هل تحوّلت سيناء الى بؤرة لـ”القاعدة”؟

يبدو أن الوضع في سيناء قد انتقل إلى مرحلة أكثر خطورة، فالعملية المريبة التي شهدتها المنطقة الحدودية، أمس الأول، والتي راح ضحيتها 16 جندياً مصرياً، أظهرت أن الجماعات المسلحة الناشطة في هذه المنطقة المضطربة قد أصبحت أكثر احترافاً في عملياتها العسكرية ذات الطابع الأمني المعقّد، وأنها باتت أكثر استعداداً لخرق كافة الخطوط الحمراء بما في ذلك استهداف الجيش المصري.

وتكتسب هذه العملية، سواء في شكلها أو في حجمها وتوقيتها، أهمية خاصة، باعتبارها أول اختبار لقدرة الرئيس المصري محمد مرسي على التعامل مع التحديات المرتبطة بالأمن القومي المصري، وفي مقدمتها الملف الأمني الشائك في سيناء والعلاقات المعقدة بين مصر وإسرائيل. ومن شبه المؤكد أن تدهور الوضع في سيناء هو آخر ما كان يتمناه مرسي، الذي ما زال يواجه تحديات داخلية خطيرة تتمثل في عنوانين عريضين: العلاقة المعقدة بين «الإخوان المسلمين» والمجلس الأعلى للقوات المسلحة من جهة، و«برنامج المئة يوم» ذي الطابع الخدماتي والذي يسعى مرسي من خلاله تعزيز صورته المهتزّة أصلاً أمام مواطنيه.

وانطلاقاً مما حدث بالأمس، فإن الرئيس المصري قد بات مضطراً إلى إعادة ترتيب أولوياته السياسية والأمنية، وهذا ما تبدّى في خطابه فجر أمس، حين تعهد بـرد حازم على استشهاد الجنود المصريين، وإعلان القوات المسلحة المصرية حال الاستنفار القصوى في سيناء، التي باتت الأضواء مسلّطة عليها بشكل مركّز منذ «ثورة 25 يناير» بعدما ظلت طوال عقود جزءاً منسياً من مصر.

ومن غير الواضح بعد، ما إذا كانت الإجراءات التي تعهد مرسي والمجلس العسكري باتخاذها في سيناء ستمضي بسهولة، ولعل عدم اليقين هذا يعود بالدرجة الأولى إلى أن المعلومات حول المجموعات المسلحة الناشطة هناك، ما زالت غير متوافرة بالقدر الكافي، إذا ما استثنينا بعض الظواهر التي شهدتها شبه الجزيرة المصرية خلال الأشهر الماضية، وأبرزها مسلسل تفجير خط تصدير الغاز لإسرائيل والأردن، والهجمات المتكررة على المراكز الأمنية، وحوادث خطف السياح، فضلاً عمّا شهدته منطقة العريش في حزيران ما قبل الماضي تزامناً مع مليونية الإسلاميين في ميدان التحرير، المعروفة إعلامياً بـ«جمعة قندهار»، حين هاجم مسلحون يرفعون الرايات السوداء مركزاً للشرطة مشيعين أجواء من الرعب في المنطقة، بعد توزيعهم بيانات تدعو إلى إقامة «إمارة سيناء الإسلامية».

من وراء الهجوم؟

لم تكن عملية العريش ـ كرم أبو سالم عادية، سواء في شكلها أو في ملابساتها، ولعل هذا ما تسبب بصدمة لدى الرأي العام المصري وارتباكاً على مستوى القيادة السياسية ـ العسكرية ـ الاستخباراتية في البلاد. أما سبب تلك الصدمة والإرباك فيعود بالدرجة إلى أن أحداً لم يتوقع أن تلجأ المجموعات المسلحة في سيناء إلى هذا القدر من التخطيط الأمني المعقّد، وأن تعمد إلى تغيير قواعد اللعبة من خلال استهداف الجيش المصري بمجزرة قاسية، والأهم من ذلك، أن السلطات المصرية ربما تعاملت باستخفاف مع الإنذار الإسرائيلي الذي صدر يوم الجمعة الماضي حين طلبت «هيئة مكافحة الإرهاب» التابعة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من السياح المصريين مغادرة المنطقة على الفور، وهو ما دفع بكثيرين إلى التساؤل حول سبب عدم اتخاذ أي إجراءات جدية للحيلولة دون وقوع هذه الكارثة.

