«الميدان» يكتب مستقبلنا

(1)

استغرب مدير التحرير فكرة ان يأتيه أحد الزملاء بصورة تناقلها الناشطون عبر موقع التواصل الاجتماعي «فايسبوك» من موقع الحدث في شارع الحبيب بورقيبة الذي امتلأ عن آخره بالمتظاهرين. عبثاً حاول الصحافي المخضرم أن يجد صورة مماثلة، وهو يقلّب في القنوات الفضائية وصفحات الصور الواردة عبر وكالات الأنباء العالمية، فأخذ يشكك في ما نقله اليه الصحافي الشاب، انطلاقاً من تواصله المباشر مع صانعي الحدث في الميدان، لكن الأخير ظل متمسكاً برأيه القائل إن زين العابدين بن علي على شفا الرحيل. وهذا ما كان يوم 14 كانون الثاني 2011.
لم يخذل الميدان المؤمنين به!

(2)

بعد تلك الواقعة بأسبوع تقريباً، وعلى وقع الدعوات التي أطلقها ناشطون مصريون للثورة على نظام حسني مبارك، كانت الصحف ومراكز الدراسات في الوطن العربي والغرب تحفل بمقولات من قبيل «مصر ليست تونس»، وراح هذا الكاتب او ذاك يدعّم تلك المقولة بإسقاطات ايديولوجية مستوحاة من صاموئيل هنتنغتون وفرانسيس فوكوياما وغيرهما، للإيحاء على ان ما حدث في تونس استثناء… وهو ما خالفه صحافي شاب آخر التمس من شباب مصر إصرارهم على النصر، فكتب أن ثورة مصر ستكون تونسية.. وهذا ما كان يوم 25 كانون الثاني 2011.
لم يخذل الميدان المؤمنين به مرة ثانية!

(3)

خلال الأحد عشر يوماً قبل «ثورة 25 يناير»، كان فرز قد بدأ يتكوّن بين جيلين من الصحافيين، أحدهما ذهب بعيداً في تبنيه للخيار الثوري، فكان الميدان مصدر استشرافه لمستقبل بدا مشرقاً، وثانيهما أيد هذا الحراك لكنه بدا متحفظاً إزاء تبنيه، فكانت التنظيرات السياسية البائدة مصدراً لتوقعات أظهرت الأحداث اللاحقة عدم صوابها.
هذا الفرز تبدّى يوماً حين حل «كاتب مختص بالشؤون المصرية» ضيفاً على مدير التحرير المذكور أعلاه، وذلك بعد ساعات على الخطاب الشيطاني الذي ألقاه حسني مبارك في الثاني من شباط، ثم خرج على الصحافييْن الشابيْن بتنظير من تنظيرات «لجنة الحكماء» قائلاً إن «الثورة حققت أهدافها، ومبارك سيتنحى، لكنه لن يقدم على خطوة كهذه قبل أيلول المقبل، فالدستور الحالي لا يتضمن آلية لانتقال السلطة في حال استقالة الرئيس، لا مصلحة لأحد بالفراغ الدستوري». نظر الصحافيان الى بعضهما وابتسما ابتسامة ساخرة، وهما يتابعان مجرى أحداث ليلة الصمود التي أعقبت «موقعة الجمل». وظلا متشبثين برهانهما على أن الميدان سيكتب النصر… بعد تلك الواقعة بعشرة أيام سقط مبارك.
لم يخذل الميدان المؤمنين به مرة ثالثة!

(4)

في 30 حزيران العام 2013، بدا الصحافي الشاب واثقاً من أن ساعات محمد مرسي في الحكم باتت معدودة. نقل وجهة نظره تلك الى زملائه «ذوي الخبرة» خلال اجتماع تحريري، فأخذ يرى في أعينهم تشكيكاً، تبدّى تحفظاً في عنوان الصفحة الأولى يوم سقوط نظام «الإخوان».
لم يخذل الميدان المؤمنين به مرة رابعة!
… على مدار السنوات الثلاث اللاحقة، لم يخذل الميدان الصحافيين المؤمنين بحتمية الثورة ضد قوى الرجعية وطيور الظلام، فكان ملهماً لهم، سواء في الاستحقاقات الكبرى التي أطاحت الأنظمة القوية، أو في الاستحقاقات الثانوية… اليوم بات بإمكان المؤمنين بالحراك الثوري أن يقولوا من دون تردد: الميدان سيكتب مستقبلنا… ولتسقط كل التنظيرات المشككة!

وسام متى
“السفير” – 25/03/2014

فليكر