هل ينهي مرسي عصر «الإخوان»؟

إذا أردت اختزال المشهد السياسي في مصر، فلن تجد سوى كلمة واحدة هي «اللامنطق».
هي حالة تجاوزت العبث السياسي الذي اتسمت به المرحلة الانتقالية التي تلت السقوط المدوّي للرئيس المخلوع حسني مبارك، والتي مهّدت الطريق لوصول «الإخوان المسلمين» إلى الحكم في مصر، بعدما نجح التحالف غير المقدّس بين الولايات المتحدة والمجلس العسكري والإسلام السياسي في الاستيلاء على «ثورة 25 يناير».
حالة «اللامنطق» تلك، كانت محور جلسة نقاش جمعت صحافيين وكتاباً شباباً في مقهى «الندوة الثقافية» في حي باب اللوق في وسط القاهرة، واستفزّ خلالها الكاتب مؤمن المحمّدي، صاحب كتاب «عزيزي المواطن المسلم… لماذا انت متخلف؟»، أذهان الحاضرين بالتساؤل عن مدى القدرة على تكوين صورة واضحة لما يجري في مصر، وما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع في ظل حكم «الإخوان السلمين».
كل ما أثير في جلسة النقاش العفوية تلك، كان مجرّد سيناريوهات تبدو منطقية في ظاهرها «إلا قليلاً»، بحسب توصيف المحمّدي، لكنها تشكو، بمجملها، من ثغرات تنفي عنها صفة التكامل:
– نظام مرسي في طريقه الى الانهيار… ولكن هل تقبل الولايات المتحدة بسقوط حليفها؟
– الولايات المتحدة أتت بـ«الإخوان» لـ«حرقهم»… ولكن ما البديل الذي يضمن مصالحها؟
– طالما ان الولايات المتحدة متمسكة بنظام مرسي… فلماذا لا تتخذ خطوات جدية لدعمه؟
– الجيش المصري سيحمي نظام «الإخوان»… فلماذا يدعوه بعض معارضي مرسي إلى التدخل ضدهم؟
– الجيش المصري سينقلب على «الإخوان»… ولكن ماذا عن تفاهمات المرحلة الانتقالية؟
– ما يجري في مصر جزء من مشروع «الفوضى الخلاقة» لتفتيت المنطقة… ولكن التجارب في دول أخرى اظهرت أن هذا المشروع يتطلب ضرب الجيش الوطني، وهو ما لا ينطبق على مصر حالياً.
هي تساؤلات وتفسيرات تتكرر، بأشكال مختلفة، أينما ذهبت، فيما الجيمع يتحدث كما لو أن نهاية «الإخوان» قريبة… وإن كان لا شيء مؤكداً حتى الآن!
الثابت الوحيد في المعادلة المصرية الحالية أن المكتسب الأهم في «ثورة 25 يناير» ما زال في أيدي ثوارها، وهو ما يعكسه مشهد رمزي يصادفك مساء يوم جمعة في القاهرة، حين يخيّم هدوء غريب على شوارعها، وتكتشف سرّه حالما تطأ قدماك شارع البورصة: الكل متسمّر في مقاهي هذا الشارع أمام شاشات كبيرة لمتابعة إحدى حلقات «البرنامج» لباسم يوسف.
في اليوم التالي يصدر النائب العام مذكرة توقيف بحق الإعلامي الساخر فيتوافد الآلاف إلى دار القضاء تضامناً… حاجز الخوف انكسر و«الثورة مستمرة»!

