في الرابع عشر من تشرين الثاني العام 1971، قرعت أجراس الكاتدرائية المرقسية في حي العباسية في القاهرة فرحاً بتنصيب الأنبا شنودة بطريركاً للكرازة المرقسية، خلفاً للبابا الراحل كيريلس، ليصبح بذلك البابا رقم 117 للكنيسة القبطية. يومها كانت مصر تشهد مرحلة انتقالية دقيقة حددت شكل النظام السياسي في مصر لأكثر من أربعين عاماً.
بالأمس، قرعت أجراس الكاتدرائية حزناً على رحيل البابا شنودة، الذي توفي مساء السبت الماضي في مرحلة انتقالية لا تقل خطورة عن تلك التي رافقت اعتلاءه كرسي القديس مرقس، وذلك في ضوء التحولات المفصلية التي تشهدها مصر بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، والتي تنتظر اليوم استحقاقات مصيرية قد تحدد شكل النظام السياسي في مصر وربما شكل المنطقة العربية كلها لعقود مقبلة.
وبالرغم من أن خبر وفــاة البابا شــنودة الثالــث كان متــوقعاً في أي لحظة، خصوصاً بعد التدهور الذي طرأ على صحته خلال الأشــهر الماضية، إلا أن رحيله في هذا الوقــت الدقيــق قد أصاب الكثيرين في مصر وخارجها بصـدمة كبــيرة أضيفت إلى القلق الذي تشــعر به غالبية المصريين بعد أكثر من عام عــلى ثورة 25 يناير، وذلك في ظــل الخــلل الذي ضرب الحياة السيـاسية في مصر، إثر الفوز الكاســح الذي حققــه الإسلاميون في انتخــابات مجلسي الشعــب والشــورى، وفي ظل المخاض الطــويل لولادة الدســتور المصري الجــديد ـ وللمصادفة فإن وفاة البابا شــنودة تزامنت مع بدء البرلمان مناقــشة إجراءات تشكيل لجنة صياغة الدستور ـ وبدء معركة انتخابات الرئاسة.
ولعلّ أسباب القلق الذي خلــفه رحيــل البابا شــنودة تعود بالدرجة الأولى إلى أن الرجــل كان صمام الأمان للأقباط والمصــريين منذ أن توغلــت جرثــومة التــشدد في النسيــج الاجتماعي والسياسي المصري نتيجة للسياسات الخطيرة التي انتهجها السادات للقضاء على الإرث الناصري، والتي كان الأقباط من بين ضحاياها الكثيرين.
وفي ظل أجواء الشحــن المستــمرة منذ نــحو أربعــة عقود، سواء بين الكنيسة والدولة من جهة، أم بين الأقباط والتــيارات الإسلامية المتطرفة من جــهة ثانية، اكتــسب شنــودة مكانة خــاصــة في الحياة السياسية والاجتماعية في مصر، بعدما عزز الكاريزما الفطرية التي يتمتع بها، برصيد قويّ لدى الأوساط القبطــية، خصوصاً بعد وقــوفه في وجه الــسادات، وأيــضاً لدى عمــوم المصريين. ولعل هذا ما يفسر شعور الأقباط بأنهم أصبحــوا «يتامى» بوفــاته، والــقلق الذي يخيّم على مختلف الأطياف في مصر بعد رحيله في هذه المرحلة الدقيقة.
