حريق «المجمع العلمي»: استهداف لثقافة مصر… أم لثورتها؟!

كأنما مشهد الحريق الذي شب في مكتبة الفيلسوف العربي ابن رشد، والذي أبدع المخرج الراحل يوسف شاهين في تصويره في فيلم «المصير»، قد تكرر بكامل تفاصيله في القاهرة مؤخراً… نيرانٌ تلتهم إرثاً ثقافياً لا يقدّر بثمن، قلوبٌ تحترق على كل مخطوطة أكلتها النيران، فرحة تصاحب كل وثيقة أمكن إنقاذها، وجهد متواصل لإصلاح ما عبثت به أيادي الجهل والتخلف.
هكذا بدت الصورة في شارع الشيخ ريحان حين شبّت النيران في «المجمع العلمي»، ذلك المبنى القديم الذي شاء القدر أن يكون في قلب المواجهات التي شهدتها القاهرة بعد اعتداء القوات المسلحة على المعتصمين أمام مقر مجلس الوزراء.
كثيرة هي التساؤلات التي قد تجول في ذهن المرء عندما يشاهد ألسنة اللهب وهي تتصاعد من ذلك المبنى، أو عندما يرى شباناً وشابات يلقون بأنفسهم في قلب النيران، محاولين بإمكاناتهم البسيطة إنقاذ إرث ثقافي من الاندثار: بأيّ منطق تحاول الأبواق الإعلامية لحكم العسكر، والتي كانت حتى الأمس القريب أدوات في يد أكثر الأنظمة فساداً في العالم، أن تقنعنا بأن شباب ثورة مصر يمكنهم القيام بفعل كهذا؟ لماذا لم تكن خراطيم المياه وسيلة لإخماد النيران بدلاً من أن استخدامها كأداة لقمع الثوار؟ وما رد الجنرالات على السؤال المنطقي الذي وجهته إليهم صفحة «كلنا خالد سعيد» بشأن عدم استخدام طوافات إخماد الحرائق على غرار ما حدث يوم احترق مبنى مجلس الشورى في العام 2008؟ والأهم، لماذا يفتقر مجمع ثقافي من هذا النوع إلى ما يكفي من تجهيزات تجنبه سيناريو كارثيا كالذي حصل؟
وبين هذا التساؤل وذاك، يحاول المرء أن يستشرف الأهداف الكامنة وراء فعل كهذا، بين كونه مؤامرة لتشويه صورة شباب مصر الثائر، أم رسالة من أولياء الأمر لوضع شعب بأكمله أمام معادلة «إما نحن، وإما الفوضى»… حتى إن التفكير قد يشطح قليلاً فيستذكر من قال يوماً إنه يريد أن يعدم كتب نجيب محفوظ… ولعل ما يتردد هذه الأيام حول سرقة بعض محتويات المجمع قبل إضرام النار فيه، ونشر أخبار عن احتراقه قبل ذلك بساعات، يثير أكثر من علامة استفهام حول خلفيات هذا الحادث.
ووسط زحمة التساؤلات والتحليلات والتكهنات، فضل البعض أن يترك جانباً كل هذه القضايا، ولو إلى حين، وأن يسعى لاحتواء تداعيات تلك «الفاجعة الثقافية» التي حلت على مصر، على بعد مئات الأمتار من ذاك المجمع، وتحديداً في مبنى»دار الكتب والوثائق القومية» يعمل عشرات المتطوعين ليلاً ونهاراً على إنقاذ كنز ثقافي عالمي من الاندثار.
مريم سامي كانت واحدة من بين عشرات المتطوعين الذين هرعوا إلى المجمع العلمي فور تبلغهم بخبر احتراقه. ومنذ ذلك «السبت الأسود»، ما زالت مريم مواظبة على دعوة الناس للمشاركة في الجهود المبذولة لإنقاذ مقتنيات المجمع، وذلك من خلال رسائل متكررة عبر صفحتها على موقع «تويتر».
تقول مريم لـ«السفير» إن «الأرقام بشأن حجم الأضرار ما زالت متفاوتة، لكن ثمة حديثا عن 200 ألف وثيقة كانت موجودة داخل المجمع، وهي عبارة عن كتب ووثائق ومخطوطات ومذكرات وخرائط، بعضها نادر جداً، إذ يعود إلى القرن الثامن عشر أو ما قبل ذلك».
وتتحدث مريم عن «مفاجآت» ترافق بحثها عن قصاصات الورق السليمة وسط كم هائل من الرماد، من بينها، على سبيل المثال، مخطوطة حول نشاط الجمارك في عهد محمد علي باشا، وصفحات مبعثرة من موسوعة «وصف مصر»، وهي عبارة عن 20 مجلداً تتضمن مجموع الملاحظات التي دوّنها العلماء الذين اصطحبهم نابوليون بونابرت معه خلال حملته على مصر في نهاية القرن الثامن عشر.
