دول حوض النيل.. شراكة مستقبلية أم حرب؟

“النيل نجاشي… حليوة أسمر/ عجب للونه… دهب ومرمر/ أرغوله في إيده… يسبح لسيده / حياة بلدنا… يا رب ديمه”. لكي يكتمل المشهد في القصر الجمهوري في الخرطوم يوم الثالث والعشرين من مارس الماضي، لم يكن ناقصاً سوى أن يبث القائمون على شؤون الرئاسة السودانية هذه الأغنية، التي كتب كلماتها أمير الشعراء أحمد شوقي وأدّاها الموسيقار محمد عبد الوهاب في فيلم “الوردة البيضاء” (1933).

شبك الرئيسان المصري عبد الفتاح السيسي والسوداني عمر البشير ورئيس الوزراء الإثيوبي هايلي ماريام ديسالي الأيادي احتفاءً بتوقيع إعلان المبادئ بشأن “سد النهضة”. وربما كانت هذه الأغنية الهادئة، الخيار الأمثل لموسيقى تصويرية ترافق هذا الحدث “النيلي” الذي تكاد وسائل الإعلام في مصر والسودان وإثيوبيا تجمع على وصفه بـ”التاريخي”.

الانعطافة الكبرى

ما سبق ليس من باب السخرية، فالانفراجة المفاجئة في ملف النيل، وما رافقها من كلمات رسمية عنوانها العريض “النيل يوحّدنا ولا يفرّقنا”، شكلت انعطافة 180 درجة عن خطاب ساد خلال السنوات الماضية، وبلغ ذروته في أواسط العام 2013، أيام حكم “الإخوان المسلمين”، حين قررت أديس أبابا تحدي المصريين، مطلقةً الأعمال التنفيذية لـ”سد النهضة” أو “سد الألفية”، وما تلا ذلك من ردود أفعال من الجانب المصري، وصلت إلى حدّ الحديث عن “عمليات سرية” في العمق الإثيوبي، وتهديدات “كده وكده” بتنفيذ غارة جوية على السد النهري، وذلك خلال اجتماع رئاسي عالي المستوى كان يفترض أن يكون “سرياً”… ولكن وقائعه أذيعت مباشرة على الهواء من قصر الاتحادية لسبب ما زال مجهولاً حتى اللحظة.

“إعلان المبادئ” المصري-الإثيوبي-السوداني قد يشكل محطة مفصلية في حل نزاع طويل، تسبب بأزمات متلاحقة وخطيرة بين دول المنبع والمجرى والمصب، منذ أربعة عقود على أقل تقدير. ومن شأنه أن يمهّد لتكامل إقليمي على مستوى الأمن المائي، خصوصاً أن بنوده العشرة تؤكد “مبدأ التعاون المبني على التفاهم المشترك والمنفعة المشتركة، وحسن النوايا وتحقيق المكاسب للجميع، وتفهم الاحتياجات المائية لدول المنبع والمصب بمختلف مناحيها”.

ولكن كل ذلك يبقى رهناً بترجمة النيات الطيبة من خلال إجراءات عملية، وهو ما يفترض أن تنجزه لجان مشتركة من وزارات الريّ وخبرائها في الدول المعنية خلال الفترة المقبلة.

خلافات تاريخية واتفاقات

وفي حال نجاح فريق الخبراء في تهيئة التربة لاتفاق نهائي بشأن تقاسم مياه النيل، يمكن عندئذ إضفاء الطابع التاريخي على ما سيتم التوصل إليه من تفاهمات.

ولا يقتصر الطابع التاريخي لهذا الاتفاق المائي، في حال تحقّقه، على نتائجه المباشرة المرتبطة بحل أزمة “سد النهضة” بين مصر وإثيوبيا، بل على ما سيفرزه من تغييرات في العلاقات القانونية التي حكمت العلاقة بين دول المنبع (بوروندي، رواندا، تنزانيا، كينيا، الكونغو الديموقراطية، أوغندا، إثيوبيا) ودول المرور/ المصب (السودان بشطريه الشمالي والجنوبي ومصر)، منذ أواخر القرن التاسع عشر، والتي تستند إلى اتفاقات ثنائية ومتعددة الأطراف، تآكلت مفاعيلها على مر العقود.

أول تلك الاتفاقات، معاهدة العام 1891، التي أبرمتها بريطانيا وإيطاليا لتقاسم النفوذ في حوض النيل، والتي منعت إقامة أيّة مشاريع على النهر من دون التشاور مع مصر. ثم أتت اتفاقية العام 1929 بين بريطانيا والكونغو، وتعهدت فيها الدولة الأفريقية عدم إقامة أيّة مشاريع على النيل من دون الاتفاق مع الحكومة السودانية.

