«باسم الله الرحمن الرحيم… وبه نستعين». تلك كانت أولى تغريدات جماعة «أجناد مصر» على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» يوم السادس والعشرين من شهر كانون الثاني العام 2014، أي بعد يوم واحد من الذكرى الثالثة لـ«ثورة 25 يناير».
بعد تغريدة «البسملة» استكملت «أجناد مصر» تغريداتها، فنشرت بيانها الأوّل، المؤرخ في يوم الرابع والعشرين من كانون الثاني، وهو بعنوان «القصاص حياة»، العبارة التي حوّلتها الجماعة الوليدة إلى «وسم» على مواقع التواصل الاجتماعي، وصار جزءًا لا يتجزأ من عناوين بياناتها الصادرة بعد كل عملية تفجير.
في بيانها الاول، كما في بياناتها اللاحقة، اعتمدت «أجناد مصر» خطاباً أقرب ما يكون إلى خطاب جماعة «الإخوان المسلمين» أو حلفائها في تيار الإسلام السياسي – منه إلى خطاب الجماعات الجهادية الأخرى، وذلك برغم تعمّدها إدراج مصطلحات سلفية، من قبيل «جند الطاغوت» و«إقامة الدولة على ما يرضى الله عز وجل في كتابه وسنة رسوله»، والاستشهاد بـ«شيخ الإسلام» ابن تيمية في حديثه عن «السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار».
ومما جاء في هذا البيان أن «أجهزة الإجرام التابعة للنظام، وكافة عناصرها، قد ربوا منذ العهد البائد على التنكيل بالشعب وإذلاله والحيلولة بينه وبين الحياة الكريمة وصده عن دينه، وإن الشعب قد قام بثورته المباركة على تلك الأجهزة الإجرامية حتى يتحرر من سطوتها وجبروتها فأسقط رأسها وأزاح عدداً من رموزها، إلا أن ثورتنا لم تكتمل ولم تستأصل جذور الفساد من أصولها فتركت مؤسسات الطاغية، وترك رجاله وفلوله وقانونه الوضعي، فستغل (فاستغل) أذنابه تلك الثغرة وعادوا من خلالها مرة أخرى بشكل أبشع وجرائم أشنع… فما كان لنا أن نرتضي لمصرنا الحبيبة حياة الذل والهوان، خاصة وأن فيها من العقول والقدرات ما يمكننا من التصدى لأعتى جبابرة الأرض».
وبخلاف البيانات الصادرة عن الجماعات «الجهادية» الأخرى الناشطة في مصر، وأبرزها «أنصار بيت المقدس» الناشطة في سيناء، تضمّن بيان «أجناد مصر» ما يوحي بسعيها إلى كسب تعاطف المصريين، خصوصاً في تشديدها على أن «كل متصد لتلك الأجهزة الإجرامية يجب أن يأخذ أقصى درجات الحيطة والحذر لكي لا يوقع أي ضرر على الأبرياء من أهلنا، ولو كانوا ممن يعارضوننا».
وفي بيان ثان مؤرّخ في اليوم ذاته، تبنت «أجناد مصر» عمليتي تفجير استهدفت إحداهما قوات الامن المركزي بالقرب من محطة البحوث في حي المهندسين في القاهرة، مشيرة إلى أن «هذه القوات هي الموكلة بالقتل والتعدي على الأبرياء في كل يوم جمعة»، في إشارة إلى التظاهرات المؤيدة للرئيس المعزول محمد مرسي، والثانية استهدفت قسم شرطة الطالبية في شارع الهرم في الجيزة وذلك رداً على التحذير الصادر عن «المجرم المتعجرف (وزير الداخلية) محمد ابراهيم من الاقتراب من أقسام الشرطة».
كذلك، تبنت «أجناد مصر» في بيانها سلسلة عمليات سابقة «الهدف منها معرفة ردة فعل الأجهزة الإجرامية»، ومن بينها استهداف نقطة محور 26 يوليو (7 كانون الثاني العام 2014)، وكمين السواح (25 تشرين الثاني العام 2013)، وكمين عبود (20 تشرين الثاني العام 2013).
واستكملت «أجناد مصر» عملياتها، في إطار حملة «القصاص حياة»، حيث تبنت تفجير عبوتين استهدفتا مقر الإدارة العامة للعمليات الخاصة في قوات الامن المركزي في القاهرة الكبرى على طريق الاسكندرية الصحراوي (31 كانون الثاني العام 2014)، وأخريين استهدفتا دورية للأمن المركزي في ميدان الجيزة (7 شباط العام 2014)، وتفجير ثلاث عبوات في ميدان نهضة مصر قرب جامعة القاهرة (2 نيسان 2014)، أسفرت عن مقتل مفتش مباحث مديرية أمن الجيزة العميد طارق المرجاوي، ومن ثم تفجير عبوة في ميدان لبنان (19 نيسان 2014)، وبعدها اغتيال العميد في قوات الامن المركزي احمد زكي بعبوة زرعت في سيارته في مدينة 6 اكتوبر، قبل ان تتبنى تفجيرات قصر الاتحادية، امس الأول، والتي رفعت من خلالها سقف التحدي أمام قوات الامن، بأن كشفت عن تفاصيلها قبل تنفيذها بيومين!
