الشرق الأوسط ما قبل الاتفاق النووي، لن يكون كما بعده. ارتقت هذه الحقيقة الى مستوى البديهيات في الأدبيات السياسية في المنطقة بعدما انتهت ليالي التفاوض النووية الطويلة.
ومع ذلك، فإن التوقعات بشأن التحولات التي يمكن للتسوية النووية أن تفرزها في المشهد الإقليمي تبقى موضع تباين في ظل الاصطفافات الثابتة والمتغيّرة التي يشهدها الشرق الأوسط منذ ما يقارب الأربعة عقود.
هنا تتفاوت القراءات الخاصة بمرحلة ما بعد الاتفاق النووي بين متفائل يرى أن الشرق الأوسط مقبل على مرحلة جديدة ترفرف فيها حمامات «السلام النووي» في سماء الشرق الأوسط الملتهب بالصراعات الدامية، وبين متشائم يعتقد أن ما تحقق في فيينا ربما يمثل بداية لتموضعات جيوسياسية جديدة ستكون نتيجتها صب مزيد من الزيت على النزاعات القائمة، وفتح جبهات جديدة بعيداً عن نقاط الاشتباك المشتعلة حالياً.
وبين هذا وذاك، متشائل يرى أن البراعم السياسية للاتفاق النووي قد تفتحت ولكن ثماره لن تينع بين ليلة وضحاها، ومرد ذلك الى وجود محاذير، لا بد من الالتفات اليها، أولها الشكوك الموضوعية بشأن آلية الاتفاق النووي نفسه ـ في ظل تاريخ من عدم الثقة بين الجانبين الايراني والاميركي ـ وبقدرة التسوية النووية على توحيد الرؤى المتناقضة ازاء الملفات الاقليمية، ناهيك عن تشويش متزايد انطلق باكراً من تل ابيب والرياض.
وبعيداً عن النتائج المباشرة التي تمخضت عنها المفاوضات النووية، والتي يبقى نجاحها رهناً بحسن النوايا حين يتخطى الاتفاق عراقيل التفاصيل التنفيذية، فإن السؤال الذي يطرحه كثيرون – حتى قبل بزوغ فجر فيينا – يدور حول النتائج الجيوسياسية لتلك التسوية التاريخية.
وبالرغم من ان المفاوضين النوويين قد ركّزوا جهودهم على النواحي التقنية، ونحوا جانباً القضايا السياسية الشائكة – وهو عامل يرى كثيرون انه اسهم في نجاح المفاوضات وحافظ على قدر من التماسك بين دول مجموعة «5+1» ذات المصالح المتعارضة والمتقاطعة في آن ـ الا ان لا جدال في كون التسوية النووية ستمهد لتغييرات على المستوى الجيوسياسي، مع العلم ان تغييرات من هذا النوع لن تكون «تلقائية»، خصوصاً ان ما يفرّق اصحاب النفوذ الاقليميين والدوليين في الشرق الاوسط، اكبر بكثير مما يجمعهم.
ومع ذلك، فإن تسوية فيينا تمثل محطة محورية لإعادة رسم المشهد الجيوستراتيجي في الشرق الاوسط على المدى المنظور، إن على المستوى الداخلي في هذا البلد او ذاك، او على مستوى العلاقات العابرة لـ «حدود سايكس – بيكو» التي تزداد هشاشة يوماً بعد يوم.
وفي العموم فإن الرئيسين الاميركي باراك اوباما والايراني حسن روحاني كانا واضحين في تحديد الاطار السياسي الذي سيسير فيه الاتفاق النووي، إذ قال الاول إن «هذا الاتفاق يوفر فرصة علينا ان نغتنمها للمضي في اتجاه جديد»، في حين شدد الثاني على ان «الاتفاق يمثل نقطة انطلاق لبناء الثقة بين بلاده والغرب».
ومن الواضح ان «الاتجاه الجديد» الذي تحدّث عنه الرئيس الاميركي يتمثل في الانتقال من «سياسة الاحتواء»، التي انتهجها اسلافه منذ انتصار الثورة الاسلامية، الى «سياسة اليد الممدودة» التي لاحت بوادرها قبل الاتفاق النووي، حين نسّق الجانبان جهودهما ضد تنظيم «الدولة الاسلامية» في العراق، في حين ان «نقطة الانطلاق لبناء الثقة» التي اشار اليها الرئيس الايراني تنبع من براغماتية لم تعد مقتصرة على القيادة الايرانية الجديدة (روحاني وفريقه) بل صارت تشمل القيادة التاريخية المتمثلة بالمرشد الاعلى آية الله علي خامنئي، الذي اعطى قبل عامين الضوء الاخضر لمسار ديبلوماسي لا يفرّط «قيد انملة» بالمكتسبات التي حققتها «الأمة الايرانية».