وتشير مريم إلى أن «الكتب التي تم إخراجها من المجمع تبدو في حالة سيئة للغاية، وهي تتراوح بين الاحتراق الجزئي والرماد»، واصفة ما حل بهذا الكنز الثقافي بأنه «أمر يقطّع القلب».
ولكن وسط هذا المشهد السوداوي، ما زالت مريم تحتفظ بصورة جميلة لذلك «السبت الأسود»، وهي تعود لأناس هرعوا إلى المجمع لإنقاذه، وقد كانوا «صورة مصغرة من المجتمع المصري»، ومن بينهم مواطنون عاديون ومثقفون وموظفون وأساتذة جامعات. وتذكر بشكل خاص رجلاً يدعى «أبو غادة» تخلى مؤقتاً عن إسعاف جرحى المواجهات وتطوّع لنقل الكتب من المجمع عبر دراجته، وعدداً من الجنود «تركوا الخــدمة لمؤازرة المتطوعين».
وحول عملية ترميم الكتب، تشير مريم الى أن المرحلة الأولى تمثلت في نقل ما تم إخراجه من الجمع العلمي إلى دار الوثائق القومية، حيث تم وضعها تحت أشعة الشمس لكي تنشف من المياه، ويجري العمل حالياً على تغليفها بورق عازل لحمايتها من البكتيريا والفطريات، ليتم الانتقال بعد ذلك إلى مرحلة أكثر تقدماً، تبدأ بفك الورق العازل، وإعادة تجميع الصفحات المبعثرة، تمهيداً لبدء عملية الترميم على أيدي خبراء متخصصين في هذا المجال وهي عملية قد تستغرق سنوات عديدة.
من جهته، يصف رئيس مجلس إدارة دار الكتب والوثائق القومية محمد صابر العرب ما حل بالمجمع العلمي بأنه «كارثة كبيرة بكل المقاييس». ويوضح العرب لـ«السفير» أن الأضرار تنقسم إلى جزأين، الأول يتعلق بالمبنى، الذي أصبح آيلاً للسقوط، علماً بأنه يعود إلى القرن التاسع عشر.
ومن المعروف أن المجمع العلمي قد أنشئ في 20 آب العام 1798 بقرار من نابوليون بونابرت، وكان مقره في أحد دور بكوات المماليك في القاهرة ثم نقل إلى الإسكندرية عام 1859 وأطلق عليه اسم «المجمع العلمي المصري»، ثم نقل مجدداً إلى مقرّه الحالي عام 1880.
أما الجزء الثاني من تلك «الكارثة»، فيتعلق بمقتنيات المجمع. وفي هذا الإطار، يشير العرب إلى أن «80 في المئة من مقتـــنيات المجمع هي من التراث العالمي»، بالإضافة إلى ما يحويه من «خرائط يدوية لا توجد منها سوى نسخة واحدة».
ويوضح العرب انه «بالرغم من إنقاذ جزء كبير من محتويات المجمع، إلا أن 70-80 في المئة من الكتب تحتاج إلى ترميم، وهذا يتطلب وقتاً طويلاً وجهداً هائلاً».
ويشير العرب إلى ان جهات عربية ودولية عرضت المساعدة في تمويل عملية ترميم الكتب أو إعادة بناء المجمع، لافتاً إلى أنه تم إنقاذ قاعدة البيانات الخاصة بالمجمع، وهو أمر سيسهل كثيراً عملية حصر الأضرار، والبحث عن نسخ مماثلة للكتب المحترقة كلياً.
ويوضح العرب أن العمل حالياً ما زال في مرحلة إنقاذ الكتب، أي تجفيف الأوراق من المياه، وتعقيمها من البكتيريا، مشيراً إلى أنه بعد انتهاء هذه المرحلة، ستبدأ عملية الترميم. ويؤكد أن دار الكتب والوثائق تمتلك ثلاثة مراكز للترميم، يعمل فيها عشرات الخبرات، وهم على درجة عالية من الكفاءة، وهو أمر يبعث على التفاؤل في إمكان استعادة جزء كبير من هذا الإرث الثقافي.
ويشدد العرب على أن ما حدث في المجمع يجب أن يكون رسالة لكل المراكز المتخصصة كالمتاحف والمكتبات، لكي تبدأ في إعادة النظر في إجراءات الحماية لديها، كي لا تتكرر هذه «الفاجعة الثقافية» مجدداً.
صحيح أن ما جرى في المجمع كان كارثة بكل المقاييس، غير أن الفاجعة الأكبر تكمن في استخدام الحادث في إطار الدعاية الإعلامية للتحريض على شباب الثورة. ولكن الأخطر أن أحداثا كهذه غالباً ما يبدو المستفيد منها معلوماً، ولكنها تقيّد ضد مجهول، ولهذا فإن كثراً يخشون من أن ينتهي التحقيق في حريق المجمع العلمي إلى ما انتهى إليه التحقيق في حريق الأوبرا (1971)، أو التحقيق في حريق القاهرة (1952)!

Instagram @ wmattablog

Instagram has returned invalid data.