«تآكل الشرعية»

مشهد آخر لا يقل رمزية كان الاشتباكات التي شهدها محيط مقر مكتب الإرشاد التابع لـ«الإخوان» في جبل المقطم يوم 22 آذار الماضي، في ما عرف بـ«موقعة الجبل»، التي كرّست سقوط هيبة الجماعة، وتلاشي الأساطير المرتبطة بالتفوق الميداني لمناصريها، وهو مشهد يوازيه تراجع شعبية «الإخوان» في الشارع المصري، و«تآكل شرعية» نظامهم – وهو التعبير الديبلوماسي الذي استخدمه رئيس «حزب الدستور» محمد البرادعي – ما يجعل كثيرين يتوقعون انهيار نظام مرسي… ونهاية عصر «الإخوان».
ومن الواضح أن نظام «الإخوان» قد ولد مشوّهاً بـ«أزمة شرعية»، تتبدّى في مؤشرات عدّة، يلخصها المتحدث الرسمي باسم «حزب التجمع» نبيل زكي، في حديث إلى «السفير»، على النحو التالي:
– نسبة التصويت المتدنية التي فاز على بها مرسي على منافسه أحمد شفيق في انتخابات رئاسة الجمهورية (51%).
– محاولة فرض أمر واقع عبر دستور غير شرعي يكرس دولة دينية ديكتاتورية ويعيد نظام الفرد المطلق خلافاً للمبادئ التي قامت عليها «ثورة 25 يناير».
– انحراف خطير في السلطة، يتمثل في الإبقاء على مجلس شورى باطل (باعتبار أن ما سرى على مجلس الشعب المنحل يسري عليه)، لا بل تحويله من مجلس استشاري إلى مجلس ذي سلطة تشريع.
– إحلال مكتب الإرشاد مكان مؤسسة الرئاسة في اتخاذ القرارات.
ويوماً بعد يوم، يترسخ الاعتقاد لدى فئات واسعة من المصريين بأن كل ما قام به محمد مرسي حتى الآن هو تنفيذ برنامج «الاخونة» والسيطرة على مفاصل الدولة بالكامل.
وفي هذا الإطار يشير نبيل زكي، استناداً إلى تقرير لـ«حزب النور» السلفي»، إلى أن 13 ألف «إخواني» قد زرعوا في الوزارات والإدارات العامة منذ وصول محمد مرسي إلى الحكم، ويضاف إلى ذلك التعيينات التي حدثت على مستوى رؤساء تحرير ورؤساء مجالس ادارات الصحف القومية والمحافظين (6 «إخوانيين» من بين 10 جرى تعيينهم مؤخراً)، ناهيك عن سيطرة الجماعة على الوزارات الحساسة كالداخلية والإعلام والشباب والأوقاف وباقي الوزارات الخدماتية.
ويرى زكي أن خطورة «الأخونة» تتمثل في هدفين أولهما قصير المدى، وهو تزوير الانتخابات البرلمانية المقبلة، والآخر بعيد المدى، وهو «قطع الطريق على أي تداول للسلطة، من خلال سد الثغرات التي يمكن للمعارضة أن تتسرب منها باتجاه الرأي العام».
«تراجع الشعبية»
وإذا ما أضيف إلى ذلك الأداء العام لـ«الإخوان» في الحكم، وللرئيس محمد مرسي على وجه الخصوص، يمكن تفسير ظاهرة تراجع شعبيتهم، التي لا يحتاج زائر القاهرة كثيراً من الوقت لتلمّسها.
يفسّر عضو المكتب السياسي في حركة «الاشتراكيين الثوريين» هيثم محمّدين، في حديث إلى «السفير»، هذه الظاهرة بأن «الإخوان، ولكونهم تنظيما سياسيا محافظا، لم يستشعروا بدرجة حقيقية التغيرات التي أحدثتها الثورة، وأبرزها تزايد ثقة الجماهير بنفسها وتحركها للمطالبة بحقوقها».
ويوضح محمّدين أن «الإخوان تمكّنوا من السيطرة على البرلمان المنحل والوصول إلى رئاسة الجمهورية عبر تقديم وعود واسعة للجماهير في برامجهم الانتخابية، وعبر تصوير انفسهم على انهم يحملون مشروعاً للتغيير (مشروع النهضة)»، لكن أياً من ذلك لم يتحقق، فقد أخفق مرسي في تنفيذ مشروع «المئة يوم» الأولى من عهده، حتى أن هذه الفترة شهدت تصاعداً لافتاً في التحركات المطلبية (حوالى ألف تحرك)، وقد قوبلت بالتجاهل بداية، ثم جرى الانتقال إلى وسيلة القمع.
وفي موازاة ذلك، يضيف محمّدين، بدأت مرحلة «التصالح بين الإخوان والنظام القديم» (رجال الأعمال، وزارة الداخلية، المؤسسة العسكرية)، ما افرز عداءً واضحاً بين «الإخوان» والقوى الثورية، مشيراً إلى انه «تحت ضغط الحركة الاجتماعية المتصاعدة، وافلاس النظام الجديد في تقديم حلول، لم يبق امام الاخوان سوى استخدام آلة القمع على نطاق واسع، ما عمق فكرة العداء للأخوان لدى مختلف فئات الشعب المصري».
ويرى محمدين أن «استخدام الاخوان للقمع، وترددهم بين التصالح مع النظام القديم، وبين ارضاء الجماهير – وهو تناقض لا يمكن حله – جعلاهم تحت ضغط هائل على مستويات عدّة»، إذ برز التناقض بين مصالح المؤسسة العسكرية ومطالب القوى الثورية من جهة، وبين مطالب التيار السلفي الراغب في تطبيق الشريعة الإسلامية ومطالب الغرب الذي يريد دولة مدنية في مصر… الخ.