ومن ثم جاءت اتفاقية العام 1929 بين مصر وبريطانيا بالنيابة عن مجموعة الدول الإستوائية، ومن أبرز ما تضمنته الإقرار بحقوق مصر التاريخية في مياه النيل، ومنع إقامة أيّة أعمال ري أو إجراءات على النيل وفروعه أو على البحيرات التي تنبع سواء من السودان أو البلاد الواقعة تحت الإدارة البريطانية بدون اتفاق مسبق مع مصر. وعليه، تم توقيع الاتفاقية المكملة بين مصر والسودان عام 1959، وبموجبها جرى توزيع حصص المياه التي تصل الدولتين بنسبة 555 مليار متر مكعب لمصر، و185 مليار متر مكعب للسودان، وأخيراً اتفاقية العام 1993، بين مصر وإثيوبيا بشأن استخدام مياه النيل على أساس قواعد ومبادئ القانون الدولي، مع الامتناع عن أي نشاط يضر بمصالح الطرف الآخر.

ولكن ما أفرزته تلك الاتفاقات من قواعد قانونية سرعان ما بدأ يتآكل مع غروب شمس الحقبة الاستعمارية. وإذا كان ما كتبه ونستون تشرشل بشأن النيل، في روايته الشهيرة “حرب النهر”، التي سرد فيها قصة معركة أم درمان (1898)، وجاء فيها أن “النيل له اليد الطولى وهو سبب الحرب ومن خلاله نحارب وهو النهاية التي نرغب فيها”، فإن التحركات التي قامت بها الدول المستعمَرة لانتزاع ما تعتبره حقاً طبيعياً في النهر العظيم، بدت طبيعية حين فقد الأسد الإنكليزي أنيابه.

ولعل أولى المحاولات في هذا الإطار، كانت عام 1959، حين رفعت إثيوبيا شكوى إلى مجلس الأمن الدولي احتجاجاً على الاتفاقية المصرية-السودانية. ووصل الأمر بأمبراطورها هيلاسيلاسي إلى فصل الكنيسة الإثيوبية عن بطريركية الإسكندرية والكرازة المرقسية، بعدما ظلت الكنيستان توأماً سيامياً لنحو 16 قرناً. وراحت أديس أبابا تخطط لإقامة مشاريع خاصة على النيل، رداً على قيام مصر ببناء السد العالي، كما كانت قد رحبت باسترداد الولايات المتحدة عرضها لتمويل السد عام 1956، ووقفت في مؤتمر لندن الخاص بتدويل قناة السويس ضد حقوق مصر.

ومع وصول منغستو هايلي ماريام إلى الحكم، بلغ الاحتقان ذروته حين هدّدت أديس أبابا بتحويل مجرى نهر النيل، اعتراضاً على مشروع أطلقه الرئيس المصري أنور السادات لتحويل جزء من مياه النهر لري 35 ألف فدان في سيناء.

لكن سعي دول المنبع إلى إلغاء الاتفاقيات الموروثة اتخذ بعداً أكثر جدية منذ مطلع الألفية الثالثة. ووصل الأمر إلى إطلاق هذه الدول، بدون رضا مصر والسودان، في مايو 2010، اتفاق الإطار التعاوني لنهر النيل، المعروف باسم اتفاقية عينتيبي، والتي استندت إليها إثيوبيا لإطلاق مشروع “سد النهضة”.

قواعد جديدة

على هذا الأساس، فإن التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن تقاسم مياه النيل قد يفضي إلى تكريس واقع جديد، يحل مكان الواقع الموروث من عهد الاستعمار، ويستند إلى مبادئ جديدة تحفظ حقوق دول المنبع والمصب، ويشكل ترجمة عملية لما توصل اليه “معهد القانون الدولي”، عام 1991، في ما يتعلق بمراعاة العدالة في توزيع المياه بين الدول المشتركة في الأنهار، تبعاً لطبيعة النهر، ومساحة المنطقة التي يمر عبرها في كل دولة من دول الحوض، وتاريخ استغلال مياهه، وعدد السكان المستفيدين منه، ولما شددت عليه لجنة الحقوق الاجتماعية والاقتصادية التابعة للأمم المتحدة، عام 2002، من أن “الحق في المياه يتضمن حماية الشروط الضرورية لحياة المدنيين، بما فيها المنشآت المائية والإمدادات والري وحماية البيئة الطبيعية من الأضرار”.

ولعل التوصل إلى تفاهمات بناءً على هذه المبادئ الجديدة، والتي يمكن تلخيصها بما يعرف في القانون الدولي بـ”نظرية الانتفاع المنصف والمعقول والمساواة بين جميع دول الحوض”، قد يشكل حلاً وسطاً بين ما تعتبره دول المنبع “حقاً طبيعياً”، وخصوصاً إثيوبيا التي هي مصدر حوالى 86 في المئة من مياه النيل، وما تعتبره دول المصب “حقاً مكتسباً”.

ولدى مصر الكثير من الهواجس السياسية والتقنية والبيئية للشعور بالقلق من احتمال شح المياه، وهو أمر مرتبط بالمدى الزمني لملء الخزان الإثيوبي المستحدث، والهلع من إمكان انهيار “سد النهضة” وما سيسببه من انهيار حتمي للسد العالي وغرق وادي النيل بأكمله بالفيضان.

احتواء استراتيجي

وبرغم أهمية الجوانب التقنية في أي اتفاق مستقبلي بشأن النيل، يبقى أن ما سينتهي إليه المفاوضون، بعد منازلة “شيطان التفاصيل” خلال الأشهر المقبلة، سيشكل أساساً لتحولات إستراتيجية ستكون لها تداعيات دراماتيكية على المستوى الجيوسياسي، خصوصاً في ظل توقعات صحافية وأكاديمية بأن المواجهة العسكرية المقبلة في الشرق الأوسط ستكون بين مصر وإثيوبيا.

وليس هذا التوقع جديداً، كما أن فكرة الصدام بين الدولتين راسخة تاريخياً، حتى أن بالإمكان مشاهدتها أو سماعها في عمل فني، على غرار أوبرا “عايدة”، وهي نص غنائي يستند إلى مخطوطات قديمة ولحّنه الموسيقار الإيطالي فيردي، وتروي قصة حرب بين مصر وإثيوبيا ينتصر فيها المصريون في نهاية المطاف.

ويبدو أن تلك الأوبرا تركت تأثيرها على أجيال متعاقبة من حكام مصر، منذ عام 1871 وصولاً إلى الآن، وهو تأثير لم تسلم منه حتى قوى المعارضة، إذا ما استثنينا محمد البرادعي، الذي كان موقفه متمايزاً حين كتب في خضم أزمة “سد النهضة” في عهد “الإخوان المسلمين” أن الحل “يتمثل في العقلانية وليس العنترية”.

وفي تاريخ مصر الحديث الكثير من العنتريات مثل خطاب السادات الشهير الذي هدد فيه إثيوبيا بالقوة العسكرية حين لوحت بتحويل مجرى النيل (1979)، ومثل وعيد حسني مبارك بـ”هدم السد” رداً على اقتراح رئيس الوزراء الإثيوبي الأسبق ميليس زيناوي بشأن التعاون والإدارة المشتركة لمشروع “النهضة” (2008)، وصولاً إلى حديث مرسي ومستشاريه عن عدم استبعاد الخيار العسكري ضد أديس أبابا (2013).

ومن الواضح أن العهد المصري الجديد اعتمد مقاربة مختلفة عن أسلافه بخصوص ملف النيل، أحد أبرز تحديات الأمن القومي المصري. وكان لافتاً أن هذه المقاربة صيغت بسرعة قياسية، اذ لم تكد تمضي أيام قليلة على عزل الرئيس “الإخواني”، حتى شرعت الديبلوماسية المصرية في حراك مكوكي لإيجاد حل تفاوضي لأزمة “سد النهضة”.

ويبدو أن المقاربة الجديدة تستند إلى معطيات واقعية، أبرزها إدراك القيادة المصرية أن مجرّد الحديث عن “عمل عسكري” هو نوع من العبث في ظل ظرف إقليمي ودولي غير مناسب، وأن “سد النهضة” بات أمراً واقعاً يتطلب التعامل مع تداعياته بعيداً عن غوغائية العهود السابقة، خصوصاً أن مشروعاً كهذا من شأنه أن يضع شريان مصر الحيوي تحت رحمة قوة إقليمية صاعدة، وأن يسيّل لعاب باقي دول المنبع للشروع في مشاريع مماثلة.

خلال حلقة نقاش أقيمت في مدينة برن السويسرية عام 2009، ذكّر عضو تنسيقية “الماء كملكية عامة” برونو ريزن بأن المياه لعبت دوراً حاسماً في 37 حرباً خلال الأعوام الستين الأخيرة، وبأن ثلثي سكان العام سيفتقرون إلى المياه بحلول العام 2025، ليخلص إلى أن نزاعات القرن الحادي والعشرين ستتمحور حول المواد الخام، وخصوصاً المياه التي ستُصبح أكثر ندرة في كل مكان.

وقبل ذلك بعشرين عاماً، أطلق الأمين العام للأمم المتحدة بطرس غالي (نائب وزير الخارجية المصرية حينذاك) “نبوءته” بأن “حرب المياه هي حرب القرن الحادي والعشرين”. اليوم، تبدو دول حوض النيل بين خيارين: الشراكة أو الحرب.

وسام متى
“رصيف 22” – 10/4/2015

فليكر