ما تقوله أرقام الاستفتاء على دستور مصر

تخطت مصر أول استحقاقات «خريطة المستقبل» لمرحلة ما بعد حكم «الإخوان»، وذلك بعد إقرار دستور «ثورة 30 يونيو»، الذي أصبح نافذاً منذ الإعلان عن النتائج النهائية للاستفتاء الشعبي عليه أمس الأول.
وبإقرار الدستور الجديد، تنطلق مسيرة «خريطة المستقبل» نحو محطة لا تقل أهمية عن سابقتها، وهي تتمثل في الاستحقاق الانتخابي، الذي يرجح أن يكون رئاسياً، وقد افتتحه مؤسس «التيار الشعبي» حمدين صباحي بإعلانه، عقب صدور نتائج الاستفتاء، بأنه مرشح الثورة للرئاسة، مؤكداً أن «الجيش المصري لعب دورا مهماً في الثورة، وذلك شرف له، لكن سعيه للحكم خطر وليس في صالح الثورة»، في ما اعتبر الرسالة الأكثر وضوحاً للفريق أول عبد الفتاح السيسي، الذي ينتظر الجميع كلمته الأخيرة بشأن خياراته الرئاسية.
وفي خطاب وجهه مساء أمس، إلى المصريين، قال الرئيس المؤقت عدلي منصور إن إقرار الدستور لم يكن غاية فقط، ولكنه وسيلة لاتخاذ خطوات في الطريق الصحيح، مشددا على أن ما شهدته مصر من إقبال كبير على المشاركة في الاستفتاء على الدستور، وإقراره بهذه النسبة غير المسبوقة في تاريخ الديموقراطيات الوليدة، يدل على أن المصريين بدأوا طريقا قد يكون صعباً، إلا أنه الطريق الصحيح.
وفي ما يمكن تفسيره بأنه تأييد ضمني للسيسي، أعرب منصور عن ثقته في أن «من سيسلمه المصريون راية الوطن سيكون لديه نفس العزم وذات الإرادة لبناء الوطن الذي يجمع ولا يفرق ويقيم أسس العدل ويرسي قيم الحق والمساواة، تجسيدا للمطالب الثورية المشروعة ولأهداف ثورتي الخامس والعشرين من يناير والثلاثين من يونيو».