أما الوجه الآخر للإرباك فيتمثل في أن أحداً حتى الآن لا يستطيع تحديد هوية مرتكبي هذا الهجوم الدامي أو الجهة المستفيدة منه، وهو ما أطلق العنان لسيل من التحليلات تراوحت بين الحديث عن مجموعات تكفيرية تسعى لفرض أجندتها على المنطقة، وبين الحديث عن دور إسرائيلي مشبوه يستهدف الإيقاع بين مصر وغزة من جهة، وإحراج مرسي الذي سعى خلال الأسابيع الماضية إلى تعزيز العلاقة مع حركة حماس.

وحتى الآن، تشير المعلومات الأولية إلى ان عملية العريش ـ كرم أبو سالم هي من تنفيذ منظمة جهادية تكفيرية تتعاون مع بدو سيناء. وتشير مصادر قبلية في سيناء إلى ان خلايا إسلامية متطرفة أنشأت معسكرات تدريب في شمال سيناء خلال الأشهر الأخيرة، وقامت بعدة هجمات، كان أبرزها تسلل مصري وسعودي إلى فلسطين المحتلة في 18حزيران الماضي، في عملية تبنتها قبل أيام مجموعة أطلقت على نفسها اسم «مجلس شورى المجاهدين»، وذلك عبر شريط مصوّر نشر على منتدى «شموخ الإسلام» التابع لـ«القاعدة» على شبكة الانترنت، والذي يديره «مركز ابن تيمية»، وهو مركز إعلامي يرتبط بالجهادي أبو وليد المقدسي، الذي تردد أن حكومة حركة حماس في غزة أطلقت سراحه يوم الجمعة الماضي.

يُذكر أن تسمية «مجلس شورى المجاهدين» ليست جديدة على أدبيات «القاعدة»، إذ سبق أن أعلن التنظيم قبل سنوات عن تشكيل مجموعة تحمل هذا الاسم في العراق بعد مقتل زعيمه أبو مصعب الزرقاوي، وذلك في إطار عملية دمج لمجموعات جهادية صغيرة تحت مظلة أوسع. ولهذا فإنه من غير المستبعد أن يكون «مجلس شورى المجاهدين» في سيناء مظلة تجتمع تحتها تنظيمات جهادية تكفيرية أخرى مثل «جماعة التوحيد والجهاد» و«جماعة أنصار السنة» و«جند أنصار الله» و«جيش الأمة» وغيرها، ما يعني أن «القاعدة» ربما بات عنصراً أكثر فعالية وخطورة في شبه جزيرة سيناء. وتفيد تقارير استخباراتية بأن الجهاديين في سيناء يحظون بدعم كبير من البدو، أو أن بعض هؤلاء قد انخرط في تلك التنظيمات، نتيجة لسياسة التهميش التي عانت منها المنطقة طوال عقود، والتي أدت عملياً الى انتشار الجريمة المنظمة، من تهريب أسلحة ومخدرات ومهاجرين وقطع طرق… الخ.

وبالرغم من نفي مسؤولي حركة حماس ضلوع أي فلسطيني في العملية الأخيرة ومحاولتها تركيز دائرة الاتهام حول مجموعات من البدو ـ وهو ما ألمحت إليه اسرائيل حين قالت إنها لم تجد أي خيط يربط بين المهاجمين وغزة ـ فإن ثمة مؤشرات إلى أن هناك تقاطعاً بين المجموعات التكفيرية الناشطة في قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء، ما يعني أن فرضية التعاون بين هذه المجموعات في العملية تبدو احتمالاً واقعياً للغاية. ومن جهة ثانية، فإن الشكوك التي تحوم حول دور إسرائيلي في العملية بهدف تفجير الموقف في سيناء تبدو في محلها، بالنظر إلى الأطماع التاريخية للدولة العبرية في هذه المنطقة الإستراتيجية.