وبتحليل البيانات الصادرة عن «أجناد مصر» والأسلوب الذي تتبعه في تنفيذ عملياتها (زرع وتفجير عبوات بدائية الصنع)، يمكن القول إن هذه الجماعة تنتسب أو تتقاطع في انتمائها مع جماعة «الاخوان المسلمين» أو أحد الفصائل المكوّنة لـ«تحالف دعم الشرعية».
وانطلاقاً من هذا التحليل، فإن مقاربة الخبراء الأمنيين في مصر لهوية هذه الجماعة، التي صدر حكم قضائي عن محكمة الأمور المستعجلة باعتبارها «تنظيماً إرهابياً»، تسير ضمن مروحة توقعات يشير بعضها إلى انها تشكيل إرهابي أسسه نائب المرشد العام لـ«الإخوان» خيرت الشاطر، أو القيادي السلفي البارز حازم ابو اسماعيل، أو خلايا منبثقة من عناصر شبابية في «الإخوان»، بعدما منحها قادة الجماعة في السجون صلاحية اتخاذ القرار والتنفيذ في الشارع.
ولعل ما يعزز هذا الاعتقاد أن كل عمليات «أجناد مصر» ـ باستثناء عملية أمس الأول ـ نفذت ضمن نطاق جغرافي محدد هو محافظة الجيزة، التي تعرف بمناطقها العشوائية بما تشكله من بيئة خصبة لنمو الخلايا الإسلامية.
ويبدو أن الاسلوب البدائي الذي تعتمده تلك الجماعة خلال عملياتها الأولى قد جعل أجهزة الامن المصرية تستخف بقدرتها على تنفيذ عمليات ضخمة، كتلك التي نفذها تنظيم «أنصار بيت المقدس» خلال الأعوام الثلاثة.
لكن تحليلاً دقيقاً لهذه العمليات يظهر ان «أجناد مصر»، التي تشير التقديرات الأمنية إلى ان عدد أفرادها لا يتجاوز العشرين، تتدرّج تصاعدياً في مسار العنف، وهو ما تبدّى بوضوح في تفجيرات ميدان نهضة مصر، ومن ثم في عملية اغتيال العميد احمد زكي، وأخيراً في تفجيرات قصر الاتحادية، التي توحي بنقلة نوعية وجغرافية للنشاطات الإرهابية.
ويثير المسار التصاعدي لعمليات «أجناد مصر» مخاوف من ان تشكل تلك الجماعة الناشئة مصدر تهديد حقيقي لأجهزة الأمن في مصر في المستقبل القريب، بما لا يقل خطورة عن تهديدات «أنصار بيت المقدس»، خصوصاً ان هذا المسار يوحي بأن «أجناد مصر» تندرج ضمن إطار مجموعات «الذئاب المتوحدة»، التي يمكن التعرف إلى طريقة عملها من خلال منهجية المدعو مصطفى بن عبد القادر ست مريم، الملقب بأبي مصعب السوري، والمعروف بـ«فيلسوف القاعدة».
ويدور الحديث هنا، وفق منهجية ابي مصعب السوري، التي تضمنها كتابه «دعوة المقاومة الإسلامية العالمية»، عن مجموعات صغيرة (تتراوح من شخصين إلى 15 شخصاً) مؤمنة بالفكر «الجهادي»، تختار اسماً خاصاً بها، وتعمل منفردة بعيداً عن أي ارتباط بمجموعات اخرى، وتستهل نشاطها بتنفيذ عمليات صغيرة أو متوسطة أو كبيرة، بتمويل ذاتي، وتدريب داخلي غالباً ما يتم داخل المنازل أو ورش الصناعة، وخبرات بدائية يتم اكتسابها من خلال المواقع «الجهادية»، قبل أن تنشطر وتنمو كالخلايا السرطانية.
ويكون الهدف من عمليات تلك المجموعات إثارة الرعب ضمن تسلسل العمل «الجهادي» (إثارة الرعب، التسديد، إقامة الدولة الإسلامية)… وفي بيئة «جهادية» كتلك التي يشهدها الوطن العربي في هذه الأيام، فإنّ مجموعات على هذه الشاكلة يصعب السيطرة عليها، وهو ما يعزز المخاوف من احتمال انتقالها إلى عنف أكثر تشدداً.
خلال اليومين الماضيين انتشر بيان على شبكة الانترنت، يحمل توقيع «الدولة الإسلامية في العراق والشام» ـ «داعش»، ويتضمن تشجيعاً لـ«أجناد مصر» على تنفيذ تهديداتها… وإذا تأكدت صحة نسب هذا البيان، يمكن تخيل ما يمكن ان تؤول إليه الأمور مع مجموعات صغيرة كتلك التي نفذت تفجيرات أمس في مصر!

وسام متى
“السفير” – 02/07/2014