الاستفتاء بالأرقام

وبحسب الأرقام الرسمية الصادرة عن اللجنة العليا للانتخابات (راجع الجدول رقم 1)، فقد بلغ عدد المقيّدين في جداول التصويت 53,423,485 مواطناً (بينهم 424,383 من الوافدين، اي الذين أدلوا بأصواتهم في أماكن سكنهم). وقد شارك في الاستفتاء 20,613,677 شخصاً، أي بنسبة مشاركة بلغت 386. في المئة. وبلغ عدد الأصوات الصحيحة 20,366,730، فيما كان عدد الأصوات الباطلة 246,947. أما نتيجة الاستفتاء فجاءت على الشكل التالي: 19,985,389 شخصاً قالوا «نعم» للدستور الجديد، في مقابل 381,341 شخصاً قالوا «لا».
وعلى المستوى المناطقي، تفاوتت نسبة المشاركة بين القاهرة ومحافظات الوجه البحري (باستثناء الجيزة) من جهة، وبين محافظات الوجه القبلي والمحافظات الحدودية من جهة ثانية.
واحتلت محافظة المنوفية الصدارة في نسبة الإقبال على التصويت بواقع (534.%)، وتلتها الغربية (521.%)، وبورسعيد (51%)، والدقهلية (495.%)، ودمياط (458.%)، والشرقية (453.%)، والقليوبية (443.%)، وكفر الشيخ (422.%)، والقاهرة (403.%)، والاسماعيلية (395.%)، والاسكندرية (383.%)، والبحيرة (373.%)، والوادي الجديد (352.%)، والسويس (345.%)، وجنوب سيناء (336.%)، وبني سويف (326.%)، والجيزة (321.%)، والبحر الأحمر (318.%)، وشمال سيناء (31%)، والاقصر (306.%)، وأسوان (282.%)، والمنيا (262.%)، وأسيوط (243.%)، وقنا (239.%)، وسوهاج (238.%)، والفيوم (237.%)، ومرسى مطروح (162.%).
وفي الخارج فقد شارك في الاستفتاء 107041 شخصاً، من أصل 681346، أي بنسبة اقبال 157.%.
أما نسب الموافقة على الدستور فلم تختلف كثيراً بين محافظة وأخرى، حيث تراوحت بين 961. % في كل من أسيوط وجنوب سيناء و98% في كل من الدقهلية والمنوفية والغربية. (راجع الجدول رقم 2).
وبالمقارنة مع الاستفتاءين السابقين اللذين أجريا بعد «ثورة 25 يناير» (الاستفتاء على التعديلات الدستورية في آذار العام 2011، والاستفتاء على دستور «الإخوان» في كانون الأول العام 2012)، فإن الاستفتاء الحالي يحتل المرتبة الأولى لجهة عدد المشاركين، في حين يحتل المرتبة الثانية لجهة النسبة الرسمية للتصويت بعد استفتاء العام 2011 (وربما يتجاوزه إذا ما اخذنا في الاعتبار النسبة الحقيقية للاقبال بعد احتساب 6 ملايين ناخب سقطت أسماؤهم سهواً في الاستحقاق الانتخابي الأوّل بعد ثورة يناير).
أما لجهة عدد الموافقين على الدستور، فإن الاستفتاء الأخير يتخطى سابقيه من دون منازع، حتى أن عدد هؤلاء يصل إلى ضعف من قالوا «نعم» في الاستفتاء على دستور «الإخوان».
ومع ذلك، فإن نسبة الإقبال على التصويت في الاستفتاء، وبرغم التطبيل الإعلامي الذي قوبلت به، تبقى أقل من التوقعات، وذلك بالنظر إلى إحجام فئات كبيرة من الشعب المصري عن المشاركة في الاستحقاق الأهم بعد «30 يونيو»، وفي طليعتها فئة الشباب التي تشكل حوالي 60% من اجمالي عدد سكان مصر، وهو ما جعل البعض يتحدث عن أزمة حقيقية عنوانها العريض الفجوة بين الشرعية القانونية غير القابلة للتشكيك في ظل شهادات النزاهة التي نالها الاستفتاء من منظمات المجتمع المدني، وبين الشرعية السياسية، التي جعلت فئة مؤثرة جداً في المجتمع المصري تعزف عن المشاركة في هذا الاستحقاق.
«نعم» الكاسحة.. اسبابها ودلالاتها
تظهر النتيجة النهائية للاستفتاء أن الموافقة على الدستور الجديد كانت قياسية بكل المعايير، سواء على المستوى العددي، حيث لم يحصل أن شهد أي من الاستفتاءات طوال التاريخ المصري على موافقة تلامس العشرين مليون صوتاً، أو على مستوى نسبة التصويت (981.%)، إذا ما استثنينا استحقاقات سابقة كانت لها ظروفها التاريخية الخاصة، أو كانت فاضحة في انعدام النزاهة. (راجع الجدول رقم 3).
ولعلّ المهم هنا المقارنة بين الاستفتاء الحالي والاستفتاءين اللذين سبقاه بعد قيام «ثورة 25 يناير». (راجع الجدول رقم 4)
وفي آذار العام 2011 أجرى المجلس العسكري اول استفتاء على التعديلات الدستورية للمرحلة الانتقالية التي أعقبت خلع الرئيس حسني مبارك. وقد شارك في هذا الاستفتاء 18537954 شخصاً من بين 45 مليون ناخب مسجلين في قوائم التصويت، أي بنسبة تصويت بلغت 411. في المئة، فيما بلغ عدد الذين صوتوا بـ«نعم» 14192577 شخصاً، بواقع 765.%.
وبذلك، يمكن القول إن عدد الموافقين في الاستفتاء الحالي يتجاوز عددهم في الاستفتاء على التعديلات الدستورية بنحو 58. ملايين صوت.
ومع ذلك، فإن نسبة التصويت في الاستفتاء الحالي تبقى أقل منها في استفتاء العام 2011 بما يقارب 25. في المئة.
غير أن البعض يجادل في هذه النقطة بالإشارة إلى أن القوائم الانتخابية في العام 2011 قد شابها أخطاء جسيمة، ما أدى إلى إسقاط أسماء 6 ملايين ناخب من جداول التصويت، وهو ما يجعل النسبة الحقيقية للمشاركة نحو 36% ، ما يعني ان الاستفتاء الحالي يتقدم على مستوى عدد المشاركين ونسبتهم.
أما الاستفتاء على دستور العام 2012 («دستور الإخوان»)، فقد شارك فيه 17058317 من أصل 51919067 ناخباً مسجلاً، أي بنسبة تصويت 328.%. وقد صوّت بـ«نعم» على هذا الدستور 10693911 شخصاً بواقع 626.%.
وهنا يمكن القول من دون تحفظ إن الاستفتاء الحالي قد تخطى استفتاء دستور «الاخوان» لجهة عدد المشاركين (زائد 35. ملايين) ونسبتهم (زائد 58.%)، وقد هزمه بالضربة القاضية لجهة التصويت بـ«نعم» (زائد 92. ملايين أي ما يقارب الضعف).
ويمكن تفسير هذه النسبة الاستثنائية التي حظيت بها الـ«نعم» في الاستفتاء الحالي بمجموعة من العوامل أبرزها، ان المعترضين على الدستور قد اختاروا المقاطعة بديلاً عن المشاركة بـ«لا»، ما يعني أن الساحة كانت شبه خالية للذين صوتوا لمصلحة الدستور، بالإضافة إلى حملة الحشد الهائلة على مستوى اجهزة الدولة والإعلام الرسمي والخاص، فضلاً عن حالة الرفض الشعبي لممارسات «الإخوان المسلمين» سواء خلال حكمهم أو خلال الفترة التي تلت سقوط نظامهم.
ويضيف البعض إلى ما تقدّم عاملاً لا يقل أهمية، وهو أن الاستفتاء الحالي لم يكن استفتاءً على الدستور فحسب، بل كان ايضاً استفتاءً على شخص الفريق اول عبد الفتاح السيسي وخريطة الطريق ومدنية الدولة والاستقرار، اي ان سلة هذا الاستحقاق كانت اكبر من الاستحقاق السابق (الدستور والشريعة والاستقرار) والاستحقاق الأسبق (الدستور والاستقرار).