المخرون البشري

ومن بين المؤشرات على تراجع شعبية «الاخوان» هزيمتهم المدوّية في انتخابات اتحادات طلاب الجامعات وعدد من النقابات المهنية واتحاد المنظمات الأهلية.
ويرى مدير الوحدة القانونية في «مؤسسة حرية الفكر والتعبير» أحمد عزت، في حديث إلى «السفير»، أن «الإخوان تصوّروا أنهم قادرون على تحقيق المكاسب في كل الانتخابات، فجاءت نتائج الانتخابات الطلابية لتؤكد زيف هذا التصوّر، ولتؤكد أن ثمة امكانية لإحداث توزان قوي في الشارع، والتأثير بشكل كبير في الانتخابات البرلمانية المقبلة».
لكن الأهم من ذلك، بحسب عزت، هو أن نتائج الانتخابات تلك قد عكست خللاً في الشكل الهرمي التنظيمي لـ «الإخوان» الذي يقوم على مبدأ «السمع والطاعة»، إذ أبرزت هذه الانتخابات التناقض بين القيادة والقاعدة، وهي تنبئ باحتمال أن تفقد الجماعة مخزونها البشري في الجامعات، بعدما كانت القوة الرئيسية فيها لسنوات طويلة.
ويتفق هيثم محمّدين مع هذا الرأي، ويضيف إلى ذلك الهزائم الأخرى التي تكبدها «الإخوان» مؤخراً في النقابات المهنية. (الصحافيون، الصيادلة، الأطباء).
ويوضح محمّدين أن «الطلاب والمهنيين طالما شكلوا الرافد الرئيس للإخوان، ولذلك فإن خسارتهم في هذين المعقلين تحمل الكثير من الدلالات»، ومن بينها أنهم باتوا يفتقدون إلى الكوادر داخل الجامعات «والدليل عجزهم عن تأمين مرشحين»، و«اخفاق نقابييهم في منع الإضرابات وتخريب الجمعيات العمومية للنقابات» (إضراب الأطباء نموذجاً).

