«25 يناير»: الثورة المغدورة

بعد ست سنوات على الثورة المصرية، يبدو وكأنّ الزمن قد عاد إلى ما قبل 25 كانون الثاني 2011، وفق المثل الشعبي الشهير «كإنّك يا بو زيد ما غزيت». لكنّ ثمة حراكاً ما زال قائماً، برغم كل الصعاب، ومن آخر أشكاله معركة «تيران وصنافير مصرية»، التي أعادت تجديد الدماء في شرايين ثورة أتعبها الزمن، فراحت تلملم انكساراتها على وقع الضربات المتتالية والمحاولات الدؤوبة لـ«شيطنتها».

القاهرة | «لقد انتقلنا بسرعة من العبودية إلى الحرية، وها نحن نسير بسرعة أكبر من الحرية الى العبودية».
العبارة التي كتبها اليزيه لوستالو، رئيس تحرير صحيفة «ثورات باريس»، في عام 1789، تكاد تكون لسان حال ناشطي «ثورة 25 يناير»، بعد سلسلة الانتكاسات والخيبات التي لاحقتهم، مذ غادروا ميدان التحرير فجر يوم الثاني عشر من شباط عام 2011.
بالنسبة إلى شباب «25 يناير»، لم يعد الزمن الذي يفصلهم عن ثورتهم، يُقاس بالسنوات، ولا حتى بالأيام، بل بمجموع الآمال والأحلام المتكسرة، التي ما زالت بعض شوارع مصر شاهدة عليها، بشعارات بهتت كلماتها، لكنها تأبى أن تتلاشى.
على جدار مجاور لـ«ميدان الأوبرا»، عند آخر «كوبري قصر النيل»، ما زال زائر القاهرة قادراً على تمييز عبارات من قبيل «الثورة مستمرة»، «حق الشهيد»، «اِنزل»… وبضعة من شعارات أخرى، مرتبطة بالـ«ألتراس» و«تمرّد» و«حكم المرشد».
ثمّة تشابهٌ مثيرٌ للانتباه بين ذلك الجدار، والمشهد العام الذي يمكن رسمه، في أيّة جلسة نقاش ــ أو حتى «قعدة على قهوة» ــ مع شاب أو شابة شارك(ت) في تلك الأيام الثمانية عشر التي هزت مصر… والعالم.
تغيّرت كثيراً أحاديث «شباب الثورة» اليوم. صارت تدور حول «تيران وصنافير» و«الوضع الاقتصادي المتأزم»، و«صراع الأجهزة الأمنية»، والعمليات الإرهابية المتنقلة، من سيناء إلى «الكاتدرائية»، وسلسلة الإجراءات «القمعية» التي تتخذها الدولة المصرية، كالتضييق على الإعلام، والتمويل الأجنبي، وقانون الجمعيات… إلخ.
مع ذلك، فإنّ «ذكريات الثورة» لا تغيب. يستحضرها الناشطون والصحافيون في أحاديثهم، من الأيام الثمانية عشر، مروراً بأحداث محمد محمود ومجلس الوزراء، وصولاً إلى محطات أخرى، رسمت مصير الثورة المغدورة في الحقبتين «الإخوانية» و«السيساوية».