هكذا يجزم كثيرون بأن الاتفاق النووي ستترتب عليه نتائج جيوسياسية اكثر اهمية بكثير من خطوات اخرى توازيه في الاهمية اتخذها باراك اوباما بعد بدء ولايته الرئاسية (الانسحاب من العراق) وفي وسطها (الانسحاب من افغانستان) ومع بدء العد العكسي لنهايتها (الاتفاق التاريخي مع كوبا)، وهو ما يوحي بإعادة ترتيب للسياسات الخارجية قبل ان يتسلم خلفه، ديموقراطياً كان ام جمهورياً، مفاتيح البيت الابيض بعد ما يقرب من العام ونصف العام.
واذا كان من المبكر الحديث عن مرحلة «تطبيع كامل» للعلاقات الاميركية – الايرانية، تُسقط فيه طهران شعار «الموت لأمريكا» وتتخلى فيه واشنطن عن خططها الدائمة لزعزعة استقرار الجمهورية الاسلامية، التي كانت حتى الامس القريب «دولة مارقة» عند المحافظين الجدد، فإن مرحلة التسوية النووية ربما تكون اشبه بمرحلة التقارب الذي شهدته العلاقات الاميركية – الصينية في مطلع السبعينيات، حين قام الرئيس ريتشارد نيكسون بزيارة تاريخية لبكين، اسهمت في تبريد التوتر الذي كان قائماً بين العدوين اللدودين وقتذاك، لا بل كرّست لتحالف ضمني، من دون ان تنهي الصراع الحاد، الذي ما زال قائماً حتى يومنا هذا، وإن انتقل من ميدان الايديولوجيا الى اسواق التجارة العالمية.
وكما ان المصافحة التاريخية بين ريتشارد نيكسون وماو تسي تونغ في الحادي والعشرين من شباط العام 1972 قد مهّدت لمرحلة تحولات محورية في خضم الحرب الباردة، فإنه من غير المستبعد ان تمهّد تسوية فيينا النووية الطريق لتحولات اقليمية، بدءاً بسوريا والعراق، مروراً بمنطقة الخليج العربي، وصولاً الى لبنان وفلسطين.
والواضح حتى الآن ان الاتفاق النووي يعني، من الناحية السياسية، اعترافاً مباشراً من قبل الولايات المتحدة بإيران كقوة اقليمية كبرى، ينبغي التنسيق معها في كل ما يتعلق بقضايا الشرق الاوسط، وهو ما يمنح، بطبيعة الحال، هامش مناورة سياساً واسعاً للجمهورية الاسلامية في مقاربة الكثير من الملفات الملتهبة.
وربما يكون الميدانان السوري والعراقي الاختبار التطبيقي الاول للتحوّلات السياسية المترتبة على الاتفاق النووي. وفي هذا الإطار، كان لافتاً ما قاله وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من ان الاتفاق النووي يسهّل تشكيل «تحالف واسع» ضد «الدولة الاسلامية»، وما اشار اليه الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، بعيد اعلان فيينا، من انه ينبغي حث ايران على المساعدة في ايجاد حل للازمة السورية.
وربما يفضي الاتفاق النووي، بما يحمله من فك للعزلة الدولية على ايران، وأولى ملامحها اعلان وزيري الخارجية الالماني فرانك فالتر شتاينماير والفرنسي لوران فابيوس عن رغبتهما في زيارة طهران قريباً ومحاولة تركيا تعويض غيابها عن الملف النووي عبر توقعات وزير خارجيتها مولود تشاوش اوغلو بأن الاتفاق النووي سيسهم في تحسين الاقتصاد الاقليمي الى اسقاط «الفيتو» الغربي على مشاركة الجمهورية الاسلامية في جهود الحل السياسي للازمة السورية، والذي ادى الى استبعادها عن مؤتمري «جنيف1» و»جنيف2».