استنساخ نظام مبارك

ويترسخ الاعتقاد لدى جموع المصرييين بأن نظام «الإخوان» ليس سوى نسخة معدّلة لنظام حسني مبارك، وهو ما يعكسه هتاف يردده المتظاهرون منذ وصول مرسي الى الحكم «احلق دقنك بيِّن عارك… طلع وشك زي مبارك».
ويشمل ذلك نواحي عدة في الحكم، لا سيما في ما يتعلق بمقاربة النظام «الإخواني» لملف «الإفلات من العقاب» بطريقة مخالفة لتوجهات «ثورة 25 يناير».
ويقول أحمد عزت إن «الاخوان لم يفعلوا شيئاً لمعالجة ملف الإفلات من العقاب، فمعظم الضباط المتورطين بقتل المتظاهرين وقضايا التعذيب قد حصلوا على البراءة»، لا بل ان الأساليب القمعية التي سادت أيام حسني مبارك ما زالت مستمرة (التعذيب في السجون وأقسام الشرطة، امتهان الكرامة الانسانية، قتل الثوار).
ويشير عزت الى ان «كل ما حصل من تغييرات في وزارة الداخلية كان استبدال وزير بآخر، فيما قيادات الداخلية ما زالت في مواقعها، وهي ما زالت عصية على التغيير، باعتبار أنها مترابطة، وكل منها يحرص على حماية الآخر، فضلاً عن تشابك المصالح بينها وبين الاخوان»، وهذا ما يفسّر، بحسب رأيه، عدم اتخاذ أي خطوة لإعادة هيكلة قطاع الداخلية، الذي لم يعد هدفه الحفاظ على الأمن بقدر ما هو حماية النظام.
ويتبدّى استنساخ نظام مبارك خصوصاً في تمسكهم بالسياسات الرأسمالية النيوليبرالية التي انتهجها تيار جمال مبارك في «الحزب الوطني» المنحل، مع فارق جوهري هو أن «الإخوان» يحاولون اليوم التوفيق بين الفلسفة الاقتصادية للنظام القديم مع ما يسمّى بـ«الاقتصاد الإسلامي» الذي يفتقد حتى هذه اللحظة إلى المعالم الواضحة.
ويتبدّى ذلك خصوصاً في فرض طبقة رجال أعمال «إخوانية»، عمادها نائب المرشد خيرت الشاطر، الذي يُشَبِّهُهُ كثرٌ برجل الأعمال النافذ في عهد مبارك، أحمد عز، مع فارق جوهري هو أن الأخير كان ينتهج نمط الاستثمار الانتاجي، في حين أن الاول ينتهج نمط الاستثمار التجاري.
اما القاسم المشترك بين السياسة «المباركية» ونسختها «الإخوانية» فيتمثل في التناقض مع أهداف «ثورة 25 يناير»، المتمثلة بشعار «عيش، حرية، عدالة اجتماعية».
وثمة اجماع لدى الخبراء، بأن مصر تقف على حافة الانهيار الاقتصادي، وهو ما تعكسه المؤشرات المالية والاقتصادية (احتياطي العملات الاجنبية، أزمة الوقود، ازمة القمح، تخفيض التصنيف الائتماني للمصارف، انهيار قيمة الجنيه امام الدولار… الخ).
ونتيجة لحالة التخبط على المستوى السياسي والأمني، فإن كثراً يتوقعون ان تشتد الأزمة خلال الفترة المقبلة، ليصبح بذلك «حكم المرشد» مهدداً بـ«ثورة جياع» ترافقها موجات متلاحقة من الحراك العمالي.
وفي هذا الإطار، يشير محمّدين إلى أن الحركة العمالية في مصر تزداد قوة وصلابة، وهو يدلل على ذلك بالقول إن «فض اعتصام الحديد والصلب بالرصاص والاعتقالات في العام 1989، استلزم أربع سنوات لتنفيذ اضراب ثانٍ (كفر الدوار 1994)، في حين أن القمع الاخير لعمال الاسكندرية ترافق مع سلسلة من الاضرابات العمالية في قطاعات أخرى»، ما يعني أن «القمع لن يأتي بنتيجة هذه المرّة».

أزمة البديل

«هل القوى المدنية المناصرة للدولة المدنية مؤهلة لكي تحدث تغييراً او تحولاً ديموقراطيا؟»، يتساءل نبيل زكي.
هو سؤال يتردد على لسان كثيرين، وخصوصاً المواطنين العاديين الذين فقدوا الثقة بالجميع، بما في ذلك الثورة، التي يحمّلونها مسؤولية وصول «الإخوان» إلى الحكم.
وفي هذا الإطار، يشير نبيل زكي، وهو عضو في المكتب السياسي في «جبهة الإنقاذ»، الإطار الواسع للمعارضة المدنية، إلى أن ثمة ملاحظات سلبية عديدة على «الجبهة»، وتتمثل خصوصاً في «تردد بعض قادتها وميلهم نحو المهادنة والمساومة مع النظام الحاكم»، وفي «انعدام الخبرة السياسية لدى بعضهم»، و«سيطرة النزعة الفردية لدى آخرين»، والأهم من ذلك «افتقارها إلى الزعامة».
بدوره، يرى محمّدين أن «جبهة الانقاذ، التي تضم قوى من يمين اليسار ورموزا من النظام القديم، لا يمكن ان تمثل البديل عن النظام الحاكم، ولا يمكن وصفها بأنها جبهة ثورية، فهي شديدة التناقض والمحافظة، كما انها تخشى الجماهير وترتعب منها، وهذا ما تبدّى في موقفها من حصار قصر الرئاسة».

