مشاهدات على الخـط الفاصل بين الثورة.. والفوضى!

بين الثورة والفوضى خيط رفيع يسير عليه المصريون في هذه الأيام. دخان قنابل الغاز المسيل للدموع المنتشرة على امتداد ميدان التحرير والشوارع المحيطة به تجعل المشهد العام في مصر ضبابياً لدرجة تجعل معظم المصريين ـ نخباً وناشطين ومواطنين عاديين تتشارك في طرح الأسئلة ذاتها عن مستقبل البلاد بعد عامين على الثورة وستة أشهر من حكم «الإخوان المسلمين».
المسافة بين «25 يناير» العام 2011 و«25 يناير» العام 2013 تبدو أبعد بكثير من عامين.
«ذكريات» الناشطين عن «الثورة الأولى» ضد نظام حسني مبارك تجعلك تخال كما لو أنهم يتحدثون عن أحداث دارت رحاها في زمن أحمد عرابي أو سعد زغلول… لم يعد يوم الخامس والعشرين من كانون الثاني مناسبة للاحتفال بسقوط نظام الطغيان، بل محطة جديدة لثورة من نوع جديد ضد نظام مستبد آخر مركزه مكتب الإرشاد في المقطم بقيادة محمد بديع ونائبه خيرت الشاطر، وواجهته محمد مرسي في قصر الاتحادية في مصر الجديدة.
حتى اسم حسني مبارك قد لا يتردد أمامك خلال 72 ساعة تمضيها في القاهرة سوى مرّتين: الأولى على لسان عامل في مقهى شعبي يتهكم على الرئيس «الإخواني» قائلاً «محمد مرسي مبارك»، والثانية على لسان امرأة عجوز في محطة مترو جمال عبد الناصر تردد عبارة «كان ماله مبارك؟ مش أحسن من مرسي؟».
في الطريق من مطار القاهرة الدولي إلى منطقة وسط البلد، يطيب لأصدقائك أن يذهبوا بك في محطة مفاجئة وسريعة إلى قصر الاتحادية. جدران القصر الرئاسي التي ملأها شباب الثورة بشعارات ورسومات ضد «الخرفان» («الإخوان») و«الاستبن» (مرسي) لم يبق منها اليوم بعد الطلاء سوى جملة وحيدة: «مبروك عليك الدهان يا خروف»… أما على ما تبقى من السور الأمني الذي أقيم خلال ما عرف بـ«أحداث الاتحادية»، فتتبدى العبقرية المصرية في رسومات أكثرها إبداعاً صورة لدب «الباندا» تسبقها عبارة «الإمام حسن (البنّا)»، مؤسس جماعة «الإخوان».
على الرصيف المقابل لقصر الاتحادية، الذي شهد أضخم التظاهرات ضد مرسي في كانون الأول الماضي، بضع خيام لمعتصمين فضلوا البقاء أمام هذا البناء المصمم على النمط المعماري البلجيكي، والذي اكتسب اسمه الحالي (الاتحادية أو العروبة) عندما حوّله الرئيس أنور السادات إلى مقر لرئاسة «اتحاد الجمهوريات العربية» (مصر وسوريا وليبيا) في العام 1972.
في الطريق من الاتحادية إلى وسط البلد، جدران أمطرها الناشطون خلال الأشهر الستة الماضية بشعارات مناهضة لـ«حكم المرشد»، تجاورها شعارات ورسومات مناهضة لـ«حكم العسكر» أكل عليها الزمن قليلاً، وتختزلها جدارية «غرافيتي» شهيرة تحمل صور الرئيس المخلوع حسني مبارك ورئيس المجلس العسكري المشير حسين طنطاوي والرئيس «الإخواني» محمد مرسي، وتحتها عبارة «إللي كلّف ما ماتش».

وما أدراك ما «الألتراس»!

