مصر: الصوفيون يستشعرون الخطر… ويوحّدون صفوفهم

أحدثت نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة في مصر صدمة للعديد من القوى في المجتمع المصري، بعدما استحوذ «حزب الحرية والعدالة» التابع لجماعة «الإخوان المسلمين» و«حزب النور» السلفي على أكثر من 70 في المئة من مقاعد مجلسي الشعب والشورى.
ولعل التركيبة الحالية للبرلمان الحالي، ومهمته الأخطر المتمثلة بتشكيل لجنة صياغة الدستور الجديد للبلاد، تشكلان مصدر قلق للصوفيين أكثر من غيرهم، بعدما بدأوا يستشعرون خطر طغيان الخطاب الديني المتشدد على حساب خطابهم المعتدل، والذي يعد أحد السمات التاريخية للمجتمع المصري.
كثرٌ راهنوا قبل الانتخابات البرلمانية الأخيرة على دور ما يقوم به الصوفيون – الذين يقدر عدد مريديهم بما بين 10 و15 مليون مصري – لإحداث توازن سياسي أمام التسونامي «الإخواني» والسلفي، لكن النتيجة لم تكن على مستوى التوقعات، حتى باتت التساؤلات تدور همساً حول حقيقة التمثيل الصوفي داخل المجتمع المصري.
وبرغم هذه الانتكاسة، فإن القوى المدنية في مصر ما زالت تعقد الآمال على أن الصوفيين قادرون على استعادة دورهم المفقود فيما لو نجحوا في تخطي أزمتهم المتمثلة بثلاث موضوعات كبرى: وحدة البيت الصوفي، وترجمة خطابه المعتدل على المستوى السياسي، والقدرة على إعادة الزخم لهذا الخطاب على المستوى المجتمعي.
ولعل الصوفيين أنفسهم يدركون المخاطر التي باتت تهدد وجودهم، وهو ما انعكس مؤخراً في المصالحة التي تمت بين مشايخ الطرق الصوفية بعد صراع حاد دام أكثر من أربعة أعوام.
وفي خطوة أعادت إحياء الآمال لدى العديد من القوى في المجتمع المصري، أعلن مشايخ الطرق الصوفية، عقب اجتماع عقدوه في ميدان الحسين في القاهرة، إنهاء الخلافات القائمة في ما بينهم، والتنازل عن الدعاوى القضائية المتبادلة، بالإضافة إلى حل «جبهة الإصلاح الصوفي»، وإنهاء الاعتصام المستمر في مقر المشيخة منذ أكثر من ثمانية أشهر.
يذكر أن الخلافات بين الصوفيين بدأت إثر وفاة شيخهم أحمد كامل ياسين، وبعد مبايعة شفهية من مشايخ الطرق لعلاء أبو العزائم شيخا لهم باعتباره الأكبر سنا، وانتخاب رسمي للدكتور عبد الهادي القصبي شيخا للمشايخ، برغم كونه الأصغر سنا، وهو ما اعتبره أنصار أبو العزائم خروجا على العرف الصوفي، ونقضا للعهد والبيعة.
وطعنت «جبهة الإصلاح الصوفي» في انتخاب القصبي أمام المحاكم، مشككة في نزاهة الانتخابات، ثم دخلت عقب ثورة 25 يناير في اعتصام مفتوح في مقر مشيخة الطرق الصوفية، ومنعت أعضاء المجلس الأعلى للطرق الصوفية من مزاولة عملهم في مقر المشيخة.
ويقول الأمين العام لـ«حزب التحرير المصري» (المنبثق من المجتمع الصوفي) عصام محيي الدين لـ«السفير» إن «المصالحة التي تحققت تشمل بعدين، الأول يتعلق بمشايخ الطرق الصوفية، أما الثاني، فهو على مستوى الأحزاب المنبثقة من المجتمع الصوفي».