ويقول عضو مجلس الشعب المصري أمين اسكندر لـ«السفير» إن «الناس أحسّوا بغياب صوت الحكمة… ولم يكن غريباً أن الشعب المصري، بمسلميه ومسيحييه، قد شعر بحزن كبير لافتقاده هذا الرجل».
ويضيف اسكندر إن المصريين «سيفتقدون بالتأكيد حكمة البابا شنودة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمعالجة ملف شائك جداً إن لم تتوافر الحكمة في معالجته فلسوف يواجه الوطن مشاكل خطيرة (الملف القبطي)، ويضاف إليه عدد من المشاكل الخطيرة المرتبطة بانتقال السلطة، وتحديد مدى نجاح أو إخفاق ثورة 25 يناير، ودور العسكر، وما عدا ذلك من صراعات تشهدها مصر على مختلف المستويات».
ويشير اسكندر إلى أن «البابا جلس فترة طويلة جداً على الكرسي البابوي، ولذلك فإن هناك ما يشبه الشعور باليتم لدى المسيحيين، وهو أمر طبيعي في ظل عدم وجود رئيس منتخب للجمهورية، وعدم وجود مؤسسات سياسية كاملة الأهلية في البلاد».
ويضيف اسكندر إلى ذلك «بروز تيارات الإسلام السياسي، ليس في المعارضة هذه المرة بل في السلطة، وهو أمر يشكل مبعث قلق ليس فقط لدى المسيحيين، وإنما لدى كل المنادين بالدولة المدنية الحديثة».
برغم ذلك، يتوقع اسكندر أن «يتلاشى القلق تدريجياً بمجرد أن يتولى الكرسي البابوي بابا جديد، ليواكب وصول رئيس جديد للبلاد، تماماً كما حدث مع البابا شنودة وأنور السادات، وكما حدث قبلها مع البابا كيريلس وجمال عبد الناصر»، مشيراً إلى أن ظاهرة التلازم بين انتخاب البابا وانتخاب الرئيس باتت «صدفة أقرب إلى قانون».
وبحسب اسكندر فإن «التاريخ والخبرة العميقين اللذين تتمتع بهما الكنيسة والدولة في مصر يدفعانا إلى التفاؤل بأن الأمور ستنتهي إلى خير».
بدوره، يقول الناشط القبطي مايكل منير لـ«السفير» إن ما تشهده الكنيسة اليوم هو «ترقب أكثر منه قلق». ويوضح منير أن «قداسة البابا شنودة واكب الأقباط على مدى أكثر من أربعين عاماً، ومن الطبيعي إذاً أن يشعروا بهذا الترقب».
ويرى منير أن رحيل البابا قد أتى «في وقت قاتل»، موضحاً «نحن على مشارف انتخاب رئيس جديد، وصياغة دستور للبلاد، وهناك صعود للتيار الإسلامي المتشدد، وهو ما يخيف المسلمين قبل المسيحيين، أي أننا في خضم عملية تبدو غير مستقرة في مجملها، ولذلك فإن غياب البابا في هذا التوقيت قد أتى ليضيف قلقاً إضافياً لدى الشعب المصري بشأن المستقبل، ذلك أنه كان رمانة الميزان وصوت العقل والشخصية القوية القادرة على إدارة الدفة».
وحول مدى تأثير غياب البابا على مشاركة الأقباط في ما تبقى من استحقاقات في المرحلة الانتقالية، يوضح منير أن «رحيل البابا سيكون له أثر مؤكد في ذلك، لكننا نحاول أن نعوّض غيابه من خلال التواصل مع الشباب وباقي الفئات بشكل عام للتشجيع على المشاركة الفاعلة خلال المرحلة المقبلة».

