة الحمراء: «لقد تغيرت معالمها كثيراًَ».
يقع نظره على نجمات حمراء خمس تعلو أبراج الكرملين، فيشعر بسعادة غامرة: «لقد نفذ الرفاق وصيتي بأن أزالوا رموز النظام القيصري البائد»، لكنه سرعان ما يفاجأ بمجسمات مذهّبة لنسور ذات رأسين تعلو الأبراج الأخرى. بعصبية شديدة يصرخ: «هذا تقصير لا يمكن أن تسمح به الثورة! أين الرفيق ستالين؟!».
يهرع لينين للبحث عن رفاق الثورة، فتنبئه العبارات المخطوطة عند قاعدة تماثيل لهم، بأنهم رحلوا. يحبس دموعه، وهو يتمتم: «يبدو أنني أطلت السبات… لأذهب وأرى ما حل بروسيا وثورتنا». يتوجه مباشرة إلى مجمع «غوم» للتسوق، الذي سبق أن أمّمته الثورة في إطار الخطة الاقتصادية الجديدة – «نيب».
يستوقفه أحد الحراس ممازحاً: «أما زلت هنا يا رفيق؟ لقد مضى السياح إلى حياتهم الليلية… فمن الذي سيلتقط صوراً ذاتية معك في هذه الليلة الباردة؟».
يبادر لينين الحارس بأمر صارم لكي «يفسح له الطريق للدخول إلى مركز التسوّق»، فيرمقه الأخير بنظرة ساخرة، قبل أن يجيب بغضب: «وهل أنت قادر على التضحية بآلاف الروبلات؟!».
سرعان ما يشعر الحارس بتأنيب الضمير لمخاطبته هذا الرجل المسكين بتلك اللهجة العدائية: «اسمع يا صديقي؟ لقد مر ذلك الزمن الجميل الذي كان فيه الـ(غوم) للبروليتاريا… هذا المكان بات للبرجوازية».
يردّ لينين، كمن وقعت الصاعقة على رأسه: «ألم تقضِ الثورة على البرجوازيين؟! هذا انحراف أيديولوجي خطير ينبغي أن نعالجه في المؤتمر العام للحزب!». يبدي الحارس عجزاً في التعامل مع ذلك «المجنون» المسكون بزمن ولّى.
يغادر لينين الساحة الحمراء لرصد مظاهر الانحرافات الأيديولوجية الأخرى، لكي يقدمها في تقرير إلى اللجنة المركزية.
لا يخفي قائد الثورة إعجابه بمظاهر الازدهار الذي حلّ على موسكو، فيهتف باستمرار: «لقد أحسن الرفاق صنعاً بثورتنا واقتصادها!».
تشرق شمس موسكو، فيهمّ لينين للحصول على نسخة من صحيفة «برافدا»، وبطبيعة الحال مطبوعات أخرى. ينكب، كعادته على قراءة الصفحات الاقتصادية، فلا يحتاج إلى جهد كبير، ليدرك أخيراً أن الرأسمالية قد انتصرت!
يسرع خطواته مجدداً باتجاه الساحة الحمراء، فيفاجأ بشبيه له، يلتقط له السياح صوراً، مقابل مئة أو مئتين أو ربما خمسمئة روبل.
«ماذا تفعل أيها الأفّاق؟!» يصرخ لينين، فيجيب الرجل: «هذا مكان وجودي الدائم… اذهب أنت إلى الناحية الثانية فثمة عدد لا بأس به من السياح».
بعد جدل مطول، يعرض الرجل حلاً وسطاً: «فلنعمل معاً في الساحة الحمراء ومحيطها، ونتقاسم المال بالتساوي».
«وما تقديرك للدخل اليومي؟» يسأل لينين، فيجيب الرجل: «بإمكاننا أن نجني سوياً 20 ألف روبل يومياً!».
يمضي لينين، ليشق طريقه نحو مركز شرطة «كيتاي غوراد»، وهو يتمتم، وعلى وجهه ابتسامة ماكرة: «عليَّ أن أدخله السجن… عشرين ألف روبل مقسومة على واحد، أفضل بالتأكيد من عشرين ألف روبل مقسومة على اثنين»!

وسام متى
“الأخبار” – 13/11/2017

Instagram @ wmattablog

Instagram has returned invalid data.