ويوضح محيي الدين أن «مشايخ الطرق الصوفية استشعروا أن الوضع السياسي والاجتماعي يسير في اتجاه خطير، وأدركوا بطريقة عملية وملموسة أن تشرذمهم لن يؤدي إلا إلى القضاء على التصوّف في مصر، فكان قرارهم بالدخول في حوار جدي نتج عنه اتفاق الشيخ عبد الهادي القصبي والشيخ علاء أبو العزائم على التنازل عن القضايا السابقة، وإعادة ترتيب البيت الصوفي، على أن يصبح الشيخ أبو العزائم رئيساً للجنة التنفيذية للمشيخة العامة للطرق الصوفية والقصبي شيخاً لمشايخ الطرق الصوفية».
وكان واضحاً في التصريحات التي رافقت انعقاد لقاء المصالحة أن الصوفيين بدأوا يستشعرون خطراً وجودياً غير مسبوق، وخصوصاً في ظل تنامي حضور التيار السلفي الوهابي، النقيض في أفكاره وممارساته لخطاب الاعتدال الذي يميّز الطرق الصوفية، وهو ما عكسه قول الشيخ أبو العزائم إن «الخطر على مستقبل الطرق الصوفية في مصر بعد صعود القوى الإسلامية المعادية لها على الساحة السياسية يجبرنا على إنهاء الخلافات من أجل تدعيم القوى الصوفية».
أما في ما يتعلق بالبعد السياسي لهذه المصالحة، فيشير محيي الدين إلى أنه «في إطار تعزيز هذه المصالحة، كان هناك اقتراح بعقد اجتماع بين الأحزاب المنبثقة من الطرق الصوفية ومجتمع الأشراف – «حزب التحرير المصري» (صوفي) و«حزب النصر» (صوفي)، و«حزب نهضة مصر» (الأشراف) – وقد كرّس رؤساء هذه الأحزاب الاتفاق المبدئي في ما بينهم من خلال وثيقة نوايا، وتم التوافق من خلالها على إيجاد إطار قوي مبني على الاحترام المتبادل ووجهات النظر وتشابه البرامج، والبحث عن سبل التعاون، سواء عن طريق التحرك السياسي، أو من خلال تشكيل ائتلاف سياسي».
وبالإضافة إلى ذلك، يشير محيي الدين إلى أن مفاوضات تجري مع الشيخ القصبي بهدف تقنين عمل الائتلافات الشبابية المنبثقة من الطرق الصوفية لكي يكون لها دور فاعل ضمن إطار البيت الصوفي.
يذكر أن ائتلافات وجبهات صوفية شكلت مؤخراً تحالفاً لإصلاح البيت الصوفي، وتفعيل دور الشباب داخل المجلس الأعلى للطرق الصوفية، والمساهمة في نشر الفكر الصوفي داخل المجتمع المصري. وتضم هذه الجبهة الاتحاد العام لشباب الصوفية، والاتحاد العام للطرق الصوفية، وائتلاف الطرق الصوفية، والجبهة الالكترونية للدفاع عن الصوفية.
ويشدد محيي الدين على أهمية المصالحة التي تمت، باعتبارها السبيل الوحيد لكي يستعيد المجتمع الصوفي دوره كبوتقة حقيقية للإسلام المعتدل، باعتباره «الإطار الأخير الذي يحمل سمات الشعب المصري وسمات الدولة المدنية المصرية»، مؤكداً على ضرورة أن يضطلع المجتمع الصوفي بدوره في توحيد القوى المدنية «حتى يتم إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تصل الفأس إلى الرأس».
وفي إطار ترجمة هذه المصالحة على المستوى السياسي يسعى الصوفيون لأن يكونوا عنصراً مؤثراً في الاستحقاقين الأبرزين في مصر خلال الفترة المقبلة، أي انتخابات الرئاسة والدستور الجديد.
وفي ما يتعلق بالانتخابات الرئاسية، يشير محيي الدين إلى أنه «تم الاتفاق على وضع معايير محددة لاختيار المرشح الرئاسي، وهي ألا يكون من الحزب الوطني أو الفلول أو العسكر، وأن يكون مؤيداً للدولة المدنية»، موضحاً أن الصوفيين وبمجرد إقفال باب الطعون على الترشيحات لانتخابات الرئاسية، سيعقدون لقاء مغلقاً يجري فيه اختيار المرشح الذي سيدعمونه.