لا شيء استثنائياً في القاهرة عشية الذكرى الثانية لـ«ثورة 25 يناير». هدوء غريب يلف المدينة التي لا تهدأ، يعزوه البعض إلى عطلة المولد النبوي الشريف، بينما يرجعه آخرون إلى حالة الترقب التي تعيشها البلاد عشية محطتين مثيرتين للقلق: التظاهرات الغاضبة التي دعت إليها المعارضة ضد مرسي، والحكم المرتقب في قضية مذبحة إستاد بور سعيد في اليوم التالي، وهو حكم أجمع المراقبون على اعتباره قنبلة موقوتة في الشارع أياً تكن نتيجته، خصوصاً بعد التهديدات المتبادلة التي أطلقتها رابطتا الألتراس «الأهلاوي» و«المصري» البور سعيدي.
لا حديث في هذا اليوم الهادئ سوى عن الاستعراض الذي نفذته جماهير الألتراس «الأهلاوي» قبل ذلك بيوم. يتحدث شبان وناشطون بحماسة عن حصار الألتراس مبنى البورصة، وبعدها ذهابهم بشكل منظم إلى محطة مترو سعد زغلول وتوجههم في تظاهرة حاشدة عبر السكك الكهربائية للمترو إلى محطة السادات (ميدان التحرير)، وظهورهم المفاجئ على «كوبري 6 أكتوبر»، أحد الشرايين الحيوية لحركة المرور في القاهرة.
يحتدم النقاش بين مجموعة من الناشطين حول ظاهرة «الالتراس». بعضهم يرى أن في هؤلاء «القوة الضاربة» للثورة، بعدما أظهروا أنهم أكثر الفئات قدرة على التنظيم والحشد والدخول في مواجهات جريئة مع قوات الأمن.
أما أصحاب الرأي الثاني، فلا يرون في «الالتراس» سوى مجموعة مغامرة، تمتلك قدرات ميدانية هائلة، لكنها تفتقد الأفق السياسي الذي يطمئن شباب الثورة إلى إمكان الرهان عليها في «الثورة» ضد «الإخوان».
رأيان يضعانك في حيرة لا تستطيع معها حسم موقفك من «الالتراس»، لكنها حيرة سرعان ما تتلاشى مع صدور الأحكام بإحالة أوراق 21 متهماً في مجزرة إستاد بور سعيد (شباط العام 2012) إلى مفتي الجمهورية لاستطلاع رأيه في إعدامهم.
بعد الحكم خالف «الالتراس الأهلاوي» التوقعات: لم يخرجوا في تظاهرات غاضبة إلى ميدان التحرير للاحتجاج على خلو لائحة المحكومين من قيادات أمنية مسؤولة عن الجريمة… كل ما فعلوه هو الاحتفال بصدور الحكم في مقر النادي الأهلي!

… والـ«بلاك بلوك»

بحلول مساء الرابع والعشرين من كانون الثاني، انقلب الهدوء إلى صخب، بدا كأنه أولى رياح عاصفة الذكرى الثانية للثورة. يخترق عشرات الشبان والشابات الملثمين بثياب سوداء شبه موحدة مقاهي البورصة، ويستديرون في مسيرتهم باتجاه ميدان طلعت حرب، ويتقدمهم ناشط يحمل راية سوداء ضخمة كُتب عليها بخط اليد وباللون الأبيض حرفا «بي بي».
إنهم الـ«بلاك بلوك» («الكتلة السوداء») التي طفت فجأة في ميدان الثورة قبل يومين من الذكرى الثانية لـ«25 يناير»، مثيرة تساؤلات عديدة حول هويتها وأهدافها وارتباطاتها.
هي ظاهرة غريبة في شكلها ومضمونها، وقد أعادت إلى أذهان البعض تلك الصور المرعبة التي التقطت في «جامعة الأزهر» يوم استعرض «الإخوان المسلمون» ميليشياتهم في العام 2007.
ثمة سلوكيات أكثر غرابة تعزز الهواجس تجاه هذه المجموعة الجديدة: ثيابهم السوداء، لثامهم، صمتهم المريب، وقرع الطبول الذي يرافق تحركاتهم.
إذا اقتربت من أحدهم للسؤال عمّا يريدون، سيفاجئك بعبارة مشتركة تبدو غير مألوفة في أي حديث تجريه مع مواطن مصري: «لا يمكنني الكلام.. ادخل صفحتنا على (فايسبوك) لتعرف من نحن.. هذا كل ما استطيع قوله».

غاز!

