هل تمتلك “الدولة الإسلامية” مقوّمات دولة؟

غداً تحلّ الذكرى السنوية الأولى لما أسماه تنظيم داعش إعلان “الخلافة”. أسئلة كثيرة تطرح في هذه المناسبة ولعلّ أهمّها: هل “الدولة الإسلامية” هي فعلاً دولة؟ وإذا كان الأمر على هذا النحو، فهل هي دولة قابلة للحياة؟
ربما يقول البعض إن أسئلة من هذا النوع سابقة لأوانها في ظل عدم ثبات جبهات القتال الرئيسة الممتدة بين سوريا والعراق، وتفرّعات داعش الإقليمية والدولية، سواء في سيناء أو في ليبيا واليمن وصولاً إلى نيجيريا والقوقاز، وفي ضوء ترتيبات الأوضاع النهائية التي لا تزال تُحاك في مراكز القرار العلنية والسرية، وفي مرحلة لا يختلف إثنان على وصفها بأنها مرحلة التحولات الكبرى.
غير أن مشروعية تلك الأسئلة تفرضها وقائع محددة، أبرزها أن داعش يتصرف كما لو أنه دولة قائمة بالفعل. وليس شعار “باقية وتتمدد” الذي يرفعه منذ قيامه سوى تعبير عن رغبة التنظيم المتطرف في تحويل المناطق التي يسيطر عليها إلى دولة بكل ما للكلمة من معنى.

حقيقة أم وهم؟

وعلى الجهة الأخرى، تكثر في مراكز الدراسات الغربية التنظيرات بشأن توصيف داعش، وتتفق معظمها على أن التنظيم المتشدد يتجاوز الإطار الكلاسيكي لجماعات الإرهاب، وذهب البعض إلى القول إن سقوط مدينة الموصل في العراق، وقبلها الرقة في سوريا، قد جعلنا أمام “دولة” قائمة بالفعل.
من بين هؤلاء الباحث تشارلز ليستر Charles Lister، الذي كتب في تغريدة على تويتر، غداة سقوط الموصل: “من الناحية العسكرية، والجغرافية، والمالية، والعملية، فإن الدولة الإسلامية تقترب فعلياً من التحقق”.
وهو ما ذهب إليه الباحث بيتر نيومان Peter Neumann الذي غرّد بدوره قائلاً: “إذا ثبت فعلاً أن داعش قد استولى على 425 مليون دولار من مصارف الموصل، يمكن القول إن الدولة الإسلامية قد أصبحت حقيقة!”.
ويبدو لافتاً أن وسائل الإعلام الغربية، ومنذ إعلان المتحدث باسم داعش أبو محمد العدناني قيام “الخلافة” في 29 يونيو الماضي، قد دأبت على تكريس فكرة وجود “الدولة الإسلامية”.
على سبيل المثال، فإنّ صحيفة واشنطن بوست Washington Post نشرت في 12 سبتمبر 2014، تقريراً تفاعلياً تضمن مقارنة بين “الدولة الإسلامية” وبين دول أخرى في العالم، لجهة المساحة والقدرات العسكرية وعدد المقاتلين الأجانب والعائدات النفطية والميزانية والحضور على مواقع التواصل الاجتماعي والتقديمات الاجتماعية… وأظهرت الإحصاءات التي أوردتها الصحيفة أن “الدولة الإسلامية” تستحوذ على مساحة 81 ألف ميل مربع، أي ما يقارب مساحة المملكة المتحدة (يمكن اليوم إضافة ما يزيد على 20 ألف ميل مربع وهي المساحة التي سيطر عليها داعش منذ ذلك التاريخ).
كما بيّنت تلك الاحصاءات أن عدد مقاتلي “الدولة الإسلامية” يراوح ما بين 20 إلى 31.5 ألفاً، أي ما يقارب عدد جيش مدغشقر (21.6 ألفاً)، في حين بلغت نسبة المقاتلين الأجانب 20-30 في المئة مقارنة بإثنين في المئة فقط في فرنسا.
وفي ما يتعلق بالإنتاج النفطي، أشار التقرير إلى أن “الدولة الإسلامية” تنتج ما بين 30 و70 ألف برميل يومياً، أي ما يوازي حجم إنتاج مملكة البحرين (48 ألف برميل يومياً). أما إجمالي عائداتها، فبلغ أكثر من 300 مليون دولار في السنة، أي ما يعادل عائدات دولة الفاتيكان (308 ملايين دولار).
أما في ما يتعلق بالتغريدات المفضلة على موقع تويتر فجاءت النتيجة: 11% لصالح “الدولة الإسلامية” مقارنة بـ13% لفرنسا و10% للصين.