الجيش و«الإخوان»: صراع أم صفقة؟

ولكن ثمة من يرى اليوم أن الجيش قد يكون بديلاً عن «الإخوان»، فهل هذا طرح واقعي؟
يشير نبيل زكي إلى أن «ثمة قطاعات واسعة لدى الرأي العام المصري ترى أنه لا يمكن اقتلاع الاخوان من السلطة ألا بإراقة الدماء والعنف، ولتجنب ذلك، فإن ثمة حاجة لتسليم الجيش السلطة لفترة انتقالية موقتة، يتم خلالها وضع دستور جديد وتنظيم انتخابات برلمانية».
ويرى زكي أنه «إذا استمر الوضع على هذا الشكل واتسعت رقعة إراقة الدماء وتفكيك الدولة، فالأمن القومي سيكون معرّضاً للانهيار، ما سيدفع الجيش المصري إلى التدخل لإنهاء هذا الوضع»، معرباً عن اعتقاده بأن احتمالات الصدام بين الجيش و«الإخوان» كبيرة، لكن المسألة تحتاج إلى بعض الوقت.
غير أن هيثم محمّدين يختلف جذرياً مع هذا الرأي، فالصراع بين الجيش و«الإخوان»، بحسب رأيه، «ليس صراعاً على السلطة، بل صراع على المساحات»، وهو تحديداً صراع على ملف السياسة الخارجية.
ويوضح محمّدين أن «المؤسسة العسكري حصلت في عهد الاخوان على أقصى المكاسب الممكنة في ظل ثورة شعبية، فقد تمت دسترة امتيازاتها، وتم تأمين الخروج الآمن لقياداتها»، ما يعني ان مصلحة الجيش تقضي ببقائه في صف النظام «الإخواني» والدفاع عنه.
أما تفسير محمّدين لاشتداد حالة الاحتقان بين الجيش و«الإخوان» فيلخص في أن «حركة الجماهير كشفت كل ملفات المؤسسة العسكرية، فتراجعت الأخيرة خلف الأخوان، باعتبارهم القوة الأكثر تنظيماً… غير أن رهان الاميركيين على الاخوان اهتز بشدة مع الموجة الاخيرة، خصوصاً بعد ما جرى في مدن القناة، فكان أن عاد الجيش إلى المشهد السياسي، ولكن ليس إلى درجة الانقلاب، بقدر ما هو من منطلق الخوف من حركة الجماهير. كان ذلك واضحاً في الدعم الذي قدمه الجيش للإخوان ومحاولته فض العصيان في بورسعيد وغيرها»، ما يعني، بحسب محمّدين، أن الصفقة بين الإخوان والجيش مستمرة.
لكن الخبير الأمني والاستراتيجي اللواء حمدي بخيت يرفض بشدّة الحديث عن صفقة بين الجيش و«الإخوان»، إذ يقول لـ«السفير» إن هذا الانطباع ترسخ لدى الناس بسبب «الإعلام» و«اصحاب الأجندات».
ويوضح بخيت أنه خلافاً لما يقال «لم تكن هناك حالة سمن وعسل بين الجيش والاخوان ولا حالة سمن وبصل بين الجيش والقوى الاخرى، فالمؤسسة العسكرية حافظت على مسافة واحدة من الجميع، وهذا ما كلفها الكثير».
وينفي بخيت حصول الجيش على امتيازات في دستور «الإخوان»، قائلاً إن الحديث يدور حول بنود نمطية عادية كانت موجودة بشكل أو بآخر في دستور العام 1971، في حين غابت عن الدستور الجديد بنود تحتاج إليها المؤسسة العسكرية وتتمحور حول سبل حماية نسيجها من التعصب والتحزب والتشرذم.
ويرفض بخيت بشدة ما يحكى عن «خروج آمن» لقيادات المجلس العسكري، قائلاً إن المؤسسة العسكرية «أقوى من أن تطلب خروجاً آمناً لأي فرد من أفرادها».
ويضيف ان «القوات المسلحة لا يهمها السلطة، لأنها قوية بطبيعتها، وهدفها الأول والأخير حماية الأمن القومي»، لكنه يستدرك قائلاً إنه «في حال فرضت الظروف على القوات المسلحة أن تدير مرحلة انتقالية جديدة، فأداؤها سيكون أكثر كفاءة، خصوصاً أنها تعلمت الكثير من التجربة الماضية».
بدوره، يرفض نبيل زكي الحديث عن صفقة بين الجيش و«الإخوان».
ويعتبر زكي أنه من الخطأ الخلط بين المجلس العسكري الحالي (بقيادة الفريق أول عبد الفتاح السيسي) وبين المجلس العسكري السابق (بقيادة المشير حسين طنطاوي والفريق سامي عنان)، موضحاً انه إذا كان الجيل القديم قد دخل في تفاهمات مع «الإخوان»، فإن «الجيل الجديد» يقود الآن «مؤسسة عسكرية ما زالت تحافظ على «طابعها الوطني».
ويربط زكي تدخل الجيش من عدمه بموقف الولايات المتحدة من «الإخوان». ويرى زكي أن «الولايات المتحدة ما زالت حتى هذه اللحظة داعمة للإخوان، ولكن اي شخص يجيد قراءة الموقف الاميركي يدرك أن اي حاكم لا يستطيع السيطرة على الشارع يصبح ورقة محروقة عند الأميركيين، تماماً كما حدث مع مبارك».