وثمة تقارير تشير إلى مساع إسرائيلية بإقامة شريط حدودي يمتد على عمق 5 إلى 7 كيلومترات داخل سيناء، كما أن ثمة اقتراحات تقدم بها مسؤولون في الحكومة الإسرائيلية لإقامة مشروع «غزة الكبرى»، وذلك فإن الدفع باتجاه تدهور الوضع في سيناء قد يسمح لإسرائيل بالضغط في سبيل تعديل اتفاقية كامب ديفيد لمصلحتها. كذلك، يرى البعض أن إسرائيل تراهن على تدهور الوضع في سيناء للضغط على السلطات المصرية كي تتراجع عن الإجراءات التي اتخذتها خلال الأسابيع الماضية لتسهيل حياة الفلسطينيين في غزة المحاصرة، ودفع الرأي العام المصري للضغط على مرسي لوقف سياسة التقارب مع حركة حماس.

ما بعد الهجوم

وبصرف النظر عن ملابسات الهجوم، والجهة المنفّذة أو المستفيدة، يبدو أن السلطات المصرية قد اتخذت قراراً بحسم الموقف في سيناء، وهو ما أظهره خطاب مرسي وبيان المجلس العسكري وسلسلة الاجراءات التي شرعت القوات المسلحة المصرية في اتخاذها في المنطقة. لكن ثمة عقبات عدّة قد لا تجعل الحسم العسكري في سيناء ضد المجموعات المسلحة أمراً سهلاً. ومن بين المعوقات يمكن الحديث عن العلاقات المتوترة بين السلطات المصرية وبدو سيناء، والتي تعود إلى إخفاق الحكومات المصرية المتعاقبة في إيجاد حل لمشاكلهم المزمنة.

وثمة تقارير إعلامية تفيد بأن كبار عائلات البدو في سيناء قامت بتخزين أسلحة مهربة من ليبيا للرد على أي حملات أمنية موسعة قد تنفذها القوات المسلحة والتي قد تشمل تنفيذ حملات اعتقال جماعية في صفوفهم، وذلك على غرار ما حدث في العامين 2004 و2006، وهو أمر يتطلب من السلطات المصرية التركيز على الشق السياسي للحملة أكثر منه على الشق الأمني. من جهة ثانية، قد يواجه مرسي، المنتمي إلى جماعة «الإخوان المسلمين»، إحراجاً في استهداف الجماعات الإسلامية الناشطة في سيناء، خاصة أن أي حملة أمنية ضد هؤلاء سينظر إليها على أنها خدمة لإسرائيل.

لكن البعض يعتقد أن المجزرة التي ارتكبت بالأمس ضد الجنود المصريين قد تدعم موقف الرئيس في الإجراءات التي سيتخذها لحل هذا الملف الشائك.لكن العقبة الأهم، تتمثل في معاهدة كامب ديفيد التي تقيّد حركة القوات المسلحة المصرية في مساعيها التصدي للتحديات الأمنية في سيناء.

ومعروف أن هذه المعاهدة تقسم سيناء إلى ثلاث مناطق:

ـ المنطقة (أ): وهي شريط يمتد على طول الضفة الشرقية لقناة السويس من الشمال إلى الجنوب، ويسمح لمصر بأن تنشر فيها قوة لا تزيد على 22 ألف فرد، وتشمل ثلاثة ألوية مشاة ميكانيكي ولواء مدرّع و7 كتائب مدفعية ميدان و7 كتائب مدفعية مضادة للطائرات.

– المنطقة (ب): وسط سيناء، وتوجد فيها أربع كتائب حرس حدود بأسلحة خفيفة ومركبات عجل (4 آلاف عنصر).

– المنطقة (ج): وتمتد من حدود قطاع غزة باتجاه خليج العقبة وشرم الشيخ، وتوجد فيها الشرطة المدنية فقط بأسلحة خفيفة، وقوات المراقبة الدولية ومراكز قيادتها (الغوة، وشرم الشيخ).

وانطلاقاً من هذه الترتيبات، التي تستند إلى المعايير العسكرية التي كانت قائمة في نهاية السبعينيات، فإن ثمة صعوبات قد تواجه القوات المصرية في تنفيذ أي عملية أمنية واسعة في سيناء، وهو ما يتطلب جهداً دبلوماسياً مكثفاً لتعديل بنود هذه الاتفاقية.

وسام متى
“السفير” – 7/8/2012

فليكر