ما إن تقترب من ميدان التحرير، حتى تستشعر شدّة عاصفة «ثورة الغضب الثالثة» ضد «الإخوان» (الأولى كانت ضد حسني مبارك والثانية كانت ضد «حكم العسكر»).
في الطريق إلى الميدان، يأتيك خبر يفيد بنجاح المتظاهرين في إزاحة السور الاسمنتي الذي أقامته قوات الأمن على تقاطع شارعي محمد محمود والقصر العيني.
تكمل سيرك بخطى سريعة إلى ميدان التحرير لترى مشهدين متناقضين: أجواء احتفالية حول «صينية» الميدان حيث ينشط الباعة الجائلون بمنتجاتهم المختلفة (فول، ترمس، غزل بنات، شاورما، أعلام، ملصقات…الخ)، ومواجهات عنيفة أمام السور الأمني الذي لا يبعد عن الصينية أكثر من مئتي خطوة.
لا يغيب مشهد الباعة الجائلين عن المواجهات، إذ تراهم منتشرين على المدخل المؤدي إلى نقطة الاشتباك وهم ينادون «الكمامة بجنيه». قد تشتري واحدة منها أو أكثر للذكرى، لكنك ستجد نفسك في نهاية المطاف مضطراً لاستخدامها.
إرشادات ضرورية تسمعها من صديق يرافقك: «عندما يبدأ ضرب الغاز اركض بسرعة.. تجنب الركض في وسط الشارع وتوجه فوراً إلى جانبيه». تسأله عن السبب فيكشف عن خبرات اكتسبها خلال الثورة: «أولاً، لأن الأمن سيضرب قنابل الغاز في وسط الشارع.. وثانياً، لأنّ معظم المتظاهرين سيهرب من القنابل من خط الوسط وقد تجد نفسك قد تعثرت تحت الأقدام».
بحرص وحذر شديدين تقترب ومرافقك إلى نقطة الاشتباك لترى الصورة أكثر وضوحاً: شباب نجحوا للتو في فتح هوّة كبيرة في الجدار، وأحرقوا إطاراً مشتعلاً وحاوية قمامة بمحاذاته، وفتيان لا تتجاوز أعمارهم السادسة عشرة يقرعون بآلة حادة على عمود إنارة محدثين صوتاً يستخدم عادة لسببين: إرهاب الأمن أو التنبيه من هجوم.
فجأة يحدث السيناريو المتوقع: دوي قنبلة يليه كر وفر. يصل الغاز إلى قلب الميدان فتشعر كما لو أنه يستكشف مناطق جديدة في رئتيك، ويخترق جيوبك الأنفية، لتجد بعد حين أن لديه فائدة علاجية في القضاء على مرض التهابها المزمن – ويؤكد الناشطون أن هذه نوعية جديدة من قنابل الغاز لم يعرفوا مثلها منذ أيام الثورة – ثم تستريح قليلاً وتدخّن سيجارة لتجد أن متعتها تزايدت بشكل رائع… يبتسم صديقك قائلاً: ربما لهذا السبب أدمن كثر قنابل الغاز!

من شبرا إلى التحرير

الهدوء يلف القاهرة من جديد صباح يوم 25 كانون الثاني… الكل يستعد للمسيرات التي خطط لها أن تنطلق من محاور عدة لتلتقي أخيراً في ميدان التحرير.
تحتار بداية في نقطة الانطلاق بين ميدان مصطفى محمود (الجيزة) ودوران شبرا، ليقع اختيارك على الثاني. يجتمع المئات في الدوران بانتظار انتهاء صلاة الجمعة… وبلمح البصر تجد نفسك وسط طوفان بشري غاضب.
ابداعات المصريين تبدّت في هذه المسيرة بأبهى حللها، بدءاً من أشكال التعبير الجديدة، وأبرزها القرع على الطبول وأواني المطبخ، والسير بمجسمات كرتونية ضخمة ترمز إلى «الإخوان» والسلفيين والعسكري. أما أكثر أشكال التعبير طرافة وإبداعاً فيتبدّى في الهتافات العديدة التي تكاد تعجز عن إحصائها: «ابن سنيّة (مرسي) فاكرها تكيّة.. جاي من السجن للوسيّة»، «حااه.. شييه.. المرشد ح نمشّيه»، «بص.. شوف.. الثورة يا خروف».
الأكثر طرافة وعفوية، كان اختيار أحد المتظاهرين طريقة لافتة للتعبير، وهي المناداة على «الإخوان» عبر مكبر للصوت، وعلى طريقة رجال الشرطة: «إلى جميع الخرفان. سلّم نفسك. الزريبة محاصرة!».
يؤكد الناشطون أن حجم المشاركة في المسيرة كان أقل من المتوقع، وهم لا يعزون ذلك إلى ضعف التأييد الشعبي للقوى الثورية بقدر ما يرجعونه إلى «حالة الاستنزاف» و«الخوف من المجهول»، بحسب ما يقول أحدهم، وهو تفسير قد يبدو صحيحاً بدرجة كبيرة إذا ما رأيت تفاعل السكان من منازلهم ومن أشكاله زغاريد النسوة، ورفع القبضات من الشرفات، وإلقاء زجاجات المياه والمشروبات الغازية على المتظاهرين… الخ – ليعلو الهتاف في كل مرّة «يا أهالينا انضموا لينا».
ما إن تجتاز المسيرة نفق شبرا حتى تتبدّى مشاهد غريبة أخرى في الثورة، أبرزها ظاهرة قطع الطرق بالإطارات المشتعلة. بعد دقائق تسمع دوي إطلاق نار أو مفرقعات لتكتشف اقتراب المسيرة من مكاتب موقع «إخوان أونلاين» في حي التوفيقية. هي مقدّمات الفوضى: حريق في المبنى، إطلاق أعيرة خرطوش… وأنباء عن اشتباكات جديدة في شارع القصر العيني مع وصول المسيرة إلى مدخل ميدان التحرير من ناحية شارع طلعت حرب.
«الميدان لم يعد كما نعرفه»، يقول أحد الناشطين، فبؤرة الثورة ضد نظام مبارك باتت تضم عناصر غريبة عنه، قد يكون من بينها «فلول»!