«مؤامرة»… على الثورة

خلال سنوات الأحلام المتكسرة، انتقل شباب «ثورة 25 يناير» من مرحلة المبادرة إلى مرحلة الدفاع عن الثورة نفسها، لا بل تراهم يخوضون معركة البقاء، بين السجون المزدحمة بالناشطين، وأروقة المحاكم المتخمة بالدعاوى الانتقامية، والدوائر الأمنية والحكومية، حيث قرارات المنع من السفر وتجميد الأموال… إلخ.
الأخطر من كل ذلك، أن الدعاية الرسمية لسلطة ما بعد «ثورة 30 يونيو» نجحت، إلى حدّ ما، في شيطنة الثورة الأم. من كانوا يوصفون بـ«الفلول» خرجوا من جحورهم، واحتلوا وسائل الإعلام، التي انحدر خطابها العام، وفق نظرية «السقوط الحر» النيوتنية، إلى أدنى درجات الانحطاط والابتذال، فغابت أصوات «ثورية»، من أبرز أعلامها يسري فوده وريم ماجد ودينا عبد الرحمن… وحلت مكانها أصوات «فاجرة»، رضعت حليب «نظرية المؤامرة» من توفيق عكاشة وأحمد موسى وغيرهما.
كثيرون قللوا، في مرحلة ما، من أهمية تلك الأصوات الشاذة، قبل أن يتبيّن لهم مدى خطورتها، فقد بات صداها مؤثراً في الشارع المصري، وأصبح «الثوار» مرغمين على تبرير «ثورتهم»، لا بل تبرئتها من تهم كثيرة، تبدأ بـ«وقف حال البلد» و«ضرب الاستقرار»… لتصل إلى حد اعتبارها «مؤامرة خارجية» على مصر!
في الواقع، بات شباب الثورة يعانون كثيراً، وهم يحاولون إقناع، حتى المقربين منهم، بأن ما حدث منذ 25 كانون الثاني 2011، لم يكن مؤامرة، بل ثورة تآمرت عليها أطراف عدّة، اجتمعت، برغم تناقضاتها، على عداء مشترك للثورة، بدءاً بالمؤسسة العسكرية والجهاز البيروقراطي، مروراً بجماعات الإسلام السياسي (وفي طليعتهم «الإخوان»)، وصولاً إلى الأنظمة الإقليمية (ولا سيما الخليجية) والغربية (الإدارة الأميركية على وجه الخصوص).