نهاية الإخوان؟

وبصرف النظر عن السيناريوهات المتوقعة خلال عهد مرسي، فإن كثراً يرون أن وصول «الإخوان» إلى الحكم قد كرّس نهاية اسطورة عاشت عليها الجماعة منذ تأسيسها على يد حسن البنا في العام 1928.
«هذه المرة ستكون نهاية الاخوان… هم حاولوا تصوير أنفسهم خلال العقود الماضية على أنهم (بتوع ربنا) فجاءت تجربتهم في الحكم مناقضة لكل ما كانوا يتحدثون به»، يقول نبيل زكي، الذي يرى أن «الإخوان يعيشون اليوم في عزلة تامة بعدما انفض عنهم حلفاؤهم في التيار السلفي، وفقدوا رصيدهم لدى المواطنين، وانكفأوا من وضع الهجوم إلى وضع الدفاع».
ويشير زكي إلى أن «حكماء السياسة» يرددون اليوم مقولة مفادها أنه «لو بقينا 50 عاماً نكافح لإسقاط القناع عن الاخوان لما كنا نجحنا… لكنهم هم من اسقطوا القناع عن انفسهم».
بدوره، يقول هيثم محمدين إن «هذه السلطة ستقع… ولن تكمل السنوات الأربع»، لافتاً إلى أن «الإخوان» يواجهون اليوم حالة انهيار على اكثر من مستوى، فهناك التراجع في قدرتهم على حشد الاصوات، وهناك فقدان لرصيدهم في الشارع، كما أن هناك انشقاقات كبيرة في قواعدهم بدأت مع ممثلي الجماعة في «ائتلاف شباب الثورة»، ومناصري القيادي السابق عبد المنعم ابو الفتوح، وهي مستمرة اليوم في الهيئات النقابية، ناهيك عن ان التحالف بين «الإخوان» والسلفيين قد اهتز بالفعل.
وفي ظل هذا الانهيار المفترض، يبقى سؤال يقض مضاجع كثيرين داخل مصر وخارجها: هل ينهار «حكم الإخوان» من دون سفك دماء؟

وسام متى
“السفير” – 9/4/2013

فليكر