انتخاب البابا الجديد

وبرحيل البابا شنودة الثالث تكثر التكــهنات حول خليفته المحتمل. وقرّر المجمع المقدس للكنيسة القبطية فتح باب الترشح لمنصب البابا الجـديد اعتبـاراً من صبـاح يوم غد، في وقـت تتحــدث تقارير إعلامية عن صراع خفي بين ثلاثة تيارات داخل الكنيــسة، وهي تيار الوسط الــذي يتبنــى توجهات البــابا في العقيدة والسياسة، والتيار اليميني الأكثر تــشدداً، والتيار اليساري الذي يلقى دعماً من قبل الشباب القبطي.
لكن تقارير أخرى، تعتمد مقاربة مختلفة في تصنيفها للتيارات المتصارعة على هذا الموقع الكنسي، حيث تتحدث عن تيار يمثل «مجموعة البابا»، وهو يتملك نفوذاً واسعاً وأصواتاً كثيرة داخل المجمع المقدس، والتيار المقرب من أقباط المهجر، وهو يحظى بدعم مالي وسياسي كبير من الأقباط المقيمين في الولايات المتحدة، ولكن نفوذه ليس كبيراً داخل المجمع، و«تيار الرهبان» الذي يدعو إلى أن تعود الكنيسة إلى سابق عهدها لجهة اقتصار عملها على الجانب الروحي وعدم ممارسة السياسة، بالإضافة إلى التيار الشبابي الذي كان له دور بارز خلال ثورة 25 يناير.
لكن مقربين من الكنيسة القبطية يقولون لـ«السفير» إن هذه التصنيفات ليست صحيحة، ويستبعدون أن تشهد عملية انتخاب البابا صراعاً بين أبناء الكنيسة الواحدة، مستندين في ذلك إلى الأجواء التي شهدها الاجتماع الذي عقده المجمع المقدس بعد وفاة البابا، حيث «ساد الود والتفاهم والحرص على مستقبل الكنيسة القبطية، ولم تحدث أي خلافات بين الأعضاء وغلب على الجميع الزهد في المنصب»، حسبما جاء في بيان صدر إثر هذا الاجتماع.
وفي هذا الإطار، يقول النائب أمين اسكندر إن «طريقة انتخاب البابا لا تحمل أي مشاكل، فالمجمع المقدس يختار مجموعة من الشخصيات التي يتم ترشيحها من قبل عدد من الأساقفة (سبعة، ثمانية، أو عشرة أساقفة)، وتتم تصفيتهم، إلى أن نصل إلى ثلاثة مرشحين، أحدهم يجري اختياره بالقرعة التي يقوم بها أحد الأطفال»، لافتاً إلى أن «القرعة قد تقع على المرشح الذي حصل على أقل عدد من الأصوات، كما حدث عند انتخاب البابا شنودة».
من جهته، يشدد مايكل منير على أن «موضوع الانتخابات متروك للعناية الالهية، إذ لا احد يرشح نفسه، والاختيار الأخير يتم من خلال القرعة»، متوقعاً أن «تسير الأمور بخير ومن دون أي مشاكل».

تحديات أمام البابا الجديد

وانطلاقاً من ذلك، فإن ثمة إجماعاً لدى الأقباط بأن الأهم في نهاية المطاف هو أن يتصف البابا الجديد بالحكــمة والثقافة والكاريزما التي كان يتميز بها البــابا الراحل، خصــوصاً في ظل التحديات التي تواجهها الكنيسة القبطية، والتحولات الكبرى التي تشهدها مصر بعد الثورة.
ويشير اسكندر إلى أن البابا المقبل سيواجه التحديات ذاتها التي واجهها سلفه، ومن بينها «ملف بناء الكنائس، والتمثيل المواطني للمسيحيين، والمشاركة الحقيقية في الدستور الجديد، والمساواة في الوظائف والتعيينات، والتعامل مع المد الإسلامي الذي يشكل مصدر قلق للمسيحيين والمسلمين على حد سواء».
ويضيف اسكندر إلى ذلك «اتساع نفوذ الكنيسة في المهجر بما يزيد من الأعباء على البابا الجديد»، الذي لن يقتصر دوره على الروحانيات، بل سيمتد إلى قضايا تتعلق بالإدارة والشؤون العامة المرتبطة بالوطن عموماً، فضلاً عن الملفات الداخلية المعتادة كالزواج والطلاق ونقل الملية، وهي ملفات «اعتادت الكنيسة على مقاربتها انطلاقاً من العقيدة وثباتها».
بدوره، يشير منير إلى أن التحديات التي ستواجه البابا الجديد كثيرة وصعبة، ومن بينها «تمرير قانون للأحوال الشخصية، وقانون دور العبادة، العلاقة مع الدولة في ظل الوضع الحالي، ومشاركة الأقباط في العمل السياسي، بالإضافة إلى تنظيم العلاقة بين الأقباط في الداخل والمهجر».
كل ذلك يجعل من انتخاب البابا الجديد عملية في غاية الدقة والحساسية والخطورة… ويدفع الكثيرين إلى القول إن خليفة البابا شنودة الثالث سيكون من دون شك في وضع لا يُحسد عليه.

“السفير” – 22/3/2012