أخطاء متعددة… ومراجعات أولية

لكن تراجع المسار الثوري لم يكن ثمرة التآمر المتعدد الأطراف وحده، فشباب الثورة أنفسهم يتحملون قسطاً من المسؤولية، بعدما تشتتوا في كل مرحلة من مراحل الثورة، واختلفت أولوياتهم وحساباتهم، حتى غرقوا في فخ نُصب لهم بإحكام، وهو تخوين الآخر، ولا سيما بعد الفرز الكبير الذي أحدثته «ثورة 30 يونيو»، بين معسكر رأى في ما حدث موجة ثورية جديدة، ومعسكر آخر شارك في التظاهرات ضد «حكم المرشد»، لكنه سرعان ما غسل يديه منها كلّياً.
المشكلة الحقيقية، أن كثيرين لا يملكون الجرأة على مراجعة أخطاء السنوات الست الماضية، حتى لا يقعوا فريسة لـ«مزايدات» الطرف الآخر، ضمن المعسكر الثوري نفسه. ومع ذلك، ثمة نقاشات بدأت تجري بالفعل ــ وإن في أطر ضيقة وبطريقة غير منهجية ــ حول الخيارات التي كان يمكن اتخاذها في كافة محطات الثورة.
تلك المراجعات أوصلت حتى الآن إلى مجموعة قناعات مشتركة، كلها يصبّ تحت إطار الاعتراف بأن ثمة أخطاءً كان يمكن تجاوزها أو التعامل معها بحنكة أكبر، منذ أن انفضّ ميدان التحرير، بعد ليلة صاخبة تلت إعلان عمر سليمان تنحيَ حسني مبارك.
كل القناعات، إن انتقلت من مجرّد الكلام إلى مراجعة ممنهجة، ستقود إلى نتيجة واحدة: لقد كان من الخطأ أن تتحرّك الثورة على الطريقة «الأناركية»، والمقصود هنا، أن تبقى تلك الثورة من دون قيادة. هذا الخطأ، لو جرى تجنّبه، لتخطت «ثورة 25 يناير» الكثير من الإخفاقات، بدءاً بأيامها الثمانية عشر الأولى (حين تمكن النظام الحاكم يومها من أن يدعو مجهولين إلى «حوار» باعتبارهم من «شباب الثورة»)، مروراً بالمرحلة الانتقالية (حين كان المجلس العسكري يتذرع بتعدد المرجعيات الثورية، التي صارت تنظيماتها تعدّ بالعشرات، لا بل بالمئات، لاتخاذ القرارات الأُحادية)، والحقبة «الإخوانية» (حيث حُلَّ «ائتلاف شباب الثورة» بدلاً من تفعيله كإطار توحيدي غداة انتخاب محمد مرسي).
يمكن أن يضاف، إلى ما تقدّم، أن الحركات الثورية غلّبت اليوتوبيا على البراغماتية، في مختلف محطات الثورة، وهو أمر لا يمكن أن تلام عليه، بطبيعة الحال، خصوصاً أن الثورة المصرية، كشأن كل الثورات في العالم، دفعت بسقف التوقعات عالياً، تحت إطار الشعار الشهير: «كن واقعياً واطلب المستحيل».
ومع أن هذا التوجه كان يمكن تقبله في الأيام الأولى، التي تلت السقوط المدوّي لنظام حسني مبارك ــ أو بمعنىً أصحّ رأس هذا النظام ــ إلا أنه لم يكن مفهوماً في الكثير من المحطات اللاحقة، يوم وجد شباب الثورة أنفسهم أمام أمر واقع، فرضته التحالفات العابرة لحدود مصر، فانصرفوا عن مقارعة المنظومة الانتقالية في كافة الاستحقاقات، فتركوا الانتخابات لـ«الإخوان» والسلفيين، وغيرهم من الأحزاب الانتهازية، وفضّلوا البقاء حصراً في الميادين، فكان أن خسروا الاثنين معاً، بعدما بات الكل يصمهم بأنهم «فوضويون» يريدون «تخريب البلد»، حتى ترسّخ هذا الوصف في أذهان العامة.
ولا شك أن حقبة السيسي، تُعَدّ الأسوأ على الإطلاق، بالنسبة إلى شباب الثورة. هم يخوضون اليوم معركة البقاء، كما سلف، وهي ليست محصورة بالصراع اليومي مع أجهزة السلطة، التي لم تعد تحتمل مجرّد النقد حتى من المقرّبين، ولا بترسانة القوانين المقيّدة لتحركهم، بل في الافتقار إلى مشروع بديل، يمكن البناء عليه، لتصحيح الخطيئة الأصلية، المتمثلة في غياب القيادة الموحدة.
هذا المشروع البديل، وتلك القيادة الموحدة هي عقدة العقد، بالنسبة إلى شباب الثورة، فهم عاجزون، حتى الآن، عن مجرّد تقديم مرشح واحد، يخوضون وراءه الانتخابات الرئاسية المقبلة، فمعظم الشخصيات التي سبق أن حاولت دخول المعارك الانتخابية السابقة، فقدت حيثياتها، حتى أن أحدها بات ينظر إليه على أنه «إخواني متنكر»، والآخر بات يفضل أن يتقمص دور «رئيس سابق».

ماذا بعد؟

من المتفق عليه أن لا ثورة تحقق أهدافها في عام أو اثنين أو حتى عشرة. بعض ثورات العالم احتاجت إلى عقود حتى تنتج مفاعليها، وقد تكون الثورة الفرنسية النموذج الأكثر وضوحاً في هذا السياق.
ومع التسليم بأن التجارب الثورية لا يمكن استنساخها، إلا أن ثمة فرصة يمكن البناء عليها، من قبل أولئك الذين افترشوا ميادين مصر وشوارعها قبل ستة أعوام، ويضاف إليهم جيل جديد يبدو أكثر عناداً، بحسب ما عكست تظاهرات طلاب المدارس الثانوية، على سبيل المثال قبل أشهر.