وفيما تعرب أوساط الصوفيين عن ثقتها بأن «المرشح الرئاسي الذي سيدعمونه هو الذي سيفوز بالمنصب»، وأن «الصوفية هي التي ستحدد رئيس الجمهورية المقبل»، يبقى التساؤل مشروعاً حول قدرة الطرق الصوفية على أن تكون رمّانة الميزان في هذا الاستحقاق الانتخابي، خلافاً لما حدث خلال الانتخابات البرلمانية الأخيرة.
وفي هذا الإطار، يرى محيي الدين أن انتخابات الرئاسة تختلف كثيراً عن انتخابات البرلمان باعتبارها «قضية كل مصري». ويشير إلى أن «ثمة خطراً جدياً في ألا تكون مصر دولة مدنية»، ولهذا فإن «القوى السياسية اليوم تبدو شبه متفقة على أن الشخصية التي يفترض دعمها في معركة الرئاسة يجب أن تكون مدنية، وهذا ما يوحد الصفوف إلى حد كبير في هذه اللحظة».
وحول أداء الصوفيين في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، يشير محيي الدين إلى أن «الأحزاب الصوفية لم تحصل على الإشهار لمزاولة نشاطها سوى قبل أيام أو أسابيع قليلة قبل الانتخابات، ولذلك فإنها لم تأخذ فرصتها الحقيقية، وعلاوة على ذلك فإن دعاة الجهالة – الذين يتهمون الصوفية بالشركية والبداعية والتفكرية وما شابه –استخدموا هذه الصورة المشوهة التي عمموها خلال السنوات الأربعين الماضية ليحدوا من نشاط الأحزاب الصوفية».
وفي ما يتعلق بالاستحقاق الدستوري، يعرب محيي الدين عن خشيته من أن «يشعل الصراع على الدستور حرباً أهلية» في مصر، وخصوصاً بعدما تردد أن السلفيين يصرّون على أن «الدولة لن تكون مدنية». وفي مقابل هذا الطرح يشدد محيي الدين على أن «مبدأ مدنية الدولة على جثتنا… ولن نسمح بأي مقايضة عليه»، مضيفاً «لن نقبل بأن تتحول مصر إلى دولة فاشستية ونرفض تكرار النموذج الإيراني».
ويرى محيي الدين أنه «من غير المنطقي أن تتحكم الغالبية البرلمانية بعملية وضع الدستور»، مشدداً على أن «الدستور يجب أن يمثل كل أطياف المجتمع، وخصوصاً الأقليات لأن الدستور وضع لحمايتها»، معتبراً أن «النجاح في مجلس الشعب ليس ميزة للاشتراك في اللجنة الدستورية»، ولذلك فإن الصوفيين يطالبون بألا يزيد تمثيل أعضاء مجلسي الشعب والشورى في هذه اللجنة عن 20 إلى ثلاثين عضواً كحد أقصى.
ويعتبر محيي الدين أن «التضارب في اتخاذ القرار على المستوى السياسي – والله أعلم إن كان مقصوداً أو عن حسن نية – والذي أدى إلى تشكيل حياة سياسية غير واضحة، قد أتى لصالح فصائل بعينها». ويضيف «نحن نشك – وهو مجرّد شك – في وجود صفقة ما لكي يصل الوضع إلى ما هو عليه اليوم… لكننا سنفترض حسن النية، وسنقول إن عدم الخبرة السياسية للمجلس العسكري قد أدى إلى ما نحن فيه اليوم، وأن هناك بالتالي فرصة للإصلاح في ما يتعلق بالدستور وانتخابات الرئاسة والمجالس المحلية».
يبقى أن استعادة الطرق الصوفية لدورها السياسي والاجتماعي تبدو اليوم حاجة ملحة في مواجهة الخطاب الديني المتشدد الذي يتخذ منحى أكثر تشدداً في الحياة السياسية على امتداد العالم العربي، وضرورة لاستعادة مصر طابعها الحضاري المنفتح على كافة التيارات الفكرية والسياسية والثقافية، بعدما شهدت المرحلة الماضية خروجاً خطيراً للقوى الظلامية من جحورها لتحجب الشمس التي سطعت في ربيعنا العربي.

وسام متى
“السفير” – 6/3/2012

فليكر