لم تنته الحرب…

تحرس صورهم… تنتظر تجمعاً سياسياً/ نقابياً/ اجتماعياً/ محلياً/ عربياً/ دولياً… أو حتى مجرّد عابر سبيل لتتحدث عنهم.

أحدهم في تلك الصور  خرج من بيته قبل 39 عاماً… أعدّت له طعام العشاء… انتظرته… لكنه لم يعد!

هو أب/ ابن/ زوج/ أخ لم يضل طريق بيته، لكن مسلحاً من مسلّحي الأمر الواقع اقتاده إلى مكان آخر، داخل الوطن أو خارجه!

أين صورته بين تلك الصور المنتشرة كالموزاييك حول خيمة الاعتصام الطويل في ساحة جبران خليل جبران في وسط بيروت؟ لا يهم(!) فكلهم واحد… تحتضنهم عينا تلك المرأة الثمانينية وتحادثهم حين تخلو تلك الساحة إلا من بعض الطيور، وحين يسود صمت ليل بيروتي لا تخرقه سوى اصوات سيارات عابرة على جسر مقابل.

ماذا اقترف هذا الشاب الذي عُلّقت حياته في العام 1975 أو 1976 أو 1977 حتى إشعار آخر؟ لا يهم ما اقترف… فأي خطأ أو خطيئة / هفوة أو جريمة تستحق اخفاءً قسرياً لأربعة عقود؟ وأي انتماء طائفي / سياسي /أو مناطقي يحاسب عليه الانسان بأن يظل أسيراً في صورة بالأبيض والأسود؟!

17 ألف مفقود تحوّلوا بين ليلة وضحاها إلى صورة بالأبيض والأسود.. تماماً كحال ذويهم المتأرجين أبيض وأسود من نوع آخر. بعضهم ينتظر فجر كل يوم قامة تقترب من باب المنزل الذي يلفه ضباب السنين فيتجلى المغيّب وتنجلي صورته في عيني منتظره… وبعضهم الآخر يترقب قدوم موظف حكومي أو عنصر أمني أو ناشط مدني يحمل اليه وثيقة تؤكد وفاته!

17 ألف مفقود بعضهم ما زال في غياهب سجون لا يعلم بسراديبها سوى الخاطفون (مسلّحون/قادة احزاب/مسؤولي استخبارات محلية واقليمية… وربما دولية)!

17 ألف مفقود  نعلم أن بعضهم اسقط في حفر المقابر الجماعية التي لا يجوز الكشف عنها على السلم الأهلي!

17 ألف مفقود بعضهم احتضنه البحر بعدما ألقاه القاتل ، بعدما افرغ شحنة السادية الكامنة فيه بتقطيع أذنه او اصابعه ليتباهى بها أمام رفاقه في فرق الموت!

17 ألف مفقود لا يبرّد قلب ذويهم سوى خبر عمره اكثر من عشرين عاماً، ينقله إليهم مخطوف محرر شاهد مخطوف آخر أو استشبه ملامحه في سراديب الاعتقال!

كيف ينام الخاطف أو القاتل؟

كيف نتقاطر كل أربع سنوات إلى صناديق الاقتراع ونعطي هذا الخاطف / القاتل صوتنا؟

كيف يصبح هذا الخاطف/القاتل زعيماً يذرف دموع التماسيح في الثالث عشر من نيسان من كل عام؟

كيف يحكم قاض ببراءة خاطفين  “لعدم كفاية أدلة”؟

كيف لا تقشعر أبداننا ونحن نجتاز يومياً نقاط التماس التي ما زالت تفصل في عقولنا البيروتين الشرقية أو الغربية؟

كيف لا نقف لحظة تأمل مع أنفسنا حين نمر على حاجز البربارة/المدفون، أو حين ننتظر قهوتنا في مقاهي الوسط التجاري، أو حين نتنزه عند شواطئ ميناء طرابلس، أو حين نتوقف يومياً في زحمة السير عند تقاطعات “السبوت السوداء” العابرة للطوائف والمناطق منذ العام 1975؟

كيف لا نفكر أن شبح الخطف /القتل قد يداهمنا في كل لحظة ما دامت تلك الحرب لم تنته نظرياً؟

كيف نحيي سنوياً ذكرى الحرب الأهلية (المختلف على تاريخها بين التقويمين اليميني واليساري) تحت شعار “تنذكر ت ما تنعاد” فيما هي حرب مستمرة ولن تنتهي إلا بعودة آخر مفقود ؟

وسامم متى
موقع “قل” – 1/4/2014

فليكر