نسبة غير مُرضية

وبرغم كل ما تقدّم، فإن نسبة المشاركة في الاستفتاء الأخير أصابت الكثيرين بصدمة، خصوصاً أنها اتت معاكسة للتوقعات التي بالغ فيها البعض.
وبرغم قول البعض إن هذه النسبة طبيعية في الاستحقاقات ذات الطابع العام، حتى في الديموقراطيات العريقة (تصويت على وثيقة وليس انتخابات تشريعية او رئاسية)، إلا ان نسبة المشاركة جاءت معاكسة لتوقعات القائمين على شؤون المرحلة الانتقالية الذين قالوا إن نسبة مشاركة ستتراوح بين 50 و60 % (حتى أن مسؤولين حكوميين تحدثوا عن تحقيق هذه النسبة فعلاً بعد إقفال صناديق الاقتراع)، كما جاءت بعيدة جداً عن شعار 80/80 (80 % مشاركة و80% موافقة) الذي رفعه بعض المغالين.
ويرجع كثيرون تراجع نسبة التصويت الى عوامل عدّة، تتجاوز التبرير الرسمي من قبل رئيس اللجنة العليا للانتخابات عادل صليب بأن الاستفتاء تزامن مع امتحانات الطلاب، ولا تندرج بالضرورة ضمن إطار تلبية دعوات المقاطعة التي اطلقتها جماعة «الإخوان المسلمين» وقوى سياسية أخرى («حركة 6 ابريل»، «حركة الاشتراكيين الثوريين»، و«حزب مصر القوية»).
ومن بين العوامل التي دفعت فئات كبيرة في المجتمع المصري إلى العزوف عن المشاركة في الاستفتاء (وليس بالضرورة مقاطعته):
1- انصراف الغالبية الساحقة من المواطنين، ولا سيما المنتمين إلى الطبقات الكادحة، عن السياسة بسبب حالة التخبط التي تشهدها الحلبة السياسية في مصر منذ ثلاثة أعوام.
2- حملات الترهيب التي قامت بها جماعة «الإخوان المسلمين» وحلفاؤها سواء عبر إثارة أعمال العنف في الشارع أو عبر إشاعة أجواء الرعب على المستوى الأمني (عبوات ناسفة، اعتداء على مواطنين…الخ).
3- الشعور بأن وجهة التصويت محسومة سلفاً لمصلحة «نعم» ما يعني غياب فكرة التنافس في الاستفتاء.
4- الدور السلبي الذي قام به الإعلام الرسمي والخاص عبر المبالغة في الحشد للاستفتاء.
5- بروز الوجوه الكريهة من رموز نظام حسني مبارك في حملات الحشد، وهو ما أثار رد فعل عكسياً لدى الفئات الشعبية المتضامنة مع الثورة.
6- تحوّل عملية التصويت من استفتاء على الدستور إلى مبايعة للفريق اول عبد الفتاح السيسي ما جعل الكثيرين يحجمون عن المشاركة خوفاً من «العسكريتاريا».
7- حملات التشويه التي تعرضت لها «ثورة 25 يناير» وشبابها.
8- الإجراءات القمعية التي اتخذتها السلطات المؤقتة والتي طالت الناشطين الشباب بشكل خاص (قانون التظاهر، المحاكمات العسكرية للمدنيين، اعتقال الناشطين… الخ).