قد يشهد العام السابع
لـ«ثورة 25 يناير» تحوّلاً جذرياً
في المشهد المصري العام

تلك الفرصة تنطلق من واقع أن النظام الحالي نال تأييد المصريين، لسببين أساسيين، أولهما ضرب «الفاشية الدينية» التي كان «الإخوان المسلمون» يسعون إلى فرضها على مصر، وثانيهما استعادة الثقة بـ«الدولة» المصرية، في محيط مشتعل بالصراعات التي باتت تهدد الكيانات الموحدة.
هذان «الإنجازان» شكّلا الحجر الأساس الذي بنى عليهما الرئيس عبد الفتاح السيسي شعبيته الهائلة، في أولى مراحل الحكم، قبل أن تتوالى الأخطاء القاتلة، التي جعلت نظرة الشارع المصري إليه تتراجع من كونه «القائد المنقذ»، باتجاه السؤال عن «البديل الغائب»، وصولاً إلى التعبير عن السخط، في خضم أسوأ أزمة اقتصادية ومعيشية تشهدها مصر، منذ سنوات طويلة، حتى بات بعض المواطنين العاديين يقولون علناً «رحم الله أيام مبارك».
على هذا الأساس، فإنّ الوضع الاقتصادي المتأزم قد يشعل فتيل ثورة من نوع آخر، يخشاها حتى الثوار أنفسهم (!)، فالأجواء السائدة في مصر اليوم تبدو أسوأ مما كانت عليه قبل «ثورة 25 يناير»، والاحتقان الشعبي يزداد احتقاناً، حتى أن ثمة من يتوقع انفجار الغضب الشعبي في أي وقت، ولكنه لن يكون هذه المرّة في الميادين، بل من داخل أحياء البؤس، الموزعة على طول البلاد وعرضها.
على هذا النحو، فإن العام السابع لـ«ثورة 25 يناير»، قد يشهد تحوّلاً جذرياً في المشهد المصري العام، الذي يبدو أمام سباق مع الزمن بين خيار من اثنين: انتقال للسلطة السياسية بطريقة دستورية، حين يبدأ العد العكسي لانتخابات الرئاسة (حزيران 2018)، أو ثورة جياع غير محسوبة النتائج…. وبين الخيارين ثمة من يتحدث عن سيناريو احتمالي ثالث، وإن كان أحد لا يمكن توقعه بدقّة، هو «حركة تصحيحية» من داخل أجهزة الدولة المصرية.


أحزاب ما بعد الثورة: أين اختفت؟

أفرزت الثورة المصرية، خلال سنواتها الست، ما يناهز 24 حزباً، معظمها اليوم يبدو عاجزاً عن فرض نفسه على المشهد السياسي، بما فيها الأحزاب الخمسة التي تمكنت من دخول البرلمان، في الانتخابات التشريعية الأخيرة.
الأحزاب الخمسة وهي «المصريين الأحرار» (ليبرالي)، و«المصري الديموقراطي» (يسار وسط)، و«حراس الثورة» (قومي)، و«الإصلاح والتنمية» (ليبرالي)، و«النور» (سلفي)، حظيت بتمثيل في البرلمان الذي انعقدت أولى جلساته في كانون الثاني العام 2015، ووُصفت من مراقبين بأن أغلبها يضم كثيرين من أنصار الرئيس الأسبق حسني مبارك، الذي أسقطته «ثورة 25 يناير».
أما في برلمان العام 2012، الذي شارك فيه 24 حزبا محسوباً على الثورة، في مقدمتها «الحرية والعدالة» (جماعة الإخوان المسلمين) و«الكرامة» (اليساري)، وأحزاب «الكتلة المصرية» (تحالف ليبرالي)، فحصدت أحزاب «ما بعد 25 يناير» 78 في المئة من مقاعد البرلمان البالغة حينذاك 498 مقعدا.

وسام متى
“الأخبار” – 25/1/2017

Instagram @ wmattablog

Instagram has returned invalid data.