«بروفة» الفوضى

صباح اليوم الثاني، وبعد «مليونية» الذكرى الثانية للثورة، استفاق المصريون على أنباء ارتاح إلى سماعها البعض، وتوجّس منها البعض الآخر. أحكام الإعدام في مذبحة بور سعيد أبعدت شبح الفوضى عن القاهرة ظنّ كثرٌ… لكن الوضع في الحقيقة كان مغايراً، فقد فجّرت الأحكام الغضب في بور سعيد وبقية مدن قناة السويس، حاصداً عشرات القتلى، لينتقل العنف مجدداً إلى القاهرة ليلاً، ويتخذ شكل اشتباكات وصفها أحد شباب الثورة بـ«العبثية»، بينها استهداف المؤسسات العامة عشوائياً.
محاولة إحراق مبنى وزارة التموين في شارع صفية زغلول المتفرّع من القصر العيني كان صورة مصغرة عن عبثية المشهد بعد عامين على «ثورة 25 يناير».
صحيح أن لوزارة التموين رمزيتها بالنسبة إلى الطبقات الشعبية، لكن ما شهده محيطها من اشتباكات لم يوح بوجود «انتفاضة جياع»، كما يبشّر البعض، بقدر ما كان تحركاً متهوراً من قبل شبان تحرّكهم الرغبة في العنف والتنفيس عن كبت مجتمعي، وهو ما تبدّى في تحوّل عملية الاقتحام إلى اشتباك بين سكان الشارع والبوابين من جهة، وبين الشبان المتظاهرين من جهة ثانية، قبل أن يتحوّل إلى مواجهة بين السكان أنفسهم!
فترة هدنة صغيرة كانت كافية للخروج من موقع الاشتباك العبثي. الطريق من شارع صفية زغلول إلى الزمالك لم تكن سهلة في ظل امتداد الاشتباكات وتزايد ظاهرة قطع الطرق بالإطارات وخصوصاً الطرق الحيوية مثل كوبري قصر النيل، غير أن الحياة في هذا الحي القاهري الراقي بدت هادئة تماماً، ما أضاف إلى المشهد مزيداً من «السوريالية».
في طريق العودة من الزمالك إلى وسط البلد، كان يمكن للمسار أن يكون أكثر تعقيداً لو لم يتمكن سائق سيارة الأجرة من اختراق «كوبري 6 أكتوبر» في أقل من دقيقة.
فور الوصول إلى الوجهة المقصودة في شارع شامبليون، تشم رائحة الغاز المنتشرة ضمن دائرة يزيد شعاعها على 500 متر. تقترب رويداً رويداً من مركز المواجهات في ميدان التحرير لتجد أن المقاهي والحانات المحيطة ما زالت تزهو بروادها… تلك هي القاهرة التي يعشق أهلها الحياة!
وحده المترو كان الوسيلة الأكثر أماناً للعودة إلى منزل أصدقائك في تلك الليلة التي تؤرخ ما تبقى من الساعات الاثنتين والسبعين في القاهرة… توتر يرافقك في الطريق مع ورود الأنباء عن اعتقالات عشوائية تطال الناشطين والمصوّرين والصحافيين في منطقة وسط البلد، وتفرض عليك اتخاذ إجراءات وقائية لتجنب سيناريوهات غير متوقعة… قلق يربكك حين تستمع إلى صديق يقارن بين أيام «الثورة الأولى» حين كانت ثنائية «الثوار» ـ «الداخلية» واضحة في تلك الأحداث، وبين اختلاط الحابل بالنابل في «الثورة الجديدة» التي لا يعلم فيها المرء من هو خصمه أو عدوّه… ووسط كل تلك المشاعر، سؤال مشترك يترامى على مسمعك في كل مكان: «رايحة على فين يا مصر؟».

وسام متى
“السفير” – 30/1/2013

Instagram @ wmattablog

Instagram has returned invalid data.