عزوف الشباب وتداعياته

ومهما يكن الأمر، فإن الدستور قد اكتسب شرعية قانونية لا جدال فيها – انطلاقاً من القاعدة القائلة بأن المقاطعة والعزوف لا يعنيان بالضرورة الرفض ومع ذلك، فإنّ نسبة المشاركة «غير المُرضية» قد عكست فجوة عميقة بين «العهد الجديد» وجماهير الثورة، ما ينذر بأن العلاقة بين الطرفين قد تتأزم يوماً بعد يوم، ما لم يتم تدارك الموقف.
ولعلّ خطورة هذا الخلل تكمن بالدرجة الأولى في عزوف فئات واسعة من الشباب – وخصوصاً شباب الثورة عن المشاركة في الاستفتاء.
وقد كان لافتاً للنظر أن الرافد الرئيس لصناديق التصويت في الاستفتاء كان أصوات فئات اجتماعية بعيدة بشكل أو بآخر عن الفئات التي فجّرت «ثورة 25 يناير» وامتداداتها اللاحقة، وصولاً إلى موجة «30 يونيو»، سواء على المستوى العمري أو على مستوى التطلعات السياسية.
ومن جهة، فإن النسبة الأكبر ممن أدلوا بأصواتهم ينتمون إلى فئة عمرية تفوق الخمسة والثلاثين عاماً، ما يعني ان الفئة العمرية الفاعلة في الثورة المصرية (دون الـ35) قد فضلت العزوف، معبّرة بذلك عن رفض صريح للسياسات الحالية، واعتراض حازم على حملات التشويه ضد «ثورة 25 يناير»، التي وصفها البعض في الإعلام بـ«النكسة»(!)
ومن جهة ثانية، فإن «الاستقرار» كان المطلب الرئيس لمعظم من تقاطروا على مراكز التصويت، ما يعكس انتماءهم الواضح إلى ما بات يعرف بـ«حزب الكنبة»، الذي يمثل الغالبية الصامتة التي تنتفض في مرحلة من المراحل – سواء لمصلحة الثورة أو لمصلحة الأنظمة – فتدلي بدلوها، وتكون مؤثرة، لكنها سرعان ما تنكفئ مجدداً عن المشهد السياسي.
ويبدو أن هذا ما دفع بالفريق اول عبد الفتاح السيسي إلى توجيه رسالة اطمئنان غير مباشرة للشباب، مفادها أن «لا عودة للوجوه القديمة»، حسب ما نقل عنه خلال اجتماع لمجلس الوزراء، وإسراع الحكومة في دعوة ممثلين عن الشباب إلى اجتماع مفاجئ بعد إعلان النتائج للوقوف على سبب ظاهرة العزوف عن المشاركة، وتدارك تداعياتها.

تفاوت مناطقي

يبقى المهم، في قراءة نتائج الاستفتاء، الإشارة الى التفاوت في نسب المشاركة على المستوى المناطقي، حيث لم يخرج الاستفتاء الحالي عن النسق العام للاستفتاءات السابقة لجهة تدني نسبة المشاركة في محافظات الوجه القبلي (الصعيد) والمحافظات الحدودية، عنها في محافظات الوجه البحري (القاهرة والدلتا)، إذا ما استثنينا التأثير الكبير لتلك المحافظات في حسم جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية بين الرئيس المعزول محمد مرسي والفريق أحمد شفيق.
ومعروف أن محافظات الوجه القبلي والمحافظات الحدودية، تحوّلت إلى معقل أساسي لتيار الإسلام السياسي، بأجنحته المتعددة، وذلك لأسباب عدّة، أبرزها الفجوة العميقة بين المركز والأطراف، وتزايد مستوى الفقر والأمية ما يجعلها أرضاً خصبة لترويج الأفكار الدينية.
وبعد الاتفاق التاريخي الذي عقده الرئيس انور السادات مع «الإخوان المسلمين» في العام 1974، نشطت الجماعة بشكل غير مسبوق في محافظات الوجه القبلي، فيما نشطت التيارات السلفية في المحافظات الحدودية، وذلك على حساب أبنية القوة التقليدية (العائلات والقبائل والعشائر) التي كانت صلة الوصل بين النظام الحاكم وأهالي تلك المناطق خلال العهود السابقة للسادات.
وبالرغم من ضعف المشاركة في تلك المحافظات، إلا أن ثمة ملاحظة مثيرة للاهتمام، تمثلت في أنها لم تخرج عن فكرة تأييد الدستور بغالبية ساحقة (أقلّها تصويتاً بنعم كانت محافظة أسيوط بواقع 961.%)، ما يعكس تراجع التأييد لـقوى الإسلام السياسي هناك، وهو ما يشكل فرصة أمام النظام المقبل لاستعادة نفوذه عبر القوى التقليدية، في حال اقترن ذلك مع خطة تنموية تغلق الطريق امام الترويج للخطاب الديني المتشدد.

وسام متى
“السفير” – 20/01/2014

فليكر