دولة الإسلام والقانون الدولي

ولكن هل يكفي ذلك للقول إن “الدولة الإسلامية” تنطبق عليها الشروط الكلاسيكية للدولة، وفقاً للمبادئ المكرّسة في العلوم السياسية والاتفاقات الدولية؟
في هذا الإطار، لا بد من العودة إلى ميثاق مونتيفيديو Montevideo (عام 1933) الذي حدد أربع مواصفات يمكن الاستناد إليها لترسيخ مكانة الدولة: 1ـ مجموعة سكانية ثابتة، 2ـ جغرافيا محددة عبر حدود واضحة، 3ـ سلطة فاعلة، 4ـ القدرة على إدارة الأمور والأوضاع الداخلية والخارجية.
قد تبدو من السذاجة مقاربة أمور “الدولة الإسلامية” انطلاقاً من مبادئ القانون الدولي، خصوصاً أن التنظيم الإرهابي لا يقر أصلاً بهذه المبادئ، ويفرض نفسه انطلاقا من مفاهيمه الشاذة للشريعة الإسلامية.
ومع ذلك، فإن مقاربة من هذا النوع تبدو ضرورية لرصد مستقبل “الدولة الإسلامية” خصوصاً أن ما سبق يظهر أنها فرضت نفسها “نموذجاً أولياً للدولة” أو “دولة في طور التكوين” PROTO-STATE، عبر توافر نواة للشروط الأربعة المحددة بموجب ميثاق مونتفيديو.
ففي ما يتعلق بالشرط الأول، من الواضح حتى الآن أن داعش يمتلك الأرضية اللازمة لإقامة دولته، عبر سيطرته على مساحات شاسعة تعادل نصف مساحة سوريا وثلث مساحة العراق، بما في ذلك ثلاث مدن كبرى (الموصل والرقة والرمادي) تربطها خطوط إمداد تقطع معابر حدودية على أنقاض الدولتين المركزيتين السابقتين.
وبالنسبة إلى شرط المجموعة السكانية الثابتة، يبدو واضحاً أن أبا بكر البغدادي قد استفاد من أخطاء سلفه أبي مصعب الزرقاوي لجهة تركيز الأخير على النشاط العسكري من دون تأمين حاضنة شعبية. وكان لافتاً أن داعش ومنذ نشأته قد ركّز على فكرة استقطاب السكان المحليين لـ”دولته”.
أما في ما يتعلق بالشرطين الثالث والرابع، فثمة وقائع مثيرة للانتباه بشأن سعي التنظيم المتشدد إلى تكريس فكرة وجود شكل ما من مؤسسات الدولة في المناطق الخاضعة لسيطرته، وهو ما يظهره على سبيل المثال شريط انتشر عبر المواقع الجهادية في ذكرى سقوط الموصل قبل أيام، بعنوان “عام على الفتح”، وتضمن إشارات واضحة إلى أن “الدولة الإسلامية” قامت بـ”واجبها الشرعي في جبي الأموال من أغنياء المسلمين، وردها إلى فقرائهم، وأنشأت لذلك دواوين حملت على عاتقها القيام بهذا الأمر، كديوان الحسبة والزكاة والدعوة المساجد، وافتتحت المحكمة الإسلامية، وفرضت الأمن بين الناس، وطبقت الحدود فقطعت يد السارق، ورجمت الزاني المحصن، وجلدت شارب الخمر، وضربت بالسيف رأس الساحر”، و”راعت المصالح الشرعية وأمن الناس، وكذلك مصالحهم الدنيوية والخدمات الضرورية، فأنشأت لذلك ديوان الصحة والتعليم وديوان الزراعة وديوان الركاز”.
علاوة على ذلك، فقد كان داعش، وطوال العام المنصرم، حريصاً على اتخاذ خطوات رمزية لتكريس فكرة “دولة”، من قبيل إصدار “جوازات سفر” تحمل إسم “الدولة الإسلامية” وشعارها، وكذلك إصدار عملة خاصة به، فضلاً عن تدشين مشاريع اقتصادية، أكثرها عبثية إعادة افتتاح “فندق الوارثين” (“فندق نينوى الدولي” سابقاً) في الموصل، والترويج لبرامج “السياحة الجهادية” عبر كتيّبات خاصة على غرار دليل “لونلي بلانيت”.

هل هذا يكفي؟

قد يجادل البعض بأن العناصر الثلاثة المشار اليها سابقاً ليست بالثبات الكافي للقول إن “الدولة الإسلامية” قائمة، أو إنها “دولة قابلة للحياة”. لكن تجارب تاريخية كثيرة تظهر أن مجرّد وجود حد أدنى من شروط ميثاق مونتيفيديو قد يكون كافياً لانتقال أي كيان من “نموذج أولي للدولة” إلى “دولة فعلية”.
ولعل أقرب تلك التجارب إلينا، تاريخياً وجغرافيا، هي “دولة اسرائيل” التي اتخذ تأسيسها على يد الحركة الصهيونية مساراً يشبه إلى حد كبير المسار الذي تتخذه “الدولة الإسلامية” (إيديولوجيا دينية، عصابات مسلحة، استيراد العنصر البشري، والتوسع العسكري)، وكرّست نفسها كدولة فعلية مستغلة المتغيرات الدولية للحصول على اعتراف دولي بها.
الاعتراف الدولي هو العنصر الرابع الذي ما زالت تفتقر إليه دولة “الخلافة”. ولكن ماذا لو تبنى صناع القرار في الغرب مقولات تتردد في مراكز الدراسات ومقالات الرأي ومن بينها أن “هزيمة داعش تتطلب التعامل معها ليس كمجموعة إرهابية وإنما كدولة إرهاب”؟

وسام متّى
“رصيف 22” – 28/6/2015

Instagram @ wmattablog

Instagram has returned invalid data.