ومع ذلك، فإن تعقيدات الوضع في الشرق الاوسط ربما تسهم في تخفيض سقف التوقعات الايجابية، فالحل النووي لن ينسحب بالضرورة على خلافات عميقة لا تزال قائمة بين ايران والولايات المتحدة، خصوصاً في ما يتعلق بصراع النفوذ في الشرق الاوسط، لا سيما في الميدانين العراقي والسوري.
وبالرغم من ان الاتفاق النووي قد يسهم في تخفيض بعض الحساسيات بين ايران والولايات المتحدة، الا انه لن يفضي الى تغيير كبير في الاستراتيجيات المتناقضة، سواء في سوريا، حيث تتمسك طهران ببقاء الرئيس بشار الاسد، في حين تسعى واشنطن الى اطاحته او تدمير الدولة السورية، أو في العراق حيث توفر الانقسامات بيئة مؤاتية للصراع على النفوذ، وفي لبنان وفلسطين المحتلة حيث لا يتوقع ان تتخلى الجمهورية الاسلامية عن دعمها الاستراتيجي لفصائل المقاومة.
ومع ذلك، فإن الطرفين الايراني والاميركي قد يلتقيان عند مصلحة مشتركة تتمثل في التصدي للخطر المتنامي الذي يمثله «داعش»، علماً بأن الطرفين اجريا تجارب ميدانية صغيرة في هذا الاطار خلال الاشهر الماضية على جبهات القتال ضد التنظيم التكفيري في العراق.
ومن جهة ثانية، فإن اسقاط العقوبات المفروضة على طهران، بموجب الاتفاق النووي، يعني من الناحية العملية تحرير عشرات مليارات الدولارات المجمّدة، وتخفيف العبء عن الاقتصاد الايراني، بما يمهّد لانطلاقة جديدة، سيكون ممكناً استثمارها في الأروقة السياسية والجبهات العسكرية، وربما هذا ما يدفع البعض الى التحذير من ان هذا الواقع الجديد سيسهم في تأجيج الصراع على النفوذ الاقليمي بين واشنطن وطهران، في حين يرى خبراء اقتصاديون ان المفاعيل الاقتصادية – وبالتالي السياسية والعسكرية – للاتفاق النووي، لن تكون سريعة، خصوصاً ان الاقتصاد الايراني المكبّل بالعقوبات الدولية قرابة عقد يحتاج الى اصلاحات كبيرة وخطة تحديث ضخمة قبل ان يستعيد عافيته بشكل تام، علاوة على ان اي تعثر في تطبيق الاتفاق النووي قد يقود الى اعادة فرض العقوبات كما افصح مسؤولون اميركيون.
وربما هذا ما تراهن عليه القوى المعارضة لـ «السلام النووي»، سواء اسرائيل، التي اعتبرت، على لسان رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، اتفاق فيينا «خطأ تاريخياً»، وبدأت تعد «اللوبي اليهودي» لتقويض الاتفاق النووي عبر الكونغرس، او السعودية، التي استخدمت مصادرها عبارة نتنياهو نفسها، في معرض وصفها للاتفاق الاميركي – الايراني، متوعدة بـ «ردّ قوي» من خلال «اتخاذ اجراءات على المدى المتوسط»!
وبصرف النظر عن مدى قدرة اسرائيل والسعودية على تقويض الاتفاق النووي، فإن الطرفين ربما يجدان نفسيهما مضطرين الى التعايش مع الامر الواقع الجديد، سواء عبر ابتزاز الولايات المتحدة لضمان تفوقهما «النوعي» في مواجهة ايران، خصوصاً في ظل اصرار اوباما على طمأنة حليفيه – وهو ما يفترض ان يكون قد دار في الاحاديث التي اجراها مع نتنياهو والملك سلمان – ما ينذر بسباق تسلح جديد في الشرق الاوسط، او عبر البحث عن اصطفافات جديدة ضد ايران، قد تصل الى حد التحالف الضمني (او حتى العلني) بين الدولة العبرية والمملكة السعودية لمواجهة الجمهورية الاسلامية… الخ.
كل ما تقدّم يدفع الى انتظار تحولات مرتقبة للاتفاق النووي على مستوى الملفات الاقليمية، وهو ما يفترض ان تتبلور ملامحه الأولية حين تبدأ المرحلة التطبيقية